ما هي أطول مدة تمكثها المرأة وهي حامل؟
السؤال
أولًا: جزاكم الله خيرًا على جهدكم الطيب المبارك في هذا الموقع.
ثانيًا: أود أن أعرف ما هي أكثر مدة للحمل، وما أطول مدة له؛ حيث إني قد دار نقاش بيني وبين الوالد بعد قراءة فتوى لكم بهذا الخصوص، حيث إن الوالد من أهل الاختصاص في مسائل الحمل، حيث إنه يعمل طبيب أشعة تشخيصية، وهو يقول باستحالة هذا الحمل طبًّا، وإن كان قد حدث قبل ذلك، وهو ما استنكره بشدة، فهو غالبا لم يكن حملًا حقيقيًّا، وإنما اشتباه بحمل، أو حمل كاذب، وقد استدل الوالد بآية ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا )، كما استدل بأدلة طبية كثيرة تمنع هذه المدة من طول الحمل ويقول أنه بذلك قد فتح الباب لإلحاق أحد الأولاد برجل ليس هو أباه!.
وما جاء في الفتوى هو كلام العلماء رحمهم الله جميعا، غير أنه لم يستدل بحديث إلا بحديث ( الولد للفراش ) متفق عليه، وما أعرفه أن هذا الحديث عن عائشة قالت: ” اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال سعد : يا رسول اللّه ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إليَّ أنه ابنه انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة : هذا أخي يا رسول اللّه ولد على فراش أبي فنظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى شبهه فرأى شبهًا بيِّنا بعتبة فقال : ( هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة ) قال : فلم ير سودة قط.
ففي هذا لم يذكر مدة حمل وغير ذلك مما استدل به على هذه المسألة.
أفتونا مأجورين، هل هناك تناقض بين الدِّين والعلم، مع أن القرآن قد وقَّت للحمل والرضاعة عامين وستة أشهر على الأكثر.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
إن مسألة ” أطول مدة لحمل المرأة ” من أكثر مسائل الخلاف بين علماء الشرع، وهي ضيقة الخلاف عند الأطباء، وأضيق منها في قوانين الأحوال الشخصية في غالب العالم العربي.
* أما عند علماء الشرع: فقد اختلفوا في أقصى مدة تمكثها المرأة وهي حامل إلى أقوال:
- أقصى مدة للحمل: هي المدة المعهودة، وهي تسـعة أشـهر، وبه قال داود، وابن حزم الظاهرييْن.
- أقصى مدة للحمل: سنَة واحدة، وهو قول محمد بن عبد الحكم، واختاره ابن رشد.
- سنتان، وهو مذهب الحنفية.
- ثلاث سنين، وهو قول الليث بن سعد.
- أربع سنين، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، وأشهر القولين عند المالكية.
- خمس سنين، وهي رواية عن الإمام مالك.
- ست سنين، وهي رواية عن الزهري، ومالك.
- سبع سنين، وبه قال ربيعة الرأي، وهي رواية أخرى عن الزهري، ومالك.
- لا حد لأكثر الحمل، وهو قول أبي عبيد، والشوكاني، وقال به من المعاصرين: المشايخ: الشنقيطي، وابن باز، والعثيمين.
انظر: ” المحلى ” لابن حزم ( 10 / 316 )، ” المُغني ” لابن قدامة المقدسي ( 9 / 116 )، ” أضواء البيان ” ( 2 / 227 ).
وأما عند الأطباء: فقد اختلفوا على ثلاثة أقوال:
- عشرة أشهر.
- 310 يومًا.
- 330 يومًا.
وأما في قوانين الأحوال الشخصية في غالب البلاد العربية: فقد ذهبوا إلى تحديد المدة بسنة، ومنهم من حسبها باعتبارها سنة شمسية – وهم الأكثر -، ومنهم من نصَّ على كونها سنَة قمرية.
ثانيًا:
والذي يظهر لنا ويترجح من الأقوال: أن أقصى مدة حمل للمرأة ما بين التسعة أشهر إلى السنَة، وهو قول ابن عبد الحكم، وابن رشد، رحمهما الله، وليس بعيدًا عن قول الأطباء، وهو مطابق لقوانين الأحوال الشخصية في كثير من البلاد الإسلامية؛ وهذا أمرٌ يُدرك بالمشاهدة، واليقين، وهو ما لم يتوفر عند علماء الشرع الأقدمين، وما قاله أولئك الأعلام إنما هو بحسب ما كانت تدَّعيه بعض النساء في زمانهم، وقد يكون كذبًا، أو وهمًا، أو حملًا كاذبًا، أو خطأ في الحساب، وكل ذلك محتمل، وما قاله أولئك الأعلام من امتداد مدة الحمل إلى سنوات تصل إلى السبعة: فهو أمرٌ مرفوض في عالم الطب، وعالم الإنجاب الواقع بالمشاهدة، والمتابعة، ولذا رفضه غالب الباحثين المعاصرين من الأطباء، والعلماء، وطلبة العلم الشرعي.
