تعترض على أصل خِلقة الله تعالى للنساء! مع بيان لبعض أحكام النساء
السؤال
سألقي عليكم هواجسي التي لا أعرف كيف أصفها ، أهي وساوس من الشيطان، أم محاكمة عقلية فاشلة مني، وأتمنى أن أجد لديكم إجابات تتجاوز الخطب النظرية التي مللت منها، مشكلتي تتمثل في أسئلة عن وضع المرأة، لم أقتنع بإجاباتها من سنين، وقتها وجدت التجاهل أنسب حل لها، لكنه يظهر لي الآن غير مجد، إذ أنها تتفاقم، وقد تصل بي إلى حد الكفر، لا أقصد وضع المرأة في الإسلام تحديدًا، بل على مر العصور، لدي قناعة بأن المرأة مظلومة من أصل خلقتها! ثم هي تحمل نتائج هذا الظلم.
* تُخلق المرأة عورة، فتنة، ثم تطالب بستر نفسها، وإلا فإنها تعتبر من جنود إبليس.
* تُخلق ضعيفة، محط طمع الرجال، فلا تستطيع العمل، ثم تلزم بطاعة، وخدمة من ينفق عليها.
* تُخلق بنقص في التركيز والذاكرة، فلا تقبل شهادتها منفردة، ثم تعيَّر بأنها ناقصة عقل.
* تُخلق بجسم يعتريه الحيض والنفاس، فلا تعتبر طاهرة تقبل عبادتها، ثم توسم بأنها ناقصة دين.
* تُخلق غيورة، تحب الاستئثار بزوجها لنفسها، ثم تجبر على أن تقبل ضرائر، وسراري، في حياته.
* تُخلق على هيئة إنسان له طباعه ومزاجه وتفكيره، ثم تلقن أن الصالحة هي من تمحو شخصيتها لتتبنى أفكار الرجل الذي من حقه أن يسيِّرها، ويفرض عليها رغباته، ولو على حساب نفسها.
وبعد هذا كله علينا أن نقتنع أن النساء شقائق الرجال.
ولا أعرف ماذا تبقى مما يحق للمرأة فيه أن تكون إنسانًا كالرجل، سوى أنها تُعاقب، وتثاب مثله، بل حتى في هذه أجدها تعاقب أكثر منه، فتلعنها الملائكة تارة، ولا تقبل عبادتها تارة أخرى, وتهدَّد بأنها أكثر أهل النار، بينما هو يثاب أكثر منها، فتنتظره حور في الجنة، ولا ينتظرها إلا الزوج الذي ملَّت من مشاركة غيرها فيه في الدنيا ، ولم ينقصها إلا أن تأتيها الحور في الآخرة، بل إن فكرة الحور هذه مما يؤكد تدني وظيفة المرأة! فهي ليست إلا مكافأة للرجل، نوع من الإغراء الذي يرغَّب من خلاله في العمل من أجل الجنة، ومن قبيل هذا ما يدرج على الألسنة من الدعاء بالقول ” جزاك الله خيرًا، وزوَّجك بِكرًا “، و كأنها شيء يدعو أن يُهدى له.
أعرف بأن الله لا يُسأل عما يفعل، لكنني لا أستطيع أن أقتنع بأن إلهًا عادلًا يخلق جنسين، متفاوتين في القيمة، والأهمية، ويجبر أحدهما على أن يكون تابعًا للآخر مطيعًا له.
قرأت كثيرًا عن التبريرات التي قُدمت لذلك، لكنها لم تفدني بشيء، ولا أزال أشعر بالقهر كلما فكرت أن الذكَر أفضل مني لمجرد أنه ذكر وأنني أنثى، وأنه خُلق لعمارة الكون، وأنني خلقتُ لمتعته، وخدمته، وإنجاب أولاده.
ربما لو قيل منذ الصغر لي إن المرأة ليست إنسانًا بل هي نوع من المخلوقات فوق الحيوانات ودون البشر: لكان أهون عليَّ، ولكنت اعتدت على الفكرة، وتقبلتها، أما أن نولد، وننمو معتقِدات أننا من بني البشر ثم نكتشف أننا – في أحسن الأحوال – بشر من الدرجة الثانية: فهذا ما يصعب عليَّ تقبله.
