التوفيق بين رؤية جبريل وآدم ومحمد عليهم السلام للجنة مع حديث ( ما لا عين رأت… )

السؤال

من المعلوم أن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، لكن أولم يكن آدم في الجنة؟ أولم يدخل النبي صلى الله عليه وسلم الجنَّة أيضًا؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

هذا سؤال دقيق، ويدل على فهم عند صاحبه، ونسأل الله أن يوفقه لكل خير، ونحن نذكر الحديث بنصِّه، ثم نعقبه بما يزيل الإشكال من أصله – إن شاء الله -.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ذُخْرًا بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ )، ثُمَّ قَرَأَ ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ).

رواه البخاري ( 3072 ) ومسلم ( 2824 ) وعنده : ( بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ ).

ثانيًا:

وأما كون آدم عليه السلام كان في جنة الخلد: فهو الراجح من قولي العلماء، وهو قول جمهور أهل السنَّة؛ لأدلة كثيرة، ليس هذا موضع بسطها؛ إذ ليس السؤال عنها.

قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد اختُلف في الجنة التي أسكنها آدم، أهي في السماء أم في الأرض؟ والأكثرون على الأول، وحكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض. ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 233 ).

ومن أراد التوسع في المسألة: فلينظر ما كتبه ابن القيم رحمه الله فيها في أوائل كتابه ” مفتاح دار السعادة “، وأيضًا في كتابه ” حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح “.

ثالثًا:

وأما رؤية النبي صلى الله عليه عليه وسلم للجنة ودخوله فيها: فقد ثبت ذلك في أحاديث كثيرة، وقد بوَّب الإمام الآجري في كتابه ” الشريعة ” على بعض تلك الأحاديث بقوله: ” باب دخول النبي صلى الله عليه وسلم الجنَّة “، وروى تحته أحاديث، منها:

  1. عن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ).

رواه البخاري ( 3069 ). ورواه مسلم ( 2737 ) من حديث ابن عباس.

  1. عن أَنَس بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ قُلْتُ مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ قَالَ هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ فَإِذَا طِينُهُ – أَوْ طِيبُهُ – مِسْكٌ أَذْفَرُ ). رواه البخاري ( 6201 ).

وفي رواية ( لمَّا عُرج بالنبي صلى الله عليه وسلَّم إلى السماء أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ حَافَتَاهُ … ).

– ( أذفر ): شديد الرائحة الذكية.

وفي لفظ صحيح في ” مسند أحمد ” ( 19 / 66 ): ( دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِنَهْرٍ حَافَتَاهُ خِيَامُ اللُّؤْلُؤِ ).

  1. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلُ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ قَالَ إِنِّي أُرِيتُ الْجَنَّةَ فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا. رواه البخاري ( 715 ).

– ( تكعكعت ): تأخرت إلى الوراء.

وللفائدة:

فقد ثبت أن جبريل عليه السلام ممن رأى الجنة، ولا يبعد أن يكون ثمة ملائكة قد رأوها أيضًا، والجواب عن رؤيته هو الجواب عن رؤية آدم ومحمد عليهما الصلاة والسلام.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، … قَالَ: فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا …. رواه الترمذي ( 2560 ) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود ( 4744 )، والنسائي ( 3763 ).

رابعًا:

وأما توجيه تلك الأحاديث والتي فيها رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وأخيه آدم عليه السلام للجنة مع الحديث الذي ذكرناه أولًا من إعداد الله تعالى لعباده الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: فأقوى ما يقال في توجيهه:

أن هذا المعَدّ في الجنة لعباد الله تعالى الصالحين مما لم يرَه أحدٌ، ويكون اطلاع آدم ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام إنما هو على بعض ما في الجنة لا على ما أعدَّه الله للصالحين مما أخفاه عن خلقه، ومن تأمل الحديث تبيَّن له قوة هذا التوجيه، فهو نص قول الله تعالى، وذلك في قوله ( بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ ) أو ( بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ )، وهو يعني أن ذلك النعيم المعد هو غير الذي أطلعنا الله عليه مما ذكره لنا، أو مما رآه النبيان عليهما السلام.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قلت: وأصح التوجيهات لخصوص سياق حديث الباب حيث وقع فيه ( ولا خطر على قلب بشر ذخراً من بله ما أطلعتم ) إنها بمعنى ” غير “؛ وذلك بيِّن لمن تأمله، والله أعلم. ” فتح الباري ” ( 8 / 517 ).