* وقد سبق لابن حزم تكذيب تلك الأخبار الصادرة من أولئك النسوة المجهولات -غالبًا-، فقال رحمه الله- تعليقًا على الأخبار التي تروى عن نساء حملن لعدة سنين:
وكلُّ هذه: أخبارٌ مكذوبةٌ، راجعةٌ إلى مَنْ لا يَصْدق، ولا يُعرف من هو، ولا يجوز الحكم في دين الله تعالى بمثل هذا.
” المحلى ” ( 10 / 316 ).
ثالثًا:
وقد استدل من قال من الفقهاء بامتداد مدة الحمل إلى سنوات كثيرة بأدلة، وأقوال، وآثار، لا يسلم منها شيء من النقد، وقد تتبعها ابن حزم رحمه الله بالتضعيف، والإنكار، ومن أشهر تلك الأدلة والآثار:
- عن أَبي ذَرٍّ قال: لَأَنْ أَحْلِفَ عَشْرَ مِرَارٍ أَنَّ ابْنَ صَائِدٍ هُوَ الدَّجَّالُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ مَرَّةً وَاحِدَةً أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ.
قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَنِي إِلَى أُمِّهِ قَالَ: ( سَلْهَا كَمْ حَمَلَتْ بِهِ ) قَالَ: فَأَتَيْتُهَا فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: حَمَلْتُ بِهِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، قَالَ: ثُمَّ أَرْسَلَنِي إِلَيْهَا فَقَالَ: ( سَلْهَا عَنْ صَيْحَتِهِ حِينَ وَقَعَ ) قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهَا ….
رواه أحمد ( 35 / 246، 247 ) وقال المحققون: ” حديث منكر، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، غير الحارث بن حصيرة … وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه هذا، وله غير حديث منكر … “.
وهذه اليهودية قد تكون واهمة، أو كاذبة – لو صحَّ قولها -، فليس هو كلام نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الثابت عنه، وإلا لما ترددنا بالقول به.
- عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ جَمِيلَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: “مَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ فِي الْحَمْلِ عَلَى سَنَتَيْنِ.
رواه الدارقطني في ” سننه ” ( 3 / 322 )، والبيهقي في ” سننه ” ( 7 / 434 ).
وهو أثر ضعيف، فابن جريج مدلس، ولا يُعرف له سماع من جميلة، وجميلة مجهولة، لا يُعرف لها سماع من عائشة.
رابعًا:
وبخصوص من قال بما رجحناه:
- جاء في التوصيات الصادرة عن ” المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية ” في موضوع ” أقصى مدة الحمل ” – الندوة الثالثة سنة 1987 م -:
يستمر نماء الحمل منذ التلقيح حتى الميلاد معتمدًا في غذائه على المشيمة، والاعتبار: أن مدة الحمل بوجه التقريب: مائتان وثمانون يومًا، تبدأ من أول أيام الحيضة السوية السابقة للحمل.
فإذا تأخر الميلاد عن ذلك: ففي المشيمة بقية رصيد يخدم الجنين بكفاءة لمدة أسبوعين آخرين, ثم يعاني الجنين المجاعة من بعد ذلك، لدرجة ترفع نسبة وفاة الجنين في الأسبوع الثالث والأربعين, والرابع والأربعين, ومن النادر: أن ينجو من الموت جنين بقي في الرحم خمسة وأربعين أسبوعًا.
ولاستيعاب النادر والشاذ: تُمد هذه المدة اعتبارًا من أسبوعين آخرين، لتصبح ثلاثمائة وثلاثين يومًا, ولم يُعرف أن مشيمة قدِرت أن تمدَّ الجنين بعناصر الحياة لهذه المدة, وقد بالغ القانون في الاحتياط مستندًا الى بعض الآراء الفقهية، بجانب الرأي العلمي, فجعل أقصى مدة الحمل: سنَة. انتهى.