كلما بحثت عن الموضوع لا أجد إلا حديثًا مكرورًا عن تكريم الإسلام للمرأة بعد ما لاقته من اضطهاد في اليهودية، والنصرانية، ولدى الصينيين، والهنود، والفراعنة، وفي الجاهلية، وفي كل العصور والأماكن، وهذا ما أراه يؤكد وجهة نظري، ولا ينفيها، من كون المرأة مظلومة بفطرتها، وإلا لما أجمعت كل الأقوام والديانات على احتقارها والانتقاص منها، بل إننا في المدرسة كنا ندرس مظاهر الحياة لدى الحضارات القديمة، فيقال – مثلًا – الزراعة لدى الآشوريين، التجارة والصناعة لديهم، ثم وضع المرأة في عهدهم، فكأن كلمة آشوريين تصرف إلى الرجال لا النساء، وكأن المرأة شأنها شأن الزراعة، والصناعة، وحتى في الإسلام يقال مثلًا: وضع المرأة في الإسلام، ولا يقال وضع الرجل، ثم إن التوصية المتكررة من النبي صلى الله عليه وسلم بإكرام المرأة توحي بأنها معرضة للظلم، و أن احتقارها وارد فاقتضى التنبيه منه.
ولن أتحدث هنا عن ما تلاقيه المرأة على أرض الواقع من جور وقهر؛ دفعا بعضهن للانسلاخ عن الإسلام، والالتحاق بالنموذج الغربي، وأنا لا أدافع عن هذا النموذج لأنني لا أريد للمرأة أن تكون سلعة، لا بالمجان، ولا بمقابل ثمن يُدفع لها تحت مسمَّى المهر، فيمتلكها بعدها الرجل، وكأنها جارية بيعت في سوق النخاسة، إنما أطلب أن تكون إنسانة حرة لا كائنًا مشكوكًا في إدراك ، متهما بالعاطفة، وقلة الحيلة.
أقر بأن غالبية النساء اليوم هن فعلًا على هذه الصورة، لكن هذا ليس إلا نتاج إرث بعيد العهد من التربية على الخضوع، والانقياد، والاقتصار على الاهتمام بالتوافه من الأمور، فكيف نطالب امرأة بأن تكون حكيمة، عاقلة، وقد ربيت على أن أقصى أمانيها أن تفوز بزوج يقبل أن يعطيها شرف أن تكون تابعة له، وزرع في تفكيرها أن أسلحتها هي الجمال، والدموع، وشيء من الدهاء الأنثوي الذي لا يعبر إلا عن العجز عن المواجهة، فلا يكون الحل إلا في المراوغة.
لن أتحدث عن الفتاوى العجيبة التي أقرؤها، والتي تزيد في حقدي على هذا الوضع، وحسبي أن أذكر جملة قرأتها في فتوى جاءت ردًّ على فتاة تسأل الزواج أم الدراسة؟ فكان الجواب: تزوجي؛ لأن المرأة كالوردة تذبل سريعًا!!.
أخبروني بالله عليكم: هل أصدق أنني وردة قيمتها في جمالها، وشذاها، ومتى ذهبا انتهت صلاحيتي، أم أظل أكافح لأكون إنسانًا كامل الإنسانية، ولو لم يكن اسمي زوجة فلان، وأم فلان؟.
بقي أن أشير إلى أنني لم أتعرض يومًا لأي موقف يبرر لي هذا التفكير – الذي أظنه جريمة برأيكم! – بل أخذت حقوقي كاملة كإنسان، فليس ما بي ردة فعل، لكنه تفاعل مني مع ألم النساء الذي عايشته حولي.
أخيرًا: فإنني قد توجهت إليكم لما لمسته عندكم من قدرة على الإقناع، وتفهم للسؤال، وبسط في الرد عليه دون نسخ ردود جاهزة، فرجاء أن تكونوا كما عهدتكم، فلا تبدؤوا الرد بالحديث الذي مللته عن وأد البنات في الجاهلية، وكيف منعه الإسلام؛ لأن الوأد النفسي لا يقل أذى عن الوأد المادي. والسلام.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
فإنه مع شكرنا لكِ على ثقتك بموقعنا إلا أن هذا لن يمنعنا من مصارحتك بأنه ثمة مغالطات كثيرة حوتها رسالتك أيتها السائلة، ومن خلال تأملنا فيما كتبتِه: تبيَّن لنا سعة اطلاعك، وكثرة قراءتك، لكن أكثر ما في رسالتك كان ينقصه العلم بالشرع، ويفتقد للتسليم لأمر الله تعالى، والإيمان المطلق بعظيم حكمته، ولا يمنع أن هذا الفقدان قد يكون سبب بعضه: عدم الوقوف على حكم الشرع، ولذا بُنيت أخطاء بسبب ذلك الجهل بالحكم الشرعي.
