مسلمة عمرها 12 عاما والدها ملحد وأمها نصرانية يسبَّان ربها ونبيَّها فماذا تصنع؟
السؤال
إن سؤالي طويل، ولكنه هام بالنسبة لي، وأرجو من الله أن تدركوا هذا.
إنني أبلغ من العمر اثني عشر عامًا، وأعيش مع أب ملحد، وأم مسيحية، وقد اعتنقتُ الإسلام مؤخرًا، إن والداي لم يرحبا باعتناقي الإسلام، والأسوأ من ذلك: أنهما منعاني من قراءة القرآن، ودخول المواقع الإسلامية، وإخبار الناس بإسلامي، ومقابلة المسلمين – سواء على النت، أو في الواقع -، ومنعوني ارتداء ثياب متواضعة، وأشياء اخري كثيرة، والسبب: ” فوبيا الإسلام ” الغبية، وغير العقلانية، لقد حاولت أن أريهم كيف هو الإسلام في الحقيقة، ولكن ما من شيء أقوله، أو أفعله يغيِّر من رأيهم.
في الواقع: إنهما يحاولان الآن أن يرياني كيف يحتقران الإسلام في كل كلمة، وكل فعل، من إلقاء النكات الغبية عن الإرهاب، وحتى سب الله والرسول صلى الله عليه وسلم بأقذع الألفاظ.
إن المشكلة تزداد سوءًا؛ لأنه نظرًا لأنني ما زلت صغيرة: فأنا لا استطيع القيام بأي شيء دون مساعدة والداي، فعلى سبيل المثال: لا تباع هنا الملابس الإسلامية؛ نظرًا لوجود قلة من المسلمين، ومن ثم أضطر إلى شراء الحجاب من الإنترنت، وأحتاج إلى بطاقات الائتمان الخاصة بهما من أجل إتمام عملية الشراء، كما أنني أدرس في مدرسة مسيحية ! وأحتاج إليهما لتغييرها، حيث أنني لا أستطيع القيام بذلك بنفسي، كما أنهما لا يتركاني أغادر البيت بمفردي، لذا فأنا أحتاج إليهما لكي يقوما بتوصيلي إلى المسجد، وهكذا، لذا فإن عدم موافقتهما تعني أيضًا عدم قدرتي على اتباع الدين بالكامل.
كما أنهما يجبرانني على القيام بأشياء تخالف الإسلام، مثل: الذهاب إلى الكنيسة، والرقص، وارتداء ملابس تجعل ذراعاي، وساقاي، وشعري: عارٍ جزئيًّا، أو تمامًا.
إنني قلقة بهذا الشأن، فالقرآن يأمرنا بطاعة الوالدين، واحترامهما، والإحسان إليهما، ولكنه لا يبد أي تهاون عندما يتعلق الأمر بمن يكرهون الإسلام، وأنا لا أعلم ماذا أفعل ، فإذا أطعت والداي: فسأقوم بالكثير من الأشياء التي تخالف الإسلام، وإذا قمت باحترامهما: فإنني بذلك أحترم من لا يحترمونني كمسلمة، وسأدعهما يقولان تلك الأشياء الرهيبة عن الإسلام، ولكني إذا لم أطعهما وأحترمهما فإنني بذلك أسلك مسلكا رهيبًا من وجهة نظر الإسلام، وأنا أعتقد أن كِلا الفعلين خطأ، فما الذي يجب عليَّ فعله؟.
وبارك الله فيكم.
الجواب
الحمد لله
- نحن في غاية الفرح أن وصلتنا رسالتك، وفيها البشارة بدخولك في الإسلام، ونعتقد أن فرحتك بالانتساب لهذا الإسلام هي فرحة العمر؛ لأنه لا نعمة تسامي هذه النعمة الجليلة، فضلا عن وجود ما هو أعلى وأغلى منها.
- وأفرحنا جدًّا حبُّكِ للإسلام، ورغبتك بالتمسك بشرائعه، ونرى أن هذا من فضل الله تعالى عليكِ، حيث أننا نشعر أنك قد تذوقت حلاوة الإيمان، في وقت حُرمها كثيرون ممن ينتسب إلى الإسلام في الاسم والصورة.
- وآلمنا جدًّا ما عليه والداك من الكفر بالله تعالى، وآلمنا أكثر: سبُّهم لله تعالى، ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، مع أن الرب تعالى هو ربُّهم، وخالقهم، ورازقهم، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم هو نبيهم، ومرسل إليهم، فهل يظن والداك – ومن يفعل فعلهم -أن المسلمين سيتركون دينهم من أجل سبٍّ قبيح، أو تعليق تافه، أو نكات سخيفة، في حق ربنا تعالى، ودينه الخاتم للأديان، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟! بل إنهم بذلك يزيدون من بغضنا لهم، ويجعلوننا نتمسك بهذا الدين العظيم، ولا نفرِّط فيه.
فاحذري أن تكوني سببًا في ذلك السب، والاستهزاء، والسخرية، وابذلي ما تستطيعين لئلا يشتموا ويسبوا، واصبري على ما تسمعينه منهما، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم لسنوات كثيرة الأصنام تعلو ظهر الكعبة، ورأى تعظيمها، وعبادتها، فصبر على ما رأى، حتى جاء أمر الله، ففتحت مكة، وأزيل ما على ظهرها من أصنام وأوثان.
