زنت في أوائل شبابها مرات عديدة وأصيبت بأمراض ثم تابت فكيف تصنع مع الزواج؟
السؤال
على الرغم من أني نشأت وترعرعت كمسلمة إلا أني كنت بعيدة كل البعد عن الإسلام، فقد كنت أمارس البغاء بشكل مستمر، وقد عاشرت العديد من الرجال، حتى إن ذلك تسبب لي ببعض الأمراض التناسلية، تبت منذ عام ولله الحمد، وأسعى لأن أجد شخصًا أتزوج به، لكن هناك مشكلتان رئيسيتان تعترضاني: الأولى هي: أني – كما أسلفت – عانيت من بعض الأمراض التناسلية المعدية، والتي قد تنتقل إلى الطرف الآخر إذا تزوجت، على الرغم من أن الأطباء طمئنوني وقالوا لي: إن هذا المرض ليس بالخطير جدًّا وإنه قد يزول تلقائيًّا إلا أن إمكانية انتقاله إلى الطرف الآخر حتمية، لذلك أنا في موقف مضطرب، هل أخبر زوج المستقبل أم لا؟! أعلم كذلك أن الستر أولى، وقد قرأت في ذلك العديد من المقالات، لكن ما العمل في مثل هذه الحالة؟ أأخبره بذلك وأفضح نفسي وأسرتي وأجلب لنفسي المتاعب؟! أم أسكت وينتقل المرض إليه وتُثار التساؤلات والشكوك من قبله بعد الزواج؟!.
المشكلة الثانية هي: أنني أخاف من كل عَرض زواج يأتيني، رغم أن أسرتي تسعى جاهدة في إيجاد زوج لي إلا أني أرفضه للأسباب الآنفة الذكر، وخشية أن أفتح على نفسي وأسرتي بابًا من المشاكل نحن في غنًى عن فتحه، في الوقت ذاته أعيش في قلق نفسي خشية أن يمضي الوقت ولم أتزوج فأعود إلى ما كنت عليه من الرذيلة، وكما تعلمون أن ليس من السهل أن تجد الفتاة زوجًا أو أن تجهر بأنها تريد الزواج علانية، فلا أدري كيف أجد الزوج المناسب؟ وإذا وجدته كيف سأطرح له قضيتي، وهل سيتفهمها أم لا؟ أرجو المساعدة.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
لقد ساءنا ما كنتِ عليه أيام حياتك الأولى من الوقوع في فاحشة الزنا عدة مرات، ومن غفلتك عن دينك، والالتزام بواجباته، وترك منهياته، ثم فرحنا بما أنعم الله تعالى عليكِ من التوبة والرجوع إليه تعالى، فعسى الله أن يثبتك على دينه، وأن يربط على قلبك، ويزيدك هدى وسدادًا، ولا تنسي أن التوفيق للتوبة نعمة عظيمة جليلة، وكم من المسلمين خُتم له بشر وسوء ولم يوفق لتوبة يلقى بها ربَّه، فاشكري ربَّك على هذه الهداية بالاعتراف له بالجميل بقلبك، وبذكر ذلك بلسانك، وبظهور ذلك على جوارحك، فامتنعي عن السماع المحرَّم للأغاني وغيرها من المحرمات، وابتعدي عن مشاهدة المحرَّمات كالنظر إلى الرجال الأجانب في الحقيقة أو على الفضائيات، واقطعي صلتك بكل من كان يؤزك على فعل المحرمات السابقة، فبهذا تشكرين ربَّك تعالى قلبًا، ولسانًا، وعملًا.
ثانيًا:
وما أصابك من أمراض نتيجة فعل الفاحشة هو من عقاب الله تعالى لكِ، ولا شك أن تحريم الله تعالى للزنا له حكَم جليلة، ومنها أن يقي المسلم بدنه من الأمراض، والتي قد يؤدي كثير منها للهلاك.
فالإصابة بالأمراض لصاحب المعصية عقاب على ما فعل، فإن تاب من معصيته واستمر به المرض فيكون ابتلاء له ، فاصبري على ما ابتلاك الله تعالى به.
ثالثًا:
وقد جاءت أحكام الشريعة الإسلامية المطهرة بما فيه صلاح الفرد والمجتمع، وفي مسألتك هذه كان حُكم الله تعالى أن تستري على نفسك ولا تفضحيها، لا لخاطب، ولا لأهل، ولا لصديقة، بل استري ما ستره الله، وهي وصية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ووصية أصحابه رضي الله عنهم، ووصية علماء هذه الأمة قديماً وحديثاً.
أ. عَنْ اِبْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( اِجْتَنِبُوا هَذِهِ اَلْقَاذُورَاتِ اَلَّتِي نَهَى اَللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فَمَنْ أَلَمَّ بِهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اَللَّهِ تَعَالَى وَلِيَتُبْ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ مَنْ يَبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اَللَّهِ ). رواه الحاكم ( 4 / 244 ) والبيهقي ( 8 / 330 )، وصححه الألباني في ” صحيح الجامع ” ( 149 ).