ثانيًا:
ولنأخذ أمثلة على بعض الخلل في فهم الحكم الشرعي في رسالتك المطولة:
- قلتِ: ” تُخلق – أي: الأنثى – بنقص في التركيز والذاكرة، فلا تقبل شهادتها منفردة، ثم تعيَّر بأنها ناقصة عقل “.
قلنا: وهذا خطأ في الحكم الشرعي، وفي أسلوب النقد.
أما الخطأ في الحكم الشرعي: فلأن المرأة تُقبل شهادتها وحدها في مسائل كثيرة، كالإرضاع، ووجود البكارة، وعامة ما يتعلق بالنساء من أحكام تخصهن، وفهم الكثيرين للآية القرآنية في سورة البقرة هو الذي جعلهم يقولون بغير ما في الشرع من حكم جلي واضح، فالمرأة لا تكفي وحدها في ” تحمُّل ” الشهادة، وليس في أدائها! وإنما سياق الآية في ” الاستشهاد ” وليس في ” أداء الشهادة “، وما المانع أن يُطلب في شهادة على معاملة مالية أن تشهد عليها امرأتان مراعاة لظرف المرأة في تحمل هذا النوع من الشهادة؟ وهل تظن المرأة أنه سيُقبل شهادة أي رجل؟ بل لا بد من توفر شروط فيه، ولو كان ذلك الحكم من حيث كونها أنثى: لما قُبلت شهادتها في مسائل كثيرة.
قال ابن القيم – رحمه الله -:
قال شيخنا ابن تيمية رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ( فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى): فيه دليل على أن استشهاد امرأتين مكان رجل إنما هو لإذكار إحداهما الأخرى إذا ضلَّت، وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في العادة، وهو النسيان وعدم الضبط، وإلى هذا المعنى أشار النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: ( وأما نقصان عقلهن: فشهادة امرأتين بشهادة رجل )، فبيَّن أن شطر شهادتهن إنما هو لضعف العقل، لا لضعف الدين، فعلم بذلك أن عدل النساء بمنزلة عدل الرجال، وإنما عقلها ينقص عنه، فما كان من الشهادات لا يُخاف فيه الضلال في العادة: لم تكن فيه على نصف رجل، وما تقبل فيها شهادتهن منفردات: إنما هي أشياء تراها بعينها، أو تلمسها بيدها، أو تسمعها بأذنها، من غير توقف على عقل، كالولادة، والاستهلال، والارتضاع، والحيض، والعيوب تحت الثياب؛ فإن مثل هذا لا يُنسى في العادة، ولا تحتاج معرفته إلى إعمال العقل، كمعاني الأقوال التي تسمعها من الإقرار بالديْن وغيره؛ فإن هذه معان معقولة، ويطول العهد بها في الجملة.
” الطرق الحكمية ” ( ص 128 ، 129 ).
وأما الخطأ في الأسلوب: فقولكِ ” ثم تعيَّر بأنها ناقصة عقل “، وهو أسلوب غير لائق، فهل الشريعة تعيِّر النساء؟! وهل الشريعة تُنقص قدرهن؟! وكونها ” ناقصة عقل ” هو وصف، لا تعيير، وهو خاص بمسألة واحدة، وليس وصفًا عامًّا.
- قلتِ: ” تُخلق بجسم يعتريه الحيض والنفاس، فلا تعتبر طاهرة تقبل عبادتها، ثم توسم بأنها ناقصة دين “.
قلنا: ويقال في الأسلوب هذا ما قيل في أخيه قبل قليل.
