القيود الشرعية المتعددة للحدِّ من إيقاع الطلاق وبيان سبب كثرة الطلاق
السؤال
الحمد لله أنا مسلم، ومؤمن أن لله حكمته وإن أشكلت علينا فهو جلَّ وعلا أعلم بما ينفعنا منَّا، أعلم أن الحكمة من تشديد إجراءات عقد النكاح هي البعد عن المفاسد حتى لا تكون من تزني وتقول إني متزوجة، ولكن لماذا التسهيل في الطلاق ، فبكلمة واحدة ينتهي الزواج، وبلا شهود، وإعلام للناس، وأيضا الطلاق محدود بثلاث طلقات، أليس في ذلك تسهيل لتهدم الأسرة؟ كما أنه بعدم وجود شهود على الطلاق أليس في ذلك مفاسد حيث يمكن لمَن طلقها زوجها ولم يشهد أحدًا أن تطالب بالميراث، أو أن تحمل مِن زنى وتنسبه لمن طلقها؟.
الجواب
الحمد لله
ظن الأخ السائل أن الشريعة الإسلامية جاءت بالتسهيل في الطلاق: ظن خطأ، وليس هذا الذي ظنه موجودًا في الشريعة المطهرة، بل إن شرع الله تعالى فيه من التشديد في الطلاق ما لو التزم به المسلمون لرأيت – من غير مبالغة – نسب الطلاق تقل إلى العشر! ولكنَّ الناس قد تجرأوا على شرع الله تعالى، وخالفوا أحكام الله تعالى في ” الطلاق ” فأوقعت الشريعة طلاقهم، ولم يستفيدوا من التشديدات التي شرعها الله تعالى لتخفيف وقوع الطلاق، ومن هذه الأحكام التي شرعها الله للتخفيف من وقوع الطلاق:
- أن الأصل في الطلاق الكراهة:
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
الأصل في الطلاق: الحظر، وإنما أبيح منه قدر الحاجة، كما ثبت في الصحيح عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ” أن إبليس ينصب عرشه على البحر ويبعث سراياه فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة فيأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فعل كذا، حتى يأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه، ويقول: أنت، أنت ويلتزمه “، وقد قال تعالى في ذم السحر: ويتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه. ” مجموع الفتاوى ” ( 33 / 81 ).
* وقال:
ولولا أن الحاجة داعية إلى الطلاق: لكان الدليل يقتضي تحريمه، كما دلَّت عليه الآثار والأصول، ولكن الله تعالى أباحه رحمة منه بعبادة لحاجتهم إليه أحيانًا.
” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 89 ).
- أن الله تعالى جعل الطلاق بيد الزوج، لا الزوجة.
ومن المعلوم أن ذلك الحكم في غاية الحكمة، ولو أن الطلاق جُعل بيد المرأة لرأيت حالات الطلاق أضعافًا مضاعفة عما هي عليه الآن؛ لما في المرأة من سهولة الانفعال، وشدة التسرع في اتخاذ قراراتها، وليس عليها تبعات في هذا القرار.
* قال ابن الهمام الحنفي- رحمه الله -:
ومنها جعله بيد الرجال دون النساء لاختصاصهن بنقصان العقل وغلبة الهوى، وعن ذلك ساء اختيارهن وسرع اغترارهن، ونقصان الدين، وعنه كان أكثر شغلهن بالدنيا وترتيب المكايد وإفشاء سر الأزواج وغير ذلك.
– انظر ” شرح فتح القدير ” ( 3 / 465 ) للشيخ كمال الدين السيواسي.
- أنه لا يجوز الطلاق في الحيض، ولا في طهر جامع الزوج فيه زوجته.
وقد اختلف الفقهاء في هذا طلاق هل يقع أو لا؟ فذهب جمهورهم إلى وقوعه، وذهب جماعة منهم إلى عدم وقوعه، وعليه الفتوى عند كثير من فقهاء العصر، وهو المفتى به في موقعنا.
ولو أنك أحصيت الطلاق الذي يقع في عالم الزوجية لرأيت أكثره يقع في طهر جامع الزوج زوجته فيه، أو وهي حائض، ولو أنه التزم أمر الله تعالى في عدم إيقاعه حتى تطهر زوجته من حيضتها، أو حتى تحيض ثم تطهر إن كان قد جامعها في طهر: لما رأيت الطلاق يقع في غالب القضايا؛ لما في تأخير إيقاع الطلاق من برود الفتنة، ووقوع الصلح، والتأمل في عواقب الطلاق، ولكن الناس لا يلتزمون بذلك الحكم إلا من رحم الله.
