معترضة على تخليد الكفار في جهنم وتزعم أن هذا ليس من الرحمة!
السؤال
إذا كان الله أكثر رحمة بالشخص مِن أمّه ومَن في الأرض جميعًا فلماذا يدخله النار؟ أنا أعلم أن ذلك من باب العقوبة، ولكن نعلم أن الأم ما كان لها أن تضع ابنها قرب النار أبدًا فكيف بحق الله؟ حيث يُوضع الشخص في النار خالدًا فيها، وأي نار؟! إنها نار جهنم، ولا تسأل عنها.
بالنسبة لي: فلا أرى في ذلك رحمة، حتى أسوء الناس لا أظن أنهم يستحقون النار؛ فإنهم لم يطلبوا أن يأتوا إلى هذه الدنيا، بل جاءوا رغمًا عنهم.
الجواب
الحمد لله
- جاء في بيانات السائل أنها أنثى وأنها مسلمة! وأنها تعيش في الغرب! ونأسف – إن كانت البيانات صحيحة – أن يصل الحال بمسلم إلى هذا الحد من الجهل والكفر؛ حيث تعتقد تلك السائلة أنه حتى المشرك بالله تعالى أو ساب الرب عز وجل – ولا أسوأ منهما – لا يستحقان النار! وتعتقد أن إدخال مثل هؤلاء النار – فضلًا عن الخلود فيها – ليس من الرحمة في شيء.
وأما إن كانت البيانات غير صحيحة: فليس يستبعد من الملحدين والزنادقة مثل هذا الاعتراض على الرب عز وجل والطعن في علمه وحكمته ورحمته.
- وليُنظر إلى التناقض الوارد في السؤال: فالسائلة تعتقد أن الله تعالى هو الخالق، وهو الذي خلق جهنَّم، وهو الذي يحاسب ويعذِّب، ومع ذلك كله لا تبحث عما يُرضي الله تعالى لتتجنب سخطه وعذابه، ولا تعمل للفوز بمرضاته، فأي شيء يفيدها أنها جاءت إلى الدنيا رغمًا عنها؟! وأي شيء تستفيد منه في حكمها على ما يفعله الله تعالى بالكفار أنه ليس من الرحمة؟! إنه لو كان عندها مسكة عقل لعلمت أن ما تقوله هو ضار بها، وأن واقعها الآن هو أنها على قيد الحياة، وأن مصيرها إلى حفرة مع اعتقادها وأعمالها، وأنها ستلقى ربها بما تعتقده وبما كانت قد عملته.
- وتلخيص جواب إشكالاتها – ومعه كثير من إشكالات مشابهة – هو بكلمة واحدة لا غير، وهي ” الحكمة “! فمن اعتقد أن الله تعالى خالقه العالِم بما خلق، والقادر على كل شيء، والمحيط بخلقه: أنه يتصف – سبحانه وتعالى – بالحكمة: زال عنه كل إشكال، بل لم يرد عليه إشكال أصلًا، فالله سبحانه وتعالى لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنى، وأفعاله تعالى صادرة عن حكمة بالغة، وقد أكثر الله تعالى في كتابه الكريم من ذِكر ذلك في صور متعددة، منها:
أ. التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منه، كقوله تعالى ( حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ) القمر/ 5.
ب. إخباره أنه فعل كذا لكذا، وأنه أمر بكذا لكذا، كقوله تعالى ( ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) المائدة/ 97.
ج. الإتيان بـ ” كي ” الصريحة في التعليل، كقوله تعالى ( فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) القصص/ 13.
د. ذكر ما هو من صرائح التعليل وهو ” من أجل “، كقوله تعالى ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ) المائدة/ 32.
هـ. إنكاره سبحانه وتعالى على من زعم أنه لم يخلق الخلقَ لغاية ولا لحكمة، كقوله تعالى ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ ) المؤمنون/ 115، وقوله (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ) القيامة/ 36، وقوله ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ. مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) الدخان/ 38، 39، والحق هو الحِكَم والغايات المحمودة التي لأجلها خلق ذلك كله.
وغير ذلك كثير من الصور المتعددة والمتنوعة.
- وكل من زعم مثل زعم من قال بمثل ما جاء في السؤال فقد أساء الظن بربه تعالى غاية الإساءة، وليعلم أن له سلف فيما يقول، لكنه سلف سوء من نفاة ” الحكمة ” عن الله تعالى، ومن الملاحدة.
