زوجها غيور جدًّا يمنعها من الخروج من المنزل، ومن زيارة أهلها، فماذا تصنع؟
السؤال
أنا متزوجة من سنة ونصف تقريبًا، وعندي بنت عمرها 6 شهور، مشكلتي مع زوجي هو أنه غيور جدّا جدّا, في أول زواجنا ألبسني النقاب, والحمد لله التزمت به, ومع ذلك يغار عليَّ لدرجة أني لم أعد قادرة على الاحتمال؛ فمثلًا: لا يوافق أبدًا أن أخرج خارج البيت حتى عند أمي، إلا نادرًا, وكنت قبل الولادة أخرج أشترى طلبات البيت، والآن لا يسمح لي أبداً أن أخرج أشتري أي حاجة للبيت، حتى ولو كانت ضرورية, وقد سبب لي مشاكل كثيرة جدّا بسبب غيرته هذه, وأحياناً لسبب تافه جدّا, يعمل عليه مشكلة كبيرة جدّا ، فأتمنى من حضرتك أن تخبرني ما العمل؟ فأنا متعبة جدّا, وقد حاولت مناقشته، لكن بدون أي فائدة, وإضافة لذلك هو عصبي جدًّا, ولم أستطع إقناعه بأي حاجة؛ فهل أطلب الطلاق منه، أم ماذا أصنع؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
طاعة الزوج حسنة تثاب عليها الزوجة, وطاعته في المباح هو استجابة لأمر الله، ومن سؤالك – أختنا السائلة – يظهر أنك مطيعة لزوجك، ويظهر ذلك في طاعتك له في لبس النقاب، وغيره؛ فنسأل الله أن يثيبك, وأن يجزيك خير الجزاء.
ثانيًا:
لا شك أن للزوجة على زوجها حقوقا وواجبات, ومنها: حسن العشرة، والمعاملة الحسَنة، كما قال تعالى: ( وَعَاشرُوهُنَّ بالمَعْرُوف ) النساء/ 19.
* قال ابن كثير – رحمه الله -:
أي : طيِّبوا أقوالَكم لهنَّ، وحسِّنوا أفعالَكم وهيئاتكم حسب قدرتكم، كما تحبُّ ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) البقرة/ من الآية 228، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي) – رواه الترمذي وصححه -.
” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 477 ).
وكذلك للزوج على زوجته حقوق وواجبات, وللوقوف على بعض من هذه الحقوق المتبادلة ينظر في أجوبتنا الأخرى.
ثالثًا:
غيْرة الرجل على أهله، ومحارمه: مطلب غريزي، وفطري، لا خيار للإنسان فيه، ولذلك كانت الغيرة من مقاصد الشّريعة، وقد أكدها الإسلام، وحث عليها, وقد تعجب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من شدة غيْرة سعد بن عبادة رضي الله عنه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟! لَأَنَا َغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي ) رواه البخاري ( 6846 ) مسلم ( 1499 ).
والمطلوب من الزوج: أن يعتدل في هذه الغيرة، فلا يبالغ بها حتى يصل إلى إساءة الظن بزوجه, أو يسرف في تقصي كل حركاتها، وسكناتها، وتتبع أقوالها، ويغوص في معانيها؛ فإن ذلك يفسد العلاقة الزوجية، ويكون مدخلاً للشيطان لإفساد الود، والمحبة بينهما.
عن جابر بن عتيك الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنّ َمِنْ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْهَا مَا يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ ). رواه أبو داود ( 2659 ) والنسائي ( 2558 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
وعن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان بن داود عليهما السلام لابنه: يا بُني! لا تكثر الغيرة على أهلك ولم تر منها سوءً، فترمي بالشر من أهلك، وإن كانت بريئة. ” شُعَب الإيمان ” للبيهقي ( 1 / 499 ).
* وقال ابن القيم – رحمه الله -:
وغيرة العبد على محبوبه نوعان: غيرة ممدوحة يحبها الله, وغيرة مذمومة يكرهها الله، فالتي يحبها الله: أن يغار عند قيام الرِّيبة, والتي يكرهها: أن يغار من غيْرِ رِيبة، بل من مجرد سوء الظن، وهذه الغيْرة تفسد المحبة، وتوقع العداوة بين المحب ومحبوبه. ” روضة المحبين ” ( ص 296 ).
ومن الغيرة المحمودة: غيرة الزوج على امرأته من اختلاطها بالرجال الأجانب، أو من رؤيتهم لها.
* قال الشيخ محمد بن أحمد السفاريني – رحمه الله -:
والمحمود من الغيْرة: صون المرأة عن اختلاطها بالرجال.
وقد ذكر الإمام الحافظ ابن الجوزي في كتابه ” آداب النساء ” عن سعيد بن المسيب: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لفاطمة رضي الله عنها: ما خير النساء؟ قالت: أن لا يرين الرجال، ولا يرونهن، فقال عليٌّ: فذكرتُ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ( إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي ).