- عدم إخراج المرأة من بيتها عند وقوع الطلاق، وعدم جواز خروجها، وفي ذلك يقول الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ) الطلاق/ 1.
ومن شأن الالتزام بحكم الله تعالى في ذلك – غالبًا -: أن تكون هذه هي الطلقة الأخيرة للزوج، ولا يوقع بعدها غيرها؛ لما في بقائها من الشوق للحياة الزوجية السابقة، ومن عدم تدخل أهل الإفساد بينهما، بخلاف ما لو خرجت من بيتها، أو أخرجها زوجها: فإن ذلك يولِّد العداوة والبغضاء، ويسمح بكثرة الإفساد بينها وبين زوجها، ولذلك حكم الله تعالى على مخالف ذلك الحكم الجليل بقوله ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) وبيَّن في الآية نفسها الحكمة من ذلك الحكم بقوله ( لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ).
فكم هم الملتزمون بهذا الحكم الرباني الصريح في كتاب الله تعالى في عالَم الأزواج؟ وهل الحكم الشرعي هو الذي يتسبب في الفراق الأبدي بين الزوجين أم مخالفته؟!.
- تشريع العدد للطلقات.
وقد شرع الله تعالى عددًا من الطلقات تحرم بانتهائه الزوجة على زوجها، وفي ذلك من الحكمة الجليلة ما يُعطي الزوجين الفرصة لعدم تكرار الطلاق، فلم يشرع الرب تبارك وتعالى فرقة الزوجين بعد وقوع الطلقة الأولى منه، بل أعطاه فرصة أخرى ليوقع بعدها طلقة أخرى، ثم فرصة ثالثة أخيرة، ومن لا يصلح حاله مع زوجته في تلك الفرَص الشرعية فلن يصلح حالها بعدها – غالبًا -، لذا كان لا بدَّ من تشريع عدد من الطلقات تقف عنده الحياة الزوجية عن الاستمرار، مراعاة لكرامة المرأة، وكفًّا للزوج عن العبث بأحكام الله تعالى في الحياة الزوجية التي أمره الله تعالى بصونها، وكان عدد الطلقات الثلاث مناسبًا، فشرعه الله تعالى العالِم بما خلق وشرع.
* قال الشيخ الطاهور بن عاشور – رحمه الله -:
الله تعالى قصد من تعدد الطلاق: التوسعة على الناس؛ لأن المُعاشِر لا يدري تأثير مفارقة عشيره إياه، فإذا طلق الزوج امرأته يظهر له الندم وعدم الصبر على مفارقتها، فيختار الرجوع، فلو جعل الطلقة الواحدة مانعة بمجرد اللفظ من الرجعة: تعطل المقصد الشرعي من إثبات حق الرجعة.
” التحرير والتنوير ” ( 2 / 418 ).
* وقال – رحمه الله -:
وحكمة هذا التشريع العظيم: ردع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق أزواجهم، وجعلهن لُعباً في بيوتهم، فجعل للزوج الطلقة الأولى هفوة، والثانية تجربة، والثالثة فراقًا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث موسى والخضر: ( فَكَانَتْ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا وَالثَّانِيَة شَرْطًا والثَّالثَةُ عَمْدًا، فَلذلك قال له الخضر في الثالث: ( هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنك ) الكهف/ 78 – رواه أحمد ( 35 / 56 ) وصححه المحققون -. ” التحرير والتنوير ” ( 2 / 415 ).
- تشريع الرجعة.
وقد شرع الله تعالى ” الرجعة “، فشرع للزوجة عدةً بعد الطلقة الأولى والثانية، يملك فيه الزوج إرجاعها لعصمته، وقد تطول هذه العدة فتصل إلى تسعة شهور – كما في عدة الحامل – وقد تقصر إلى ثلاث حيضات – كما في ذوات الحيض-، أو ثلاثة شهور – كما في الصغيرة والآيس من المحيض -.
وفي ذلك التشريع من الحكم الجليلة ما يجعل الزوج يقارن بين حياته مع زوجته وأولاده، وبين أن يعيش مفارقًا لهم؛ مما يجعل الفرصة أمامه كبيرة لإعادة النظر في الاستمرار في الطلاق، فيرجعها إلى عصمته.
