هل يجوز لصاحب محل مسلم أن يوظف كافرا يبيع فيه وقت نداء الجمعة الثاني؟!
السؤال
أنا مسلم، ولديَّ محل تجاري أغلقه أثناء صلاة الجمعة، مما أثار استياء بعض الزبائن غير المسلمين، فهل يجوز أن أبقيه مفتوحًا في هذا الوقت ليعمل فيه عمّال غير مسلمين؟ لأنني أخشى أن أخسر هؤلاء الزبائن.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
المسلم هو من استسلم لأمر الله تعالى، والظن بك – أخي السائل – أنك تبحث عن الحكم الشرعي بسبب حبِّك لدينك، وبقصد التمسك بالحكم الشرعي المؤيد بالكتاب والسنَّة.
ولتعلم – أخي السائل – أن الله تعالى أمر بنص كتابه الكريم بترك البيع بعد نداء الجمعة، وهو النداء الذي يكون بعد صعود الخطيب للمنبر، والاشتغال بالبيع والشراء بعد النداء مخالف للأمر بالسعي لذِكر الله، وهو خطبة وصلاة الجمعة، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) الجمعة/ 9.
ولم يختلف الفقهاء في المنع من البيع بعد نداء الجمعة الثاني، وجمهورهم على التحريم، وذهب الحنفية إلى أن أقل أحوال حكمه: الكراهة، مع الاتفاق على وجوب ترك البيع.
* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 9 / 225 ):
جمهور الفقهاء على أن النهي عن البيع بعد أذان الجمعة الثاني هو للتحريم، صرح به المالكية والشافعية والحنابلة.
أما الحنفية فقد ذكروا أن أقل أحوال النهي: الكراهة، وأن ترك البيع: واجب، فيكره تحريمًا من الطرفين – البائع والمشتري – على المذهب، ويصح إطلاق الحرام عليه، كما عبر ” المرغيناني “، ويفترض تركه، كما عبَّر ” الشرنبلالي “. انتهى.
* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
وعلى هذا نقول: إن البيع بعد نداء الجمعة الثاني: حرام، وباطل أيضًا، وعليه: فلا يترتب عليه آثار البيع، فلا يجوز للمشتري التصرف في المبيع؛ لأنه لم يملكه، ولا للبائع أن يتصرف في الثمن المعين؛ لأنه لم يملكه، وهذه مسألة خطيرة؛ لأن بعض الناس ربما يتبايعون بعد نداء الجمعة الثاني، ثم يأخذونه على أنه ملك لهم.
” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 8 / 190 ، 191 ).
ثانيًا:
ويُستثنى من الحكم السابق: من لا يلزمهم السعي لصلاة الجمعة، وهم: المرأة، والعبد، والمسافر، والمريض، والصبي الذي لم يبلغ، فهؤلاء يصح بيع بعضهم لبعض، على أن يكون البائع والمشتري منهما، ولا يصح البيع إن كانوا هم طرفًا وكان الطرف الآخر ممن يلزمهم السعي لصلاة، وهذا على الصحيح من أقوال أهل العلم.
* قال ابن قدامة – رحمه الله -:
وتحريم البيع ووجوب السعي يختص بالمخاطَبين بالجمعة، فأما غيرهم من النساء والصبيان والمسافرين: فلا يثبت في حقه ذلك، وذَكر ابن أبي موسى في غير المخاطَبين روايتين، والصحيح: ما ذكرنا؛ فإن الله تعالى إنما نهى عن البيع مَن أمَرَه بالسعي، فغير المخاطب بالسعي لا يتناوله النهي، ولأن تحريم البيع معلَّل بما يحصل له من الاشتغال عن الجمعة، وهذا معدوم في حقهم.
وإن كان أحد المتبايعيْن مخاطَبًا، والآخر غير مخاطَب: حرُم في حق المخاطَب، وكره في حق غيره؛ لما فيه من الإعانة على الإثم، ويحتمل أن يحرُم أيضًا؛ لقوله تعالى: ( ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ).
” المغني ” ( 2 / 145 ) باختصار يسير.
وما ذكره الإمام ابن قدامة من كونه محتملًا هو الصواب الراجح؛ لأن النهي في الآية عن التعاون على الإثم والعدوان ظاهر في التحريم، وهو قول مالك والشافعي، وهو مذهب أحمد.