- وقد ذكر الأستاذ عمر بن محمد بن إبراهيم غانم في خاتمة كتابه ” أحكام الجنين في الفقه الإسلامي ” النتائج التي توصل إليها، ومنها:
– إن أقصى مدة للحمل هي: سنَة قمرية واحد ، ولا عبرة لما ذهب إليه الفقهاء من أقوال تزيد عن هذه المدة، بنيت على الظنون، والأوهام، ولا أساس لها من الحقيقة، بل إن معطيات العلم الحديث تبددها. انتهى.
- وقال الدكتور محمد سليمان النور في مقاله ” مدّة الحمل بين الفقه والطب وبعض قوانين الأحوال الشخصية المعاصرة “:
وترجح للباحث أنها ثلاثمائة وثلاثون يومًا، ويمكن أن تزيد إذا ثبت بالفحص ما يتسمى عند الأطباء بـ ” السبات “، وهو يحدث عندما يتم الحمل، وفي مرحلة ما يتوقف هذا الحمل عن النمو لفترة، لكنه موجود حيٌّ، وفق الفحوصات، والاختبارات الطبية، فتزيد مدة الحمل بقدر زيادته، واختلف الأطباء في أكثر مدة الحمل على ثلاثة آراء: أنها: عشرة أشهر، ( 310 ) يومًا، ( 330 ) يومًا، وهي آراء متقاربة، وأحوطها: الرأي الأخير، وعلل بعض الأطباء حكايات الحمل الممتد لسنين بعدة تعليلات، وهي: الحمل الوهمي أو الكاذب، الخطأ في الحساب من بعض الحوامل، ظهور أسنان عند بعض المولودين حديثًا، موت الحمل في بطن أمه وبقاؤه فيها مدة طويلة، عدم صحة هذه الأخبار.
وذهبت قوانين الأحوال الشخصية المعاصرة، ومشروعات قوانين الأحوال الشخصية في كثير من البلاد الإسلامية: إلى أن أكثر مدة الحمل: سنًة واحدة.
” مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية الكويتية “، عدد شعبان، 1428 هـ.
- وقال الدكتور عبد الرشيد بن محمد أمين بن قاسم:
وبالتأمل في الأقوال السابقة: يظهر لي: أن أقصى مدة الحمل التي تبنى عليها الأحكام الشرعية: هي المدة المعهودة، تسعة أشهر، والتي قد تزيد أسابيع محدودة، كما هو الواقع، أما المدد الطويلة: فهي نادرة، والقاعدة الفقهية أن ” الاحتمالات النادرة لا يُلتفت إليها “، والقاعدة: ” العبرة بالغالب، والنادر لا حكم له “، والواقع المعاصر يبدِّد وهم القائلين بامتداد حمل امتد لسنوات، حيث يولد في العام الواحد عشرات الملايين من البشر، ولو قدِّر وجود أمثال هذا الحمل: لتناقلته وسائل الإعلام، والأطباء، حيث أنهم يهتمون بنقل ما هو أقل من هذا الحدَث بكثير، وقد اختار هذا الرأي: عامة الباحثين المعاصرين، الذين تناولوا هذه المسألة.
” أقل وأكثر مدة الحمل، دراسة فقهية طبية ” ( ص 10 ) – ترقيم الشاملة -.
وعليه:
فالذي نراه صوابًا: هو ما سبق ذِكره، وأنه لا ينبغي أن تزيد مدة حمل المرأة عن سنَة قمرية واحدة، ومرجع هذه المسألة: هو الحس، والواقع المشاهَد، وهو عمل الأطباء، ولا يمنع هذا الذي رجحناه وجود حملٍ لأكثر من هذا، لكنه نادر، ولا ينبغي جعل النادر قاعدة، ولا عدده حدًّا أعلى، لكن لا بدَّ من ثبوت ذلك باليقين، وبخصوص مسألتنا: لا بدَّ أن يكون الحمل ثابتاً قبل وفاة الزوج، أو تطليقه.
* قال ابن رشد – رحمه الله -:
وهذه المسألة مرجوع فيها إلى العادة، والتجربة، وقول ابن عبد الحكم، والظاهرية: هو أقرب إلى المعتاد، والحُكم: إنما يجب أن يكون بالمعتاد، لا بالنادر ، ولعله أن يكون مستحيلًا.
” بداية المجتهد ” ( 2 / 358 ).
* وقال ابن عبد البر – رحمه الله -:
وهذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد، والرد إلى ما عُرف من أمر النساء.
” الاستذكار ” ( 7 / 170 ).
والله أعلم.