* قال ابن الجوزي:
قلت: قد يُشكل هذا على مَن لا يعرفه، فيقول: الرجل إذا رأى المرأة: خيف عليه أن يفتتن، فما بال المرأة؟ والجواب: أن ( النساء شقائق الرجال ) فكما أن المرأة تُعجِب الرجلَ, فكذلك الرجلُ يُعجبُ المرأةَ, وتشتهيه، كما يشتهيها, ولهذا تنفر من الشيخ – أي: الكبير في السنِّ -، كما ينفر الرجلُ من العجوز.
” غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ” ( 2 / 313، 314 ).
رابعًا:
والأصل في المرأة: القرار في البيت؛ لقوله تعالى: ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ) الأحزاب/ 33.
* قال ابن كثير – رحمه الله -:
أي: الزمنَ بيوتكن، فلا تخرجن لغير حاجة.
” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 409 ).
ويشترط في خروج المرأة من بيتها: إذن الزوج, والمرأة ملزمةٌ كلما أرادت الخروج أن تستأذن زوجها إلا ما يُتعارف عليه من رضى الزوج بذلك.
وللزوج حق في منعها من الخروج حتى لو أمرها أهلها بزيارتهم، فحق الزوج مقدَّم على حقِّ أهلها .
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه، سواء أمرها أبوها، أو أمها، أو غير أبويها، باتفاق الأئمة ” ” الفتاوى الكبرى ” ( 3 / 148 ).
خامسًا:
وخروج المرأة لشراء أغراض بيتها: خلاف الأولى، وخاصَّة إذا كان هناك من يكفيها هذا الأمر، من زوج، أو ابن، أو أخ, وللزوج أن يمنعها من ذلك.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -: اللقاء الشهري – (24 / 15)
تمنع النساء من الخروج من البيوت؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما نهى عن منعهن من الذهاب إلى المساجد، وأما إلى الأسواق: فالرجل حرٌّ، له أن يمنعها، تُمنع من الخروج من البيت إلا لحاجة لا يمكن أن يقضيها أحد سواها، وهذا الاستثناء أقوله من باب الاحتراز، وإلا فلا أظن أن حاجة لا يمكن أن يقضيها إلا النساء، لأن بإمكان كل امرأة أن تقول لأخيها: ” يا أخي اشتر لي الحاجة الفلانية “، لكننا ذكرنا هذا الاستثناء احتياطًا، وأن يكون الرجل كما جعله الله عز وجل قوَّاما على المرأة، لا أن تكون المرأة هي التي تديره؛ لأن الله يقول: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) النساء/ 34، فليكن قائمًا حقيقة، وليمنعها، ولكن لا بعنف، بل بهدوء، وشرح للمفاسد، وبيان للثواب والأجر إذا لزمن البيوت؛ لأن الله تعالى قال: ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) الأحزاب/ 33، أي: نساء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهنَّ أكمل النساء عفة، وأقومهن في دين الله، ومع ذلك: قال الله لهن: ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) الأحزاب/ 33.
” اللقاء الشهري ” ( 24 / السؤال رقم 10 ).
سادسًا:
ويحرم كذلك على المرأة أن تخرج من بيتها لزيارة أهلها بغير إذن زوجها.
* سئل علماء اللجنة الدائمة:
ما حكم خروج المرأة من بيت زوجها من غير إذنه، والمكث في بيت أبيها من غير إذن زوجها، وإيثار طاعة والدها على طاعة زوجها؟.
فأجابوا :
لا يجوز للمرأة الخروج من بيت زوجها إلا بإذنه، لا لوالديها، ولا لغيرهم؛ لأن ذلك من حقوقه عليها، إلا إذا كان هناك مسوغ شرعي يضطرها للخروج.
الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 19 / 165 ).
مع التنبيه على أن الأولى للزوج أن يسمح لزوجته من وقت لآخر بالزيارة، والتواصل بين زوجته وأهلها؛ لما في زيارة والديها من تطييبٍ لخاطرها، وإدخالٍ السرور عليها، وعلى أولادها، وهذا مطلب شرعي.
فالنصيحة للأخت السائلة: أن تصبر على طاعة زوجها، وأن تكون لبيبة حكيمة في تعاملها معه، فالإنسان تأسره الكلمة الطيبة، وتقيِّده المعاملة الحسنة، وخصوصا ممن يحب ويود، فكل شخص لا بد أن يكون له مفتاح يلج الإنسان من خلاله إلى قلبه, ويكون ذلك من الأمر الذي يحب ويرغب، مع بيان أن الزوج الصالح والمستقيم نعمة عظيمة، تُغبط عليه المرأة.
والنصيحة للزوج: أن يتقي الله في أهله, وأن يحسن صحبتهم ومعاملتهم؛ وأن يرفق بها، ويطيب خاطرها, ولا يؤذها، وأن يهذِّب غيرته بما يتوافق مع الشرع.
والله أعلم.


