كيف تمثَّل الشيطان للكفار في غزوة بدر وهو مصفَّد؟ وهي في رمضان؟!
السؤال
من المعروف أن الشيطان كان حاضرًا معركة ” بدر “، وهذه الغزوة كانت في رمضان، لماذا لم يكن الشيطان مصفَّداً في ذلك الوقت؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
اشتهر في كتب التفسير والسيرة أن الشيطان كان حاضرًا معركة ” بدر “، وأنه تشكَّل على صورة ” سراقة بن مالك “، ويُذكر ذلك في تفسير قوله تعالى ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) الأنفال/ 48.
ولكن ذلك لم يثبت بإسنادٍ صحيح إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي إسناده نظر؛ فهو من رواية علي بن أبي طلحة عنه.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ إِبْلِيسُ يَوْمَ بَدْرٍ فِي جُنْدٍ مِنَ الشَّيَاطِينِ مَعَهُ رَأَيْتُهُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ الشَّيْطَانُ لِلْمُشْرِكِينَ: لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ، فَلَمَّا اصْطَفَّ النَّاسُ، أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ، فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ. وَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ إِلَى إِبْلِيسَ، فَلَمَّا رَآهُ، وَكَانَتْ يَدُهُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، انْتَزَعَ إِبْلِيسُ يَدَهُ، فَوَلَّى مُدْبِرًا هُوَ وَشِيعَتُهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا سُرَاقَةُ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَنَا جَارٌ؟ قَالَ: ( إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) وَذَلِكَ حِينَ رَأَى الْمَلاَئِكَةَ. رواه الطبري في ” تفسيره ” ( 13 / 7 ).
وعلي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، لكنه أخذ عن ثقات أصحابه، عنه، والقول الوسط في رواياته عنه في التفسير: أنها جيدة في الشواهد.
وقد روى الطبراني في ” المعجم الكبير ” ( 5 / 47 ) عن رفاعة بن رافع الأنصاري نحو رواية ابن عباس، وإسناد الأثر ضعيف ؛ فيه ” عبد العزيز بن عمران “، وهو ضعيف، وقد ضعفه الهيثمي بسببه في ” مجمع الزوائد ” ( 6 / 82).
ولعله مما يقوِّي معنى ما في الأثرين: حديثٌ مرسل، رواه مالك في “الموطأ” ( 944 ) عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا رُئِيَ إِبْلِيسُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلاَ أَحْقَرُ وَلاَ أَدْحَرُ وَلاَ أَغْيَظُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَذَلِكَ مِمَّا يَرَى مِنْ تَنْزِيلِ الرَّحْمَةِ وَالْعَفْوِ عَنِ الذُّنُوبِ، إِلاَّ مَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلاَئِكَةَ.
– وقوله ( يزع الملائكة ) أي: يرتبهم، ويسويهم، ويصفهم للحرب.
فالخلاصة:
أن أقل أحوال قصة تشكل الشيطان بسراقة بن مالك – قبل إسلامه -: الحُسن.
ثانيًا:
كانت غزوة ” بدر ” – على الراجح – يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، في السنة الثانية من الهجرة، وكان تشريع صيام رمضان قبل تلك الغزوة، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشياطين تُصفَّد في رمضان، ومن هنا وقع الإشكال عند الأخ السائل، إذ كيف تشكَّل الشيطان في صورة ” سراقة ” في غزوة ” بدر ” مع كونها في ” رمضان “، والشياطين تكون فيه مصفَّدة؟!.
والجواب عليه من وجوه، منها:
- أن المتشكل بصورة ” سراقة ” هو شيطان من الشياطين، وأما المصفَّد فهم المردة منهم.
روى النسائي ( 2108 ) عن عتبة بن فرقد قال : النبي صلى الله عليه وسلم (في رَمَضَانَ تُفْتَحُ فيه أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتُغْلَقُ فيه أَبْوَابُ النَّارِ وَيُصَفَّدُ فِيهِ كُلُّ شَيْطَانٍ مَرِيد ) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.
وروى ابن خزيمة في ” صحيحه ” ( 3 / 188 ) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( إِذَا كَانَ أَوُّل لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَان صُفِّدَتْ الشَّيَاطِين مَرَدُةُ الجِنِّ )، وبوَّب عليه الإمام ابن خزيمة بقوله: ” باب ذكر البيان أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بقوله: ( وصفدت الشياطين ) مردة الجن منهم، لا جميع الشياطين ؛ إذ اسم الشياطين قد يقع على بعضهم “.
- أنه لا يمكن الجزم بأن ما قاله صلى الله عليه وسلم من تصفيد الشياطين أنه كان في أول تشريع الصوم، وهكذا في فضائل رمضان وميزاته الأخرى، بل الغالب أن ذلك كان على سنوات؛ لأن نعم الله تعالى متجددة، ولا يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قال كل تلك الفضائل والميزات لشهر رمضان في مجالسه الأولى من تشريع الصوم فيه، ويمكن الجزم بذلك من خلال تتبع الروايات ورواتها الذين سمعوا ذلك منه صلى الله عليه وسلم ، وكان تأخر إسلامهم.
- أن تصفيد الشياطين – لو قيل بعمومهم -: إنما هو في حق المؤمنين الصائمين، دون الكفار، وقد كان مجيء الشيطان للكفار من أسباب نصر المؤمنين، وعزتهم؛ حيث حثَّ الشيطان الكفار على الخروج للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم نكص على عقبيه ، فصار النصر للمؤمنين على المشركين.
* قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -:
إنما تُغلُّ عن الصائمين الصوْم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه.
” شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك ” ( 3 / 137 ).
* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
والمصفَّد من الشياطين قد يؤذي، لكن هذا أقل وأضعف مما يكون فى غير رمضان، فهو بحسب كمال الصوم ونقصه، فمن كان صومه كاملًا: دفعَ الشيطانَ دفعًا لا يدفعه دفع الصوم الناقص. ” مجموع الفتاوى ” ( 25 / 246 ).
- أن تصفيد الشياطين – لو قيل بعمومهم، وعموم أثرهم في الناس فهو لا يمنع من الوسوسة، والتزيين، وهذا الجواب يصلح لمن يرى ضعف القصة في تشكل الشيطان على صورة سراقة، فالمصفَّد من الشياطين تضعف قوته، لكن لا يمتنع أن يُؤذي الناس، ولا يمتنع من التزيين، والوسوسة، وفي الآية ما يدل على هذا الوجه، قال تعالى: ( وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ) والتزيين لا يلزم منه المواجهة، ويدل عليه قوله تعالى ( تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) النحل/ 63.
* قال ابن العربي – رحمه الله – في أوجه وجود المعاصي في رمضان مع تصفيد الشياطين -:
( إذا ) سلَّمنا أنه من الشيطان: فليس من شرط وسوسته التي يجدها الإنسان في نفسه اتصالها بالنفس، إذ قد يكون مع بُعده عنها؛ لأنها من فعل الله، فكما يوجد الألم في جسد المسحور والمعيون عند تكلم الساحر أو العاين: فكذلك يوجد عند وسوسته من خارج. ” شرح الزرقاني على موطأ مالك ” ( 2 / 269 ).
فتبين من خلال ما سبق أنه لا إشكال في مجيء الشيطان للمشركين للتزيين لهم بقتال المسلمين في رمضان، وكل ما ذكرناه من الوجوه يصلح لدفع الإشكال.
والله أعلم.