وأما الخطأ في فهم الشرع: فهو أن ما شرعه الله تعالى هو لرحمة المرأة، ومراعاة ضعفها وحالها حين الحيض، وبعد الولادة، فهو تشريع في غاية الحكمة، والمرأة لم تمنع من غير الصلاة والصيام، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة – في الحج – لما حاضت: ( افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي ) رواه البخاري ( 299 ) ومسلم ( 1112 ).
فالقول بأنها في تلك الحال ” ناقصة دين “: هو وصف لأمر خاص، كما بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم في أنها تترك الصلاة والصيام في ذينك الحاليْن، وهو ترك واجب عليها، كما أن الصلاة واجبة عليها حال الطهارة، وهذا مقتضى العبودية، أن يفعل المسلم الأمر حيث يؤمر به، وأن ينتهي عنه حيث نُهي.
- قلتِ: ” تُخلق غيورة، تحب الاستئثار بزوجها لنفسها، ثم تجبر على أن تقبل ضرائر، وسراري، في حياته “.
قلنا: وهذا من النقص في العقل! فالمرأة العاقلة تعرف أن الرجل أقوى وأكثر منها شهوة، وهي تعتريها حالات من مرض، وحيض، ونفاس، وعدم رغبة بالجماع، فكيف يصرِّف الزوج شهوته؟! وقولك هذا إنما هو تأثر بالحال المزري للغرب الضائع، وإلا فعقلاء العالم من أهل الاجتماع يعلمون بضرورة التعدد في حياة كثيرين، وهم إنما يعددون في العاشقات، وبنات الليل، والشرع الإسلامي أسمى من ذلك، وأحكام الله أجلّ من ذاك الانحراف.
ولو أننا سألنا الأخت السائلة: ماذا لو حصلت وفاة لامرأة بلغت الخمسين – مثلًا -؟ وماذا لو حصل لها طلاق، وماذا لو كانت امرأة عمياء، أو عرجاء، أو بها عاهة، فمن سيتزوج أولئك النساء عادة؟! أليسوا من كان عنده زوجة، أو أكثر؟! فلم المكابرة في نقد التعدد؟! ثم ما ذنب الرجل إن كانت النساء توافقن على التزوج من متزوج؟! وما دخلكن أنتن اللاتي تحببن الاستئثار بأزواجكن؟! هي أعلم بحالها ونفسها، وقد رضيت بمتزوج، وهذا يوافق ما فطر الله النساء عليه من الميل للرجال، ويوافق التشريع الحكيم في التعدد.
- قلتِ: ” تُخلق على هيئة إنسان له طباعه ومزاجه وتفكيره، ثم تلقن أن الصالحة هي من تمحو شخصيتها لتتبنى أفكار الرجل الذي من حقه أن يسيِّرها، ويفرض عليها رغباته، ولو على حساب نفسها “.
قلنا: هذا من أوهامك، وخيالاتك، والواقع يكذبه، أو يكذب تلك المبالغة، وقد رأينا من تأثير النساء على الرجال ما غيَّر به الرجال دينهم! أو اعتقادهم! أو أخلاقهم! فمنهم من ارتد عن دينه بسبب زوجته، ومنهم صار رأسًا في فِرَقٍ ضالة بعد أن كان رأسًا في أهل السنَّة، ومنهم من تغيرت أخلاقه وسلوكه، وصار تبعًا لزوجته في سلوكها وأخلاقها، والأمثلة أكثر من أن تُحصر، وواقعة واحدة تكفي لبيان خطأ مقولتك، فكيف وهي بالمئات، أو بالآلاف؟!.
- قلتِ: ” وبعد هذا كله علينا أن نقتنع أن النساء شقائق الرجال “.
نعم، المرأة شقيقة الرجل، في العبودية، والثواب والعقاب الأخرويين، ولا يعني أنها شقيقة الرجل أنها تتساوى معه من كل وجه، بل هذا معنى باطل، وثمة فروق لا بدَّ منها، تقتضيها طبيعة الخلقة، وتقتضيها الحكمة الجليلة، وها هو المسلم يؤمر ببر والديه، وتحريم عقوقهما، فهل والدته في البرِّ كوالده؟! لا شك أنها برَّها أعظم، وها هي امرأة ولها من الحقوق أضعاف ما للرجل.