- أنتِ مأمورة بحسن التعامل مع والديك، والتلطف معهما بالقول والفعل، لكنك لست مأمورة بطاعتهما فيما هو معصية، فانظري ما يأمرانك به، وما يرغبان بوجوده منك: فإن كان أمرًا محرَّمًا، ورغبة مبغوضة للشرع: فلا تطيعينهما في ذلك، ولا تلبي رغبتهما؛ وقد أخبرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا طاعة لأحدٍ في معصية الله، والأمر بصحبتهما في الدنيا بالمعروف لا يتناقض مع عصيان أوامرهما المحرَّمة؛ لأننا نقدِّم طاعة الله تعالى على طاعة كل أحد، كائنًا من كان.
- واعلمي – أختنا – أن الله تعالى لا يكلفك فوق طاقتك، ونحن نعلم أن سنَّك الصغير – قانونًا لا شرعًا – يجعلك مقيَّدة في كثير من التصرفات، ويجعلك عاجزة عن كثير من الأفعال، فاعلمي أن الله تعالى قد عذركِ فيما تعجزين عن فعله، وفيما تُكرهين على فعله من قبَل والديك، قال تعالى: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ) البقرة/ من الآية 286، وقال تعالى: ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا ) الطلاق/ من الآية 7، وقال تعالى: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) التغابن/ من الآية 16، وقال النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ). رواه البخاري ( 6858 ) ومسلم ( 1337 )، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) رواه ابن ماجه ( 2045 ) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.
- واعلمي أن ما تستطيعين فعله مما أمرك به الإسلام، أو تستطيعين تركه مما نهاك عنه الإسلام: فإن عليك المبادرة والطاعة، دون أن يتسبب لك ذلك بأذية، أو ضرر، ولك اختلاق الأعذار لفعل الأمر، أو ترك النهي، بما ترينه مناسبًا، حسب الحال، والظرف، والمسألة، فترفضين الخروج معهم في مناسباتهم، وترفضين الذهاب الكنيسة بحجة الدراسة – مثلًا -، وهكذا بالنسبة للحفلات، والرقص، وما لا تقدرين على فعله من الأوامر، أو تركه من المعاصي: فلست آثمة في مخالفته.
وما يجبرانك عليه من محرمات فافعلي منها الحد الأدنى، فاجعلي اللباس أستر ما يكون، ولا تسهري في مناسبتهم الحفلة كاملة، وهكذا في سائر المحرمات.
- وننصحك بالتواصل مع الأخوات المسلمات، سواء بالمواجهة، أو عن طريق الإنترنت، وكما ننصحك بالتواصل مع المواقع الإسلامية النافعة لك في دينك، والتي تستفيدين منها لتقوية إيمانك، وتزدادين بها علمًا، ولا تلتفتي لمنع أبويهك من هذا، فطاعتهم فيها مضرة لك في دينك، وه ي غير لازمة لك شرعًا.
- واعلمي – أختنا – أن من سبقك بالإسلام قد عاش طائفة منهم في ظروف قاسية، حيث تعذيب الأبوين، وضربهم، ومعنهم من حقوقهم الإنسانية، وقد صبروا على ما أوذوا، واحتملوا ما أصابهم في سبيل الله، حتى جاءهم نصر الله، فنجاهم الله مما كانوا، وانقلبوا بنعمة من الله وفضل، وكانوا من الفائزين، فلا تيأسي مما أصابك، ولا تحزني على حالك، فأنت في رعاية الله، وتحت سمعه وبصره، واثبتي على ما أنتِ عليه من الهدى والحق، كما صبر من قبلك، واعلمي أن هذا اختبار من الله تعالى ليرى صدق إيمانك، فيجازيك عليه خير الجزاء، في الدنيا، والآخرة، وعسى الله أن يجعل نصره وتأييده لك عاجلاً غير آجل.
- والداك بحاجة لك لإنقاذهما من نار جهنم، ومن سخط الله، فنوصيك بإظهار خير صورة للمسلمة الحقة، بحسن التصرف معهما، وبرهما، والتلطف في مخاطبتهما، والعناية بطعامهما وشرابهما، والقيام على خدمتهما، فلعلهما أن يراجعا نفسيهما، ويخففا عنك الضغط، أو يتركانه، كما نوصيك بصدق الدعاء والطلب من الله أن يهديهما للإسلام، وأن يميتهما على الإيمان، وما ذلك على الله بعزيز، واسمعي لهذه القصة:
روى مسلم ( 2491 ) عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ، فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ ) فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا جِئْتُ فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ، فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، قَالَ: فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَفَتَحَتْ الْبَابَ ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْشِرْ، قَدْ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ خَيْرًا.
- ولا ننصحك بالهرب من البيت، والخروج منه ؛ فإن مفاسد ذلك أكثر من بقائك فيه، وإن من قد يؤويك فإنه يعرِّض نفسك لأقسى العقوبات في قوانين بلادكم الجائرة، فليس أمامنا من صح لك إلا الصبر، وقطع التفكير في الهروب من البيت.
وأخيرًا: ننبهك إلى عدم جواز إطلاق لفظ ” مسيحية ” على أمك، أو غيرها، وقد فصلنا القول في هذا من قبل.
ونسأل الله العلي القدير أن يثبتك على الهدى والرشاد، وأن يعافيك في دينك وبدنك، وأن يهدي أبويك للإسلام، وأن يقر عينيك بهما مؤمنين صالحين، في الدنيا، والآخرة.
ونرجو منك أن تبقي على تواصل معنا، ونحن أهلك، وإخوانك، وملايين المسلمين سيتأثرون لرسالتك هذه، وسيدعون لك بصدق وإخلاص، فاثبتي وأحسني الظن بربك تعالى أنه ينصرك، ويؤيدك، وعسى أن يكون ذلك قريبًا.
والله الموفق.