ثالثًا:
وهل يأخذ ” الكافر ” حكم المكلفين من الرجال بصلاة الجمعة، أم لهم حكم النساء وغيرهم ممن لا تلزمهم صلاة الجمعة؟ هذا الحكم مبني على مسألة ” هل الكفار مخاطَبون بفروع الشريعة أم لا؟ ” فمن قال إنهم مخاطَبون: قال: لا يحل البيع لكافر ولا الشراء منه، – والمقصود بالكافر هنا: غير المرأة، والصبي، والمسافر -، ومن قال إنهم غير مخاطَبين: قال بجواز البيع لهم والشراء منهم إن كانوا هم طرفًا، وكان الطرف الآخر امرأة، أو صبيًّا، أو مسافرًا، من المسلمين.
والصحيح الراجح من أقوال أهل العلم: أن الكفار مخاطَبون بفروع الشريعة.
قال النووي – رحمه الله -:
والمذهب الصحيح الذي عليه المحققون والأكثرون أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. ” شرح مسلم ” ( 14 / 39 ).
* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
والتكليف بالأمر والنهي شامل للمسلمين والكفار، لكن الكافر لا يصح منه فعل المأمور به حال كفره؛ لقوله تعالى: ( وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله “، ولا يؤمر بقضائه إذا أسلم؛ لقوله تعالى: ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف )، وقوله صلي الله عليه وسلم لعمرو بن العاص: ( أما علمتَ يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله )، وإنما يعاقب على تركه إذا مات على الكفر؛ لقوله تعالى عن جواب المجرمين إذا سئلوا: ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين ). ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 11 / 31 ).
وعليه: فلو اشترى كافرٌ من كافرٍ مثله لمَا كان له تأثير على أحدٍ من المسلمين في الأصل، أما إن كان المحل الذي يتم فيه البيع والشراء لمسلمٍ: فيختلف الأمر حينئذٍ، ويكون حرامًا عليه أن يمكِّن لهذا البيع أن يتم على بضاعة يملكها، أو في محل ترجع ملكية ما فيه له، وهو الأمر الذي ينطبق على حالك، فوضعك لموظف كافرٍ ليبيع لكافرٍ مثله: لا يجوز؛ لأن جميعهم مخاطبٌ بفروع الشريعة، والحكم هنا هو: تحريم البيع والشراء بعد نداء الجمعة الثاني، وبما أن المحل تعود ملكية بضاعته لك: فيحرم عليك هذا الفعل، ولا يحل لك ذلك الكسب.
وأما قولك بوجود استياء من الزبائن لإغلاقك لمحلك، وأنك تخسر بذلك الإغلاق زبائنك: فلا يُقبل مثل هذا العذر منك، ولا من غيرك، والله تعالى أمرك بتقواه، وحرَّم عليك البيع والشراء بعد نداء الجمعة الثاني، فوجب عليك الالتزام بهذا الحكم، واعلم أنه من يتق ربه فإنه يرزقه من حيث لا يحتسب، ومن ترك شيئًا لله أبدله الله خيرًا منه، ولعل التزامك بشرع الله تعالى بإغلاق محلك بعد نداء الجمعة الثاني أن يكون سببًا لثقة الناس بك، وتوكيد أمانتك، كما أن في إغلاقك لمحلك دعوة للإسلام، فوضعك للافتة كُتب عليها ” مغلق لفترة صلاة الجمعة “: قد يفتح أبوابًا من الأسئلة عن هذا الفعل، وقد يكون سببًا في إسلام كثيرين، ممن يقودهم ذلك الإغلاق للسؤال عن الإسلام، والقراءة في تشريعاته وأحكامه.
فاستقم كما أمرك الله تعالى، ولا تشتري آخرتك الباقية بدنياك الفانية، والعم أن الأرزاق بيد الله تعالى، يبسط الرزق لمن يشاء، ويضيقه على من يشاء، ولن تموت حتى تستوفي رزقك كما تستوفي أجلك، فأوقف البيع والشراء في محلك قبل النداء الثاني للجمعة، ثم إذا قضيت الصلاة فافتح محلك، وبع من المباح ما تشاء، كما قال تعالى: ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) الجمعة/ 10.
واعلم أنه قد ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة.
والله أعلم.