قال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله – عن الذكر والأنثى -:
يشتركان في عِمارة الكون كلٌّ فيما يخصه، ويشتركان في عمارته بالعبودية لله تعالى، بلا فرق بين الرجال والنساء في عموم الدين: في التوحيد، والاعتقاد، وحقائق الإيمان، وإسلام الوجه لله تعالى، وفي الثواب والعقاب، وفي عموم الترغيب والترهيب، والفضائل.
وبلا فرق أيضًا في عموم التشريع في الحقوق والواجبات كافة: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات/ 56، وقال سبحانه: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) النحل/ 97.
لكن لما قَدَّر الله وقضى أن الذكر ليس كالأنثى في صِفة الخِلقة والهيئة والتكوين، ففي الذكورة كمال خَلقي، وقوة طبيعية، والأنثى أنقص منه خلقة، وجِبِلَّة، وطبيعةً؛ لما يعتريها من الحيض، والحمل، والمخاض، والإرضاع، وشؤون الرضيع، وتربية جيل الأمة المقبل، ولهذا خلقت الأنثى من ضِلع آدم عليه السلام، فهي جزء منه، تابع له، ومتاع له، والرجل مؤتمن على القيام بشؤونها، وحفظها، والإنفاق عليها، وعلى نتاجهما من الذرية:
كان من آثار هذا الاختلاف في الخلقة: الاختلاف بينهما في القوى، والقُدرات الجسدية، والعقلية، والفكرية، والعاطفية، والإرادية، وفي العمل والأداء، والكفاية في ذلك، إضافة إلى ما توصل إليه علماء الطب الحديث من عجائب الآثار من تفاوت الخلق بين الجنسين.
وهذان النوعان من الاختلاف أنيطت بهما جملة كبيرة من أحكام التشريع، فقد أوجبا – ببالغ حكمة الله العليم الخبير – الاختلاف، والتفاوت، والتفاضل بين الرجل والمرأة في بعض أحكام التشريع، في المهمات والوظائف التي تُلائم كلَّ واحد منهما في خِلقته وتكوينه، وفي قدراته وأدائه، واختصاص كل منهما في مجاله من الحياة الإنسانية، لتتكامل الحياة، وليقوم كل منهما بمهمته فيها.
فخصَّ سبحانه الرجال ببعض الأحكام، التي تلائم خلقتهم وتكوينهم، وتركيب بُنيتهم، وخصائص تركيبها، وأهليتهم، وكفايتهم في الأداء، وصبرهم، وَجَلدهم، ورزانتهم، وجملة وظيفتهم خارج البيت، والسعي والإنفاق على من في البيت.
وخص سبحانه النساء ببعض الأحكام التي تلائم خلقتهن، وتكوينهن، وتركيب بُنيتهن، وخصائصهن، وأهليتهن، وأداءهن، وضعف تحملهن، وجملة وظيفتهن، ومهمتهن في البيت، والقيام بشؤون البيت، وتربية من فيه من جيل الأمة المقبل.
فتلك إرادة الله الكونية القدرية في الخلق، والتكوين، والمواهب، وهذه إرادة الله الدينية الشرعية في الأمر، والحُكم، والتشريع، فالتقت الإرادتان على مصالح العباد، وعمارة الكون، وانتظام حياة الفرد، والبيت، والجماعة، والمجتمع الإنساني.
” حراسة الفضيلة ” ( ص 15 – 17 ).
وهو كلام متين، لو تأملته السائلة – وغيرها – حق التأمل: لاستغنت عن تفاصيل الجواب.
- قلتِ: ” أعرف بأن الله لا يُسأل عما يفعل، لكنني لا أستطيع أن أقتنع بأن إلهًا عادلًا يخلق جنسين، متفاوتين في القيمة، والأهمية، ويجبر أحدهما على أن يكون تابعًا للآخر مطيعًا له “.
قلنا: وهذا من نقص الدِّين! وقد يؤدي بقائله إلى الكفر المخرج من الملَّة؛ لأن فيه طعنًا في الله تعالى، وسخرية من عدله عز وجل، وهل الإله العادل هو من يخلق ما تشائين؟! وهل الإله العادل هو الذي الكون كله رجالًا؟! أو كله نساءً؟! وهل الإله العادل من يحرِّم تعدد الزوجات؟! إننا لفي غاية العجب من كلامك ذاك، وهو أسوأ وأخطر ما قرأناه فيه، وواضح أنك لا تؤمنين بإله يعلم من خلق! ولا بإله له الحكمة البالغة فيما يفعل! ولعلك ذهلت عن أن الرب تعالى هو الذي وهبك عقلًا تفكرين فيه، وهو الذي وهبك يدًا بها تكتبين، وهو الذي أعطاك حياة بها تعيشين، فهل هكذا يُشكر الرب عز وجل؟!.
