حكم معالجة غير منتفع بالتأمين الصحي ببطاقة آخر منتفع
السؤال
أشتغل في شركة تخول لموظفيها الاستفادة من التأمين عن المرض عن طريق شركة تأمين خاصة، والعقد يشملنا أنا، وزوجتي، وأولادي.
مرضت أخت زوجتي، وأرادت أن تنتحل اسم زوجتي لكي تتمكن من الاستفادة من هذا التأمين.
سؤالي:
هل يجوز هذا العمل؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
التأمين الصحي الذي تبذله قطاعات العمل لا يخلو من كونه تجاريًّا، أو تعاونيًا، ففي الحالة الأولى: فهو عقد مقامرة، وغرر، لا يجوز الاشتراك به، وصورته المشهورة: استيفاء جزء من الراتب، لصالح شركة تأمين، تتولى التنسيق بين الموظفين، والمستشفيات، لعلاج المرضى منهم، أو أحدًا من أهليهم المنتفعين بعلم قطاع العمل، وهي عملية ربحية، قائمة على المقامرة، فإما أن يدفع الموظف المال ولا يحتاج لعلاجهم، أو أنه يستوفي منهم أضعاف ما دفع لهم، قيمةً لعلاجه.
وهذه الصورة التجارية للتأمين: لا شك في حرمتها، وعليه: فلا يجوز الاشتراك الطوعي فيها، وأما إن كان الاشتراك إلزاميًّا: فيُعذر بسبب ذلك، لكن ليس له أن يستوفي منهم علاجًا إلا بقدر ما أُخذ منه من مال.
وأما في حال كان التأمين تعاونيًّا، وهو أن يبذل قطاع العمل العلاج المجاني لموظفيه، ولا يقصد من ورائه الربح، ويكون – عادة – مبذولا من حكومة، وبعيدًا عن شركات التأمين، إنما هو عقد مباشر بين قطاع العمل، والمستشفيات، أو تكون المستشفيات ملكًا لها: فيجوز الاشتراك بذلك التأمين الصحي، ولو استوفي منه بعض المال في كل شهر: فإنه من أجل الإعانة على إقامة المشاريع الطبية، ومن أجل المشاركة الرمزية في العلاج، لا بقصد الربح، وما يُبذل من قطاع العمل أضعاف أضعاف ما يُستوفى من الموظفين.
– وقد سبق منَّا التنبيه على التأمين الصحي، وذكر حكمه في أكثر من جواب، فلتنظر.
ثانيًا:
وأما بخصوص علاج شخصٍ غير منتفع بالتأمين الصحي، مكان أحدٍ منتفع به: ففيه تفصيل:
- إن كان التأمين تجاريًّا: فيُنظر، هل لذلك الموظف رصيد مالٍ لم ينتفع به بعلاجٍ؟ فإن كان له رصيد: فيجوز أن يستوفيه منهم بالحصول على علاج لغيره، بإحضار أدوية له، بقدْر ما له من رصيد عند شركة التأمين، في العقد الإجباري بينه، وبينهم.
ولا نرى جواز إدخال أحدٍ غير منتفع بالتأمين ليحل محل أحدٍ من المنتفعين، ليُعمل له عملية جراحية، أو يتم الكشف عليه، وعلاجه؛ وذلك لترتب مفاسد كبيرة جرَّاء مثل هذا الفعل.
ومنها:
أ. أنه يدخل هذا الفعل في الكذب، والتزوير، غير المسوَّغيْن.
ب. احتمال حدوث وفاة لمتلقي العلاج، ويترتب عليه: استخراج شهادة وفاة باسم غير المتوفاة على الحقيقة.
ج. الخلل في الملف الطبي للمريض؛ وذلك بإدخال أسماء أمراض في الملف الطبي للمنتفع، مما لا وجود له في الحقيقة، وإنما هي أمراض ذلك الأجنبي، مما يترتب عليه مفاسد تشخيصية، وعلاجية في مستقبل الأيام.