قال ابن القيم – رحمه الله -:
وسبحان الله! كيف يستجيز أحدٌ أن يظن برب العالمين، وأحكم الحاكمين: أنه يعذِّب كثيرًا من خلقه أشد العذاب الأبدي لغير غاية، ولا حكمة، ولا سبب، وإنما هو محض مشيئة مجردة عن الحكمة والسبب، فلا سبب هناك، ولا حكمة، ولا غاية، وهل هذا إلا من سوء الظن بالرب تعالى!.
” شفاء العليل ” ( ص 205 ).
- ويقال لمن اعترض على خلق الله تعالى للنار، وعلى خلق إبليس، وعلى خلْق من علم أن يكفر به تعالى ويخلَّد في نار جهنَّم: يقال لهم:
أ. ” العقلاء قاطبة متفقون على أن الفاعل إذا فعل أفعالًا ظهرت فيها حكمته، ووقعت على أتم الوجوه، وأوفقها للمصالح المقصودة بها، ثم إذا رأوا أفعاله قد تكررت كذلك، ثم جاءهم من أفعاله ما لا يعلمون وجه حكمته فيه: لم يسعهم غير التسليم؛ لما عرفوا مِن حكمته، واستقر في عقولهم منها، وردُّوا منها ما جهلوه إلى محكَم ما علموه.
هكذا نجد أرباب كل صناعة مع أستاذهم، حتى إن النفاة يسلكون هذا المسلك بعينه مع أئمتهم وشيوخهم! فإذا جاءهم إشكال على قواعد أئمتهم ومذاهبهم قالوا: هم أعلم منَّا، وهم فوقنا في كل علم ومعرفة وحكمة، ونحن معهم كالصبي مع معلمه وأستاذه! فهلا سلكوا هذا السبيل مع ربهم وخالقهم الذي بهرت حكمته العقول؟! “.
ب. ويقال لهم: إن الرب سبحانه وتعالى من أسمائه أسماء مزدوجة كالقابض الباسط، ومن صفاته تعالى صفات متقابلة كالحب والبغض، والرضا والسخط، وهذه صفات كمال للرب تبارك وتعالى لم يتعطل مقتضاها وموجبها، وقد تعلقت بمحالها التي تليق بها، ومن فهم باب الأسماء والصفات لله تعالى كان هذا كافٍ له لإزاحة الإشكال إن كان طرأ عليه.
والله سبحانه يحب ظهور أسمائه وصفاته في الخليقة، وفوات ظهورها منافٍ لكمال تلك الأسماء والصفات واقتضائها لآثارها.
والسائلة تريد تعطيل صفة السخط، والغضب، والانتقام، وتريد أن لا يظهر من صفاته إلا ” الرحمة ” بمفهومها هي ولو كانت لغير مستحقها، وفي غير مكانها! فالله تعالى قال: ( ورحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) الأعراف/ 156، والسائلة تريد هذه الصفة تشمل الذين يفسقون، ولا يؤتون الزكاة، والذين هم بربهم كافرون!! ولا شك أن هذا من أعظم الجهل والضلال، ويكفي لنقضه تصوره وذِكره.
ج. وأي حكمة في جعل الناس كلهم مؤمنين، ومرحومين، وفي الجنة؟! وإنما تتبين الأشياء وتُعرف قيمتها بوجود أضدادها، ” فلولا خلق القبيح لما عرفت فضيلة الجمال والحُسن، ولولا خلق الظلام لما عرفت فضيلة النور، ولولا خلق أنواع البلاء لما عرف قدر العافية، ولولا الجحيم لما عُرف قدر الجنة، ولو جعل الله سبحانه النهار سرمدًا لما عُرف قدره، ولو جعل الليل سرمدًا لما عُرف قدره، وأعرف الناس بقدر النعمة من ذاق البلاء، وأعرفهم بقدر الفقر من قاسى مرائر الفقر والحاجة، ولو كان الناس كلهم على صورة واحدة من الجمال لما عرف قدر الجمال، وكذلك لو كانوا كلهم مؤمنين لما عُرف قدر الإيمان به، فتبارك مَن له في خلقه وأمره الحِكَم البوالغ، والنِّعَم السوابغ “.
ما سبق مستفاد – ملخصًا مهذَّبا – من كتاب ” شفاء العليل ” لابن القيم رحمه الله ( ص 190 – 252 )، وما بين علامتي التنصيص فمن نص قوله رحمه الله.