وحتى لو كان معنى ( بَلْهَ ) ” دع “، أو ” اترك “: فإنه لا يخرج عن المعنى السابق.

* قال النووي – رحمه الله -:

فأما ( بَلْه ) فبفتح الباء الموحدة واسكان اللام، ومعناها: دع عنك ما أطلعكم عليه فالذي لم يطلعكم عليه أعظم، وكأنَّه أضربَ عنه استقلالًا له فى جنب ما لم يطلع عليه، وقيل: معناها غير، وقيل: معناها كيف.

” شرح النووي على مسلم ” ( 17 / 166 ).

ويؤيِّد هذا حديثان:

أ. عن سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ يَقُولُ: شَهِدْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسًا وَصَفَ فِيهِ الْجَنَّةَ حَتَّى انْتَهَى ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: ( فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ) ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ).

رواه مسلم ( 2825 ).

فقوله صلى الله عليه وسلم ( فيها ) يدل على أنه هو المراد بالإخفاء، ويدل على أنه ثمة غيره مما ليس مخفيًّا عن الأعين.

ب. عن الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قال: قال رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، قَالَ: رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.

قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ). رواه مسلم ( 189 ).

فقوله صلى الله عليه وسلم ( وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا ) يدل على ما ذكرناه من كون ذلك النعيم الخاص لأولئك العباد الصالحين مما ليس مشَاهَداً من قبَل أحد.

* قال النووي – رحمه الله -:

أما ( أردتُ ) فبضم التاء، ومعناه: اخترت واصطفيت.

وأما ( غرستُ كرامتهم بيدي ) إلى آخره فمعناه: اصطفيتهم، وتوليتهم، فلا يتطرق إلى كرامتهم تغيير، وفي آخر الكلام حذف اختُصر للعلم به تقديره: ” ولم يخطر على قلب بشر ما أكرمتهم به، وأعددته لهم “.

” شرح النووي ” ( 3 / 46 ).

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

النصوص الشرعية منها عام يدخله التخصيص، فيقال: ما لا عين رأت ولا أذن سمعت إلا ما رآه النبي صلى عليه الصلا والسلام.

الشيء الثاني: هل الرسول صلى الله عليه وسلم عندما رأى الجنة والنار: هل رأى كل شيء في الجنة والنار أو رأى شيئًا منهما ؟!.

” شرح صحيح البخاري ” ( شريط رقم 5 ، وجه ب ).

والتوجيه الثاني الذي ذكره الشيخ رحمه الله هو الأقوى، دون الأول.

* وسئل الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله -:

هل هناك تعارض بين الحديث الذي جاء في وصف الجنة: أنها ( لا عين رأت ولا أُذُن سمعت )، وحديث الباب الذي يدل على أن جبريل رأى الجنة وما فيها من النعيم، وأن آدم كان يسكن في الجنة، فإنه رأى نعيمها، فكيف يقال: ( ما لا عين رأت) ؟.

فأجاب:

كون جبريل وكون آدم رأيَا الجنَّة: لا ندري هل رأوا كلَّ ما فيها؟ نعم، رأوا الجنة، لكن هل رأوا كل ما فيها؟! لا ندري، بحيث كل ما فيها قد حصل، وكل ما فيها قد شوهد؟! ما نعلم ذلك، والمقصود: أن فيها من النعيم ما لا يعرفه الناس، وما لا يدركه الناس، وفيها شيء يعرفون أسماءه وأنواعه ….

” شرح سنن أبي داود ” ( شريط رقم 340 ).

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة