هل يجوز له ترجمة كتاب يحتوي على عقائد كفرية؟
السؤال
أنا مترجم إنكليزي عربي وبالعكس، جاءني مؤخرًا مشروع ترجمة جزء من كتاب يحمل عنوان ” يسوع في مصادر الأناجيل الكنسية ” بقلم كاتب أجنبي – طبعًا ، ويتحدث هذا الكتاب عن عيسى المسيح، كيف ورد ذِكره في مختلف الأناجيل، وكيف أن الأناجيل مختلفة فيما بينها، ولا يخلو الكتاب من كلام عن المسيح بأنه المنقذ والمخلص، يسوع صُلب، ومن ثم قام… الخ، وأنتم على علم بما تحتويه مثل هذه الكتب التي تتحدث عن المسيحية.
سؤالي هو:
هل يجوز لي ترجمة هذا الكتاب مع أني أقوم فقط بالترجمة وأخذ نقود مقابل ذلك الأمر؟.
الجواب
الحمد لله
الأصل في حكم ترجمة الكتب من العربية وإليها: الحل، ويرتفع هذا الحل إذا كانت مادة الكتاب تحتوي على بدع، أو ضلالات، أو فسق، أو كفر، ويكون مترجم تلك الكتب مشاركًا في الإثم لمؤلفها، وطابعها، وناشرها، وأما إن احتوت تلك الكتب على مواد علمية، أو شرعية نقية، أو مادة مباحة: فإنه لا حرج في ترجمتها.
وفي تاريخنا الإسلامي القديم كان لترجمة كتب أهل الديانات الوثنية، وأهل الفلسلفة الملحدة أبلغ الأثر في انحراف طوائف من الناس عن هدي القرآن والسنَّة، وقد ابتدأت تلك الترجمة في عهد الخليفة العباسي ” المأمون “.
* قال المقريزي – رحمه الله -:
وبتعريب المأمون لكتب الفلسفة: انتشرت مذاهب الفلاسفة في الناس، واشتهرت مذاهب الفرق، من: القدرية والجهمية والمعتزلة والأشعرية والكرامية والخوارج والروافض والقرامطة والباطنية، حتى ملأت الأرض، وما منهم إلا من نظر في الفلسفة، وسلك من طرقها ما وقع عليه اختياره، فانجرَّ بذلك على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة ما لا يوصف من البلاء والمحنة في الدين.
” الخطط المقريزية ” ( 2 / 358 ).
ولذلك استحق المأمون أن يكتسب آثام كل بدعة انتشرت بتلك الكتب، وكل ضلالة عمَّت في الناس.
* قال أبو المعالي الجويني – رحمه الله -:
وقد اتفق للمأمون – وكان من أنجد الخلفاء، وأقصدهم – خُطّةٌ ظهرت هفوته فيها، وعَسُرَ على من بعده تلافيها، فإنه رأى تقريرَ كل ذي مذهب على رأيه، فنبغ النابغون، وزاغ الزائغون، وتفاقم الأمر وتطوق خطبًا هائلًا، وانتهى زلَلُه وخطلُه إلى أن سوَّغ للمعطِّلة أن يظهروا آراءَهم، ورتَّب مترجمين ليردُّوا كتبَ الأوائل إلى لسان العرب، وهلمَّ جرًّا إلى أحوال يقصر الوصف عن أدناها.
ولو قلتُ: إنه مطالَب بمغبات البدع والضلالات في الموقف الأهول في العَرَصات: لم أكن مجازفًا. ” غياث الأمم ” ( ص 143 ) طبعة دار الدعوة في الإسكندرية.
وعليه:
فلا يجوز لك – أخي السائل – العمل على نشر الكتاب الوارد ذِكره في السؤال لما في نشره من إقرار عقيدة الكفر، والمساهمة في نشرها، وإن فعلتَ – ولا نظنك تفعله – فإنك تعين على انتشار أعظم الإثم وهو ، وقد نهيت عما هو أقل من ذلك، قال تعالى: ( وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) المائدة/ 2.
واعلم أن ما ذكرناه من الحكم هو فيما إذا كنت تترجم ما سيطبع، ويوزع على الناس، وأما إن كانت ترجمتك لذلك الكتاب – بل ولأشد منه كفرًا – لباحث مسلم، أو مركز دراسات، ليطلع هؤلاء على كتب أولئك الكفار ليردوا عليهم، ويبينوا ضلالهم : فإنه لا حرج في ترجمة تلك الكتب، على أن يكون أولئك محل ثقة، وتطمئن أنهم لا يطبعون ما تترجمه لهم.
ويمكنك أن تساهم في نشر الإسلام بترجمة الكتب الإسلامية النقية، لنشرها في الآفاق، كما يمكنك ترجمة الكتب التي تحتوي على فوائد علمية، أو طبية، من اللغات الأخرى إلى العربية.
والله أعلم.