* قال ابن الهمام الحنفي – رحمه الله – في بيان حكمة الشرع في عدد الطلقات، وفي الرجعة -:
ومنها: شرعه ثلاثًا؛ لأن النفس كذوبة ربما يظهر عدم الحاجة إليها أو الحاجة إلى تركها وتسوله، فإذا وقع حصل الندم وضاق الصدر به وعيل الصبر، فشرعه سبحانه وتعالى ثلاثًا ليجرب نفسه في المرة الأولى، فإن كان الواقع صدقها استمر حتى تنقضي العدة وإلا أمكنه التدارك بالرجعة، ثم إذا عادت النفس إلى مثل الأول وغلبته حتى عاد إلى طلاقها نظر أيضا فيما يحدث له فما يوقع الثالثة إلا وقد جرب وفقه في حال نفسه، وبعدد الثلاث تبلى الأعذار.
انظر ” شرح فتح القدير ” ( 3 / 465، 466 ) للشيخ كمال الدين السيواسي.
- تشريع الوعظ للزوجة، ثم هجرها في المضجع، ثم ضربها، كما في قوله تعالى (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيراً ) النساء/ 34.
والملاحظ في عالَم الأزواج – إلا ما ندر – أن يسارع الزوج إلى الطلاق، ولا يلتزم بما شرعه له ربه تعالى مما ذكره في الآية، ولذلك كثرت حالات الطلاق بسبب الناس، لا بسبب الأحكام الشرعية.
- تشريع التحكيم بين الزوجين عند حدوث ما يعجز الزوجان عن حلِّه من مشكلات بينهما، وفي ذلك يقول تعالى ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ) النساء/ 35.
وليس هذا التحكيم بعد وقوع الطلاق، بل هو عند الخوف من أن يقع الفراق بينهما بالطلاق، أو الخلع.
* سئل الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله -:
الإسلام لم يضع الطلاق إلا كحل أخير للفصل بين الزوجين، ووضع حلولًا أوليَّة قبل اللجوء إلى الطلاق، فلو تحدثنا يا سماحة الشيخ عن هذه الحلول التي وضعها الإسلام لفض النزاع بين الزوجين قبل اللجوء إلى الطلاق؟.
فأجاب:
قد شرع الله الإصلاح بين الزوجين واتخاذ الوسائل التي تجمع الشمل وتبعد شبح الطلاق، ومن ذلك: الوعظ، والهجر، والضرب اليسير إذا لم ينفع الوعظ والهجر، كما في قوله سبحانه: ( وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ) النساء/ 34، ومن ذلك: بعث الحكمين من أهل الزوج وأهل الزوجة عند وجود الشقاق بينهما للإصلاح بين الزوجين، كما في قوله سبحانه: ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ) النساء/ 35.
فإن لم تنفع هذه الوسائل ولم يتيسر الصلح واستمر الشقاق: شرع للزوج الطلاق إذا كان السبب منه، وشرع للزوجة المفاداة بالمال إذا لم يطلقها بدون ذلك إذا كان الخطأ منها أو البغضاء لقول الله سبحانه: ( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) البقرة/ 229؛ ولأن الفراق بإحسان خير من الشقاق والخلاف، وعدم حصول مقاصد النكاح التي شرع من أجلها، ولهذا قال الله سبحانه: ( وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ) النساء/ 130، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ” أنه أمر ثابت بن قيس الأنصاري رضي الله عنهما لما لم تستطع زوجته البقاء معه لعدم محبتها له وسمحت بأن تدفع إليه الحديثة التي أمهرها إياها أن يقبل الحديقة ويطلقها تطليقة ففعل ذلك ” رواه البخاري في الصحيح. ”
فتاوى علماء البلد الحرام ” ( ص 494، 495).
وقد اشترط بعض العلماء وجود الشاهدين عند إيقاع الطلاق، لكننا نرى هذا القول مرجوحًا، وإنما أوجب الإشهاد على الرجعة؛ لأن الطلاق عادة يكون بين المرأة وزوجها، وأما الرجعة فيشترط لها الإشهاد لئلا يقع نسيان أو نكران لوقوع الطلقة.
ويكفي ما سبق من الضوابط والتشديدات والقيود الشرعية للحد من إيقاع الطلاق، وفسخ العلاقة الزوجية، وبه يتبين خطأ ظنكم في عدم وجود مثل هذه الأحكام في الشرع.
والله أعلم.