إن الذي لاحظناه بعد تأمل في رسالتك أنك تفتقدين معنى ” العبودية “، ولا تؤمنين بحكمة الرب عز وجل! ووالله إنكِ لفي خطر عظيم إن بقيتِ على ما أنت عليه، فالبدار البدار لتوبة صادقة، وإنابة خالصة، وإلى إعادة النظر في حقيقة عبوديتك للرب عز وجل، وإلى مزيد من الاطلاع على أسمائه تعالى وصفاته، فهذا هو ما تفتقدينه – وللأسف الشديد -.
واعلمي أن الخلق كلهم لا شيء في مخلوقات الله تعالى، وأن الأرض ليست إلا نقطة يسيرة جدًّا في مخلوقاته، فماذا يمثِّل اعتراضك على أصل خلقة النساء؟! وماذا يمثِّل اعتراضك على تشريعات الإسلام؟! نرجو أن تعي جيِّدًا حقيقة العبودية، وأنك ما خلقتِ – أصلًا – إلا من أجل تحقيقها، وأن حكمة الله تعالى اقتضت بإعمار هذا الكون، ولا تكون عمارته إلا بخلق النساء، ولذا خلقت حواء أولًا، ثم النساء من ذريتها، وبه وُجدتِ أنت على وجه الأرض لتبعثي برسالتك تلك لنا!.
وخلق الله تعالى للذكر والأنثى على اختلاف هيئاتهم، وصفاتهم من نطفة واحدة: من عظيم قدرة الله تعالى، فما يستدل به أهل العلم على كمال قدرة الله تعالى، وحكمته: هو عندكِ لا شيء! بل هو محل انتقاد!! فهلاَّ فكرتِ بالنشأة الأخرى، ولقاء الله تعالى، بدلًا من اعتراضاتك التي لا قيمة لها في واقع الحال؟!.
قال ابن قتيبة – رحمه الله -:
ولن تكمل الحكمة والقدرة إلا بخلق الشيء وضده؛ ليُعرف كل واحد منهما بصاحبه، فالنور يعرف بالظلمة، والعلم يعرف بالجهل، والخير يعرف بالشر، والنفع يعرف بالضر، والحلو يعرف بالمر؛ لقول الله تبارك وتعالى ( سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ) والأزواج: الأضداد، والأصناف، كالذكر والأنثى، واليابس والرطب، وقال تعالى ( وأنه خلق الزوجين. الذكر والأنثى ). ” تأويل مختلف الحديث ” ( ص 15 ، 16 ).
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – في تفسير ( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى. مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى. وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأخْرَى ) -.
( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ ) فسَّر الزوجين بقوله: ( الذَّكَرَ وَالأنْثَى ) وهذا اسم جنس شامل لجميع الحيوانات، ناطقها وبهيمها، فهو المنفرد بخلقها.
( مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ) وهذا من أعظم الأدلة على كمال قدرته، وانفراده بالعزة العظيمة، حيث أوجد تلك الحيوانات، صغيرها وكبيرها، من نطفة ضعيفة من ماء مهين، ثم نمَّاها، وكمَّلها، حتى بلغت ما بلغت، ثم صار الآدمي منها إما إلى أرفع المقامات في أعلى عليين، وإما إلى أدنى الحالات في أسفل سافلين.
ولهذا استدل بالبداءة على الإعادة، فقال: ( وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأخْرَى ) فيعيد العباد من الأجداث، ويجمعهم ليوم الميقات، ويجازيهم على الحسنات والسيئات.
” تفسير السعدي ” ( ص 822 ).
* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
فالله تعالى خلق الزوجين من شيء واحد، وهذا يدل على كمال قدرته – جل وعلا -؛ إذ إنه خلق صنفين مختلفين في كل الأحوال: في القوة البدنية، والعقلية، والفكرية، والتنظيمية، يختلف الذكر عن الأنثى، وبذلك نعرف ضلال أولئك القوم الذين يريدون أن يُلحقوا المرأة بالرجل في أعمال تختص بالرجل، فإنهم سفهاء العقول، ضُلاَّل الأديان، فكيف يمكن أن نسوِّي بين صنفين فرَّق الله بينهما خِلقة، وشرْعًا، فهناك أحكام يطالَب بها الرجل، ولا تطالب بها المرأة، وأحكام تطالب بها المرأة ولا يطالب بها الرجل.
وأما قدرًا وخِلقة: فالأمر واضح، لكن هؤلاء الذين لم يوفقوا، وسلَب الله عقولهم، وأضعف أديانهم: يحاولون الآن أن يُلحقوا النساء بالرجال، وهذه لا شك أنها فكرة خاطئة، مخالفة للفطرة، ومخالفة للطبيعة، كما أنها مخالفة للشريعة.
” تفسير القرآن ” – من الحجرات إلى الحديد – ( ص 249 )، و ” الباب المفتوح ” (اللقاء رقم 179 ).
وقد أطلنا الكلام والنقول في هذا الموضع لما رأيناه من العقدة الأخرى عند السائلة، وهو اعتراضها على أصل خلقة النساء!.
- قلتِ: ” ولا أزال أشعر بالقهر كلما فكرت أن الذكَر أفضل منِّي لمجرد أنه ذكر، وأنني أنثى ” .
قلنا: وهذا – بلا ريب – خطأ، وليس ميزان التفاضل عند الله تعالى الذكورة والأنوثة، بل هو التقوى، قال تعالى: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) الحجرات/ 13، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ) رواه مسلم ( 2564 ).
والأدلة على ما قلناه كثيرة، ونكتفي بآية وحديث لتعلمي أن الذكر ليس أفضل عند الله لأنه ذكر، بل لما يأتي به من عمل صالح يرفع به درجاته، وليست الأنثى أقل منه، بل من الإناث من هي صدِّيقة، وشهيدة، ولا أعظم من هذه المنازل للمسلمين في الجنة، وربَّ امرأة تعدل ألوف الرجال من المسلمين، وهي – بلا شك – خير من كل الرجال الكفار.
- وقلتِ: ” وأنه خُلق لعمارة الكون، وأنني خلقتُ لمتعته، وخدمته، وإنجاب أولاده “.
قلنا: وهذا خطأ، بل عمارة الكون لا تكون من الرجال وحدهم، بل هي بمشاركة النساء، ولا يمكن للكون أن يعمر بالرجال وحدهم، ولا بالنساء وحدهم، بل لم يعمر الكون إلا بآدم ومعه حواء، وهكذا الأمر كان في ذريتهم.
قال الشيخ بكر أبو زيد – رحمه الله -:
الله سبحانه وتعالى خلق الرجل والمرأة شطرين للنوع الإنساني: ذكرًا، وأنثى ( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ) النجم/ 45، يشتركان في عِمارة الكون، كلٌّ فيما يخصه.
” حراسة الفضيلة ” ( ص 15 ).
وهذا نصٌّ من عالِم يرد به على عين كلامك، ولا يخالف في هذا أحد من أهل العلم.
وأخيراً – وقد تركنا التعقيب على بعض كلامك -:
إذا كان الكفر الحاقد على الإسلام لم يجد مجالًا للطعن في تشريعات الإسلام لقوة أحكامه، وإتقان تشريعاته، وما تحتويه على الحكَم الجليلة، أفتظنين أنه بتلك الإيرادت الواردة في السؤال يمكن للمسلم أن يتأثر بها ويشك في دينه وحكمة تشريعاته؟!.
إننا ندعوك – وقد وثقتِ بنا – للتوبة الصادقة، ولا ندعوك لتكوني تبعًا إلا للحق، وقد أوردنا لك ما فيه كفاية لتراجعي نفسك، وتعيدي النظر في الحكمة من خلقك، وتعيدي النظر في أسماء الله تعالى وصفاته، وكلنا ثقة أنك لو فعلتِ ذلك فإنك ستحققين العبودية لله تعالى ربك، وستكونين على ثغر من ثغور الإسلام تدافعين عن تشريعاته، وتنافحين عن أحكامه.
والله أعلم.