د. احتمال كشف الأمر من قبل الجهات المعالِجة، مما يترتب عليه عقوبات على ذلك التزوير.
* سئل علماء اللجنة الدائمة:
عندنا بعض المسلمين الذين يدرسون، أو الذين يعيشون في ” أمريكا “، وأحوالهم المادية ضعيفة جدًّا، وأحيانًا تصيبهم أمراض خطيرة، أو أمراض علاجها باهظ التكاليف، وهم لا يستطيعون تسديد هذا المبلغ للمستشفى، ولا يستطيع أحد، أو لا يريد أن يتحمل تكاليف هذا المريض، ففي هذه الحالة: هل يمكن لنا أن نساعده بأن نجعله يذهب إلى المستشفى باسمنا، يعني: كأنه الشخص الذي عنده ” أنشورس “، ويتعالج به، أو نتركه هكذا بدون مساعدة؟ مثال على أن التكاليف باهظة: إذا نام شخص في المستشفى تحت الرعاية لمدة أسبوع: تأتي الفاتورة، وقيمتها أكثر من أربعة آلاف دولار.
فأجابوا:
أولًا: التأمين الصحي من التأمين التجاري، وهو محرم.
ثانيًا: إعطاء بطاقة التأمين لشخص آخر لم يسجل ليتعالج بها: فيه تزوير، وكذب، وهذا لا يجوز، ولكن يشرع لكم أن تساعدوه من أموالكم حسب المستطاع.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 15 / 298 ).
* وجاء في قرار رقم: 149 ( 7 / 16 ) لـ ” مجمع الفقه الإسلامي “، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ما نصُّه:
يوصي مجلس المجمع بما يلي:
1 . دعوة الحكومات الإسلامية والجمعيات الخيرية ومؤسسات الأوقاف إلى توفير التأمين الصحي مجانًا، أو بمقابل مناسب لغير القادرين على الحصول على التأمين من القطاع الخاص.
2. عدم استخدام البطاقات الصحية إلا من أصحابها؛ لما في ذلك من مخالفة لمقتضيات العقود، وما تتضمنه من غش، وتدليس.
3. التحذير من إساءة استخدام التأمين الصحي، كادعاء المرض، أو كتمانه، أو تقديم بيانات مخالفة للواقع انتهى.
وإن لم يكن للموظف رصيد عند قطاع عمله: فلا يجوز له الانتفاع بالعلاج عندهم، لا هو، ولا غيره من طريقه، من باب أولى.
2. وإن كان التأمين تعاونيًّا: فلا يجوز للموظف أن يُدخل أحداً مكانه، أو مكان أحد أفراد أسرته المنتفعين بالعلاج؛ لأن ذلك العلاج هبة مشروطة من قطاع العمل، وهي خاصة بذلك الموظف، ومن تراه جهة العمل مستحقًّا من أهله، وأسرته، ولا يجوز نقض ذلك الشرط، ولا مخالفة ذلك الاتفاق، بإدخال أحدٍ غير منتفع لتلقي العلاج عن طريقهم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِم ).
رواه أبو داود ( 3594 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
* وفي ” الإنصاف ” للمرداوي الحنبلي رحمه الله ( 8 / 115 ):
ومَن لم يفِ بالشرط: لم يستحق العوض؛ لأنها هبة مشروطة بشرط، فتنتفي بانتفائه . انتهى.
وعليه: فيكون ذلك الفعل من أكل أموال الناس بالباطل، وقد قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ) النساء/ من الآية29 .
فالنصيحة لكم: الابتعاد عن هذا الفعل، وعدم إدخال أخت زوجتك باسم زوجتك للعلاج؛ لما ذكرناه من أسباب ، ونرجو الله أن يكون التزامها بهذا الحكم سببًا لتفريج كربها، وتيسير أمرها، وشفائها من دائها.
قال تعالى:( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ). الطلاق/ 2 ، 3.
والله أعلم.