- ونختم بالقول: بأن مفهوم ” الرحمة ” الذي تريده السائلة لو كان محقّقًّا في الأرض: لانتشر بسببه – مع الكفر – الفسق والفجور، ولو لم تكن العقوبات الدنيوية والأخروية في تشريع الله تعالى لحصل الفساد في الأرض، ودعنا هنا نرد على السائلة بعينها في قولها المنكر ” حتى أسوء الناس لا أظن أنهم يستحقون النار “، وإننا نسألها بالله تعالى أن تجيب صادقة: لو كان لأسرة ابنة في الخامسة من عمرها واجتمع عليها أربعة من الرجال فاغتصبوها ونزفت حتى ماتت! وقد صوروا فعلتهم تلك ونشروها مستمتعين، لا يبالون ببكائها، ولا بضعفها، ثم جيء بأولئك الذئاب البشرية لتلك الأسرة وقيل لهم: احكموا عليهم بما شئتم، ونفذوا فيهم ما تطيب به خواطركم من أحكام! فهل تعتقدين أنهم سيكونون بعقليتك النظرية ويرون أنهم ولو كانوا سيئين وفعلوا ما فعلوا فإنهم لا يستحقون عقابًا في الدنيا ولا عذاباً في الآخرة؟! والجواب يعلمه كل عاقل، ولذا فإن فهمك لمعنى ” الرحمة ” يعني انتشار الكفر والفسوق والفجور، إلا أن يهون عندك الكفر فتجوزين وقوعه من أي أحد كان، وأما المعاصي والموبقات فإنك تعاقبين فاعلها أشد العقوبات، وحينها يكون التناقض.
قال ابن الجوزي – رحمه الله – وفي كلامه ردٌّ على عين مسألتك -:
ومنهم – أي: العوام – من يقول الرب كريم والعفو واسع والرجاء من الدِّين، فيسمُّون تمنِّيهم واغترارهم ” رجاء “! وهذا الذي أهلك عامة المذنبين!.
قال أبو عمرو بن العلاء: بلغني أن ” الفرزدق ” جلس إلى قوم يتذكرون رحمة الله، فكان أوسعَهم في الرجاء صدرًا، فقال له: لم تقذف المحصنات؟ فقال: أخبروني لو أذنبتُ إلى والديَّ ما أذنبته إلى ربي عز وجل أتراهما كانا يطيبان نفسًا أن يقذفاني في تنور مملوء جمْرًا؟ قالوا: لا، إنما كانا يرحمانك، قال: فإني أوثق برحمة ربي منهما.
قلت: وهذا هو الجهل المحض؛ لأن رحمة الله عز وجل ليست برقة طبع، ولو كانت كذلك لما ذُبح عصفورٌ، ولا أُميت طفل، ولا أُدخل أحدٌ إلى جهنم.
وبإسناد عن عباد قال الأصمعي: كنت مع ” أبي نُوَاس ” بمكة، فإذا أنا بغلام أمرد يستلم الحجر الأسود، فقال لي أبو نواس: والله لا أبرح حتى أقبِّله عند الحجر الأسود! فقلت: ويلك، اتق الله عز وجل فإنك ببلد حرام، وعند بيته الحرام، فقال: ما منه بدٌّ، ثم دنا من الحجر فجاء الغلام يستلمه فبادر أبو نواس فوضع خدَّه على خدِّ الغلام فقبَّله وأنا أنظر، فقلت: ويلك أفي حرم الله عز وجل؟! فقال: دع ذا عنك فإن ربي رحيم، ثم أنشد يقول:
وعاشقان التف خداهما … عند استلام الحجر الأسود
فاشتفيا من غير أن يأثما … كأنما كانا على موعد
قلت: انظروا إلى هذه الجرأة التي نظر فيها إلى الرحمة ونسي شدة العقاب بانتهاك تلك الحرمة، وقد ذكرنا في أول الكتاب هذا أن رجلًا زنى بامرأة في الكعبة فمسخا حجرين.
ولقد دخلوا على أبي نواس في مرض موته فقالوا له: تب إلى الله عز وجل، فقال: إياي تخوِّفون؟! حدثني حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لكل نبي شفاعة وإني أختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) أفترى لا أكون أنا منهم.
قال المصنف رحمه الله:
وخطأ هذا الرجل من وجهين:
أحدهما: أنه نظر إلى جانب الرحمة الله، ولم ينظر إلى جانب العقاب.
والثاني: أنه نسي أن الرحمة إنما تكون لتائب، كما قال عز وجل: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ )، وقال: ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ).
وهذا التلبيس هو الذي هلك عامَّة العوام، وقد كشفناه في ذكر أهل الإباحة.
” تلبيس إبليس ” ( 1 / 345 ، 346 ).
والله أعلم.