* قال عبد الرؤف المناوي – رحمه الله -:
( اجتنبوا هذه القاذورات) جمع قاذورة، وهي كل قول أو فعل يُستفحش أو يُستقبح، لكن المراد هنا الفاحشة يعني: الزنا؛ لأنه لما رجم ماعزًا ذكره.
سمِّيت قاذورة لأن حقها أن تُتقذر فوصفت بما يوصف به صاحبها، أفاده الزمخشري. ” فيض القدير ” ( 1 / 201 ).
ب. عن عامر قال: أتى رجل عمر فقال: إن ابنةً لي كانت وُئِدت في الجاهلية، فاستخرجتها قبل أن تموت، فأدركت الإسلام، فلما أسلمت أصابت حدًّا من حدود الله، فعمدتْ إلى الشفرة لتذبح بها نفسها، فأدركتُها وقد قطعت بعض أوداجها، فداويتها حتى برئت، ثم إنها أقبلت بتوبة حسنة، فهي تُخطب إلَيّ يا أمير المؤمنين، فأخبر من شأنها بالذي كان؟ فقال عمر: أتخبر بشأنها؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه! والله لئن أخبرت بشأنها أحدًا من الناس لأجعلنك نَكالا لأهل الأمصار، بل أنكحها بنكاحِ العفيفة المسلمة. انظر: ” تفسير الطبري ” ( 9 / 583، 584 ).
ج. * قال الصنعاني – رحمه الله -:
وفي الحديث دليل على أنه يجب على من ألمَّ بمعصية أن يستتر ولا يفضح نفسه بالإقرار، ويبادر إلى التوبة، فإن أبدى صفحته للإمام والمراد بها هنا حقيقة أمره: وجب على الإمام إقامة الحد. ” سبل السلام ” ( 4 / 15 ).
فيتبين مما سبق بيانه: أنه لا يجوز لك الاعتراف لمن يأتيك خاطبًا بما وقع منك من الفاحشة، وأنه عليك أن تستتري بستر الله عليك.
وأما بخصوص ” فقدان غشاء البكارة “: فيمكنكِ استعمال التورية في كلامكِ، والمعروف أن غشاء البكارة يُفقد من غير جماع في بعض الأحيان، فيمكن استثمار ذلك في التورية.
رابعًا:
وأما بخصوص ما أصابك من أمراض تناسلية معدية: فهي نوعان:
الأول: أمراض معدية غير مهلكة، ولا مسببة لتلف شيء من البدن.
الثاني: أمراض معدية مهلكة، مثل ” الإيدز “.
ولا يجوز للمخطوبة كتمان كلا النوعين على الخاطب ولا أقل من هذا العيب؛ لأنه خلاف النصح ، وهو داخل في الغش.
* قال ابن القيم – رحمه الله -:
عن ابن سيرين: خاصم رجلٌ إلى شُرَيْح، فقال: إن هؤلاء قالوا لي: ” إنا نُزوِّجُك بأحْسَنِ الناسِ “، فجاؤوني بامرأة عمشاءَ، فقال شُريح: ” إن كان دلِّس لك بعيب لم يَجُز “.
فتأمل هذا القضاء، وقوله: ” إن كان دلِّس لك بعيب ” كيف يقتضى أن كل عيب دلست به المرأةُ: فللزوج الردُّ به.
” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 5 / 184 ).
* وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
هل يجوز للخاطب عندما يخطب لابنه أو أحد أقربائه زوجة أن يخفي ما في ابنه أو غيره من عيوب، كأن يكون أعرج أو أعمى؟.
فأجاب:
ليس له أن يخفي العيوب، وليس لأهل المرأة أن يخفوا عيوبها، فالواجب: البيان؛ لأن المسلم أخو المسلم، والرسول يقول: ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) – رواه مسلم – ، ويقول جرير رضي الله عنه: ” بايعتُ النبي على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم ” – متفق عليه -، فليس له أن يخفي عيوبه، وليس لها أن تخفي عيوبها، وليس لأهل المرأة أن يخفوا عيوبها، بل عليهم أن يوضحوا إلى الرجل ما هي عليه، صحيحة أو مريضة، عوراء أو عمياء، عرجاء أو غير ذلك ، حتى يُقدِم على بصيرة.
” فتاوى نور على الدرب ” ابن باز ( شريط رقم 372 ).
وننبه إلى أمر مهم وهو أن النوع الأول من الأمراض لو أظهرته المخطوبة للخاطب ورضي به: فإنه لا مانع من النكاح أن يُعقد.
وأما النوع الآخر – ومنه مرض ” الإيدز ” – فقد وقع خلاف بين العلماء المعاصرين فيما لو كان أحد طرفي النكاح مصابًا به ورضي بذلك الآخر، فمنعه طائفة منهم، وأجازه آخرون، والذي أجاز منهم من اشترط عدم الإنجاب، ومنهم من أجازه حتى مع الإنجاب؛ لعدم القطع بإصابة الذرية به.
وقد تبنى القول الأول: الدكتور الشيخ إبراهيم الخضيري – قاضي التمييز في محكمة الرياض – كما في ” جريدة الرياض ” عدد ( 15019 ) تاريخ 16 شعبان 1430 هـ -، والدكتور راشد بن مفرح بن راشد الشهري، كما في رسالته للدكتوراة بعنوان ” أثر مرض الإيدز في الأحكام الفقهية “، ومما خلص إليه فيها من نتائج قوله:
إذا كان الخاطب مصابًا ووافقت عليه المخطوبة ووليها: فإن هذا يتنازعه أصول، أرجحها: المنع من ذلك؛ نظرًا لخطورة المرض، ودرءًا للمفاسد المترتبة؛ ولأن الشارع قد حظر القدوم على المناطق الموبوءة فكيف بالنكاح من الموبوء بمثل الإيدز.
إذا كانت المخطوبة هي المصابة: فلا بد من إخبار الخاطب بذلك.
متى قبل بها مصابة وأراد الإقدام على ذلك: فإنه يُمنع؛ لأن هذا سفه، والحجر على من هذا عقله أولى من الحجر على من سفه في ماله؛ لأن الصحة أهم من المال بل لا مقارنة في ذلك. انتهى.
* والذي نراه في هذا:
أ. أنه لا يجوز تزوج المرأة المصابة بهذا المرض برجل سليم، ولا العكس، إن كان سيحصل بينهما جماع وإنجاب، وقد صدر قرار من ” مجمع الفقه الإسلامي ” يبين أن المرض ينتقل بالجماع، وأنه ينتقل إلى الذرية ، فقد جاء فيه قولهم:
” تكون العدوى بصورة رئيسية بإحدى الطرق الآتية:
- الاتصال الجنسي بأي شكل كان.
- نقل الدم الملوث أو مشتقاته.
- استعمال الإبر الملوثة، ولا سيما بين متعاطي المخدرات، وكذلك أمواس الحلاقة.
- الانتقال من الأم المصابة إلى طفلها في أثناء الحمل والولادة “. انتهى.
ب. إن تزوج مصاب بآخر ولن يكون في واقعهم جماع: فيظهر أنه يجوز النكاح، ومن المعلوم أنه ليس كل زواج يكون فيه جماع، فحاجة الرجل للمرأة – والعكس – ليست فقط حاجة جنسية، فهناك الرعاية والحماية والنفقة والأنس والإعانة على الطاعة، بل قد يكون محبة أحد الطرفين أن يرثه الآخر من دواعي هذا الزواج، ومثله: الزواج بالصغيرة التي لا تقوى على الجماع، فإنه نكاح شرعي صحيح وإن لم يكن بينهما جماع، وعليه: فلا مانع من أن يكون بينكما زواج واتفاق على عدم الجماع.
وقد قال جمهور العلماء بجواز تزوج المسلم في مرض موته إن كان عاقلًا رشيدًا، وأي حاجة للجماع في هذه الحال يتزوج من أجلها؟!.
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
نكاح المريض في مرض الموت صحيح وترث المرأة في قولي جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ولا تستحق إلا مهر المثل لا الزيادة عليه بالاتفاق.
” الفتاوى الكبرى ” ( 5 / 446 ).
وقد ثبت أن مجرد المعايشة والمخالطة لا تسبب انتقال المرض من المصاب إلى السليم.
وفي قرار المجمع السابق قالوا:
” المعلومات الطبية المتوافرة حاليًّا تؤكد أن العدوى بفيروس العوز المناعي البشري ” مرض نقص المناعة المكتسب ” ( الإيدز ) لا تحدث عن طريق المعايشة، أو الملامسة، أو التنفس، أو الحشرات، أو الاشتراك في الأكل أو الشرب، أو حمامات السباحة، أو المقاعد، أو أدوات الطعام، ونحو ذلك من أوجه المعايشة في الحياة اليومية العاديّة. انتهى.
ج. إن ثبت باليقين الطبي أن استعمال الواقي في جماع المريضة للسليم – والعكس – نافع، ولا ينتقل معه المرض إلى السليم: فيجوز الجماع، وإلا فلا يجوز.
د. لا مانع من تزوج المصابة بمرض ” الإيدز ” بمصاب مثلها، بشرط عدم الإنجاب؛ لما ذكرناه من أن انتقال المرض للذرية.
وبه أفتى الشيخ إبراهيم الخضيري حفظه الله، كما في جريدة ” الرياض “، وقد سبق ذكر تاريخها ورقم عددها.
خامسًا:
اعلمي أن الإخبار بالمرض للخاطب – في الحالين – لا يلزم منه الإخبار بسببه، وأنه قد حصل منك ارتكاب فاحشة؛ لما هو معلوم من أن المرض ينتقل لأهل العفاف والدين بأسباب أخرى غير فعل الفاحشة، ومن أشهرها ” نقل الدم “، فيمكن أن يقال هذا السبب للخاطب، ولو كان كذبًا؛ فإن الكذب ها هنا جائز، بل حتى لو بحلف يمين؛ لما حصل من التوبة الصادقة، ولما في إظهار الحقيقة من تشهير بالنفس، وفضيحة لها، وقد ذكرنا جواز هذا الكذب والحلف عليه في جواب سابق.
واعلمي أنه لا يكشف الضر عنكِ إلا رب العالمين، فاصدقي في توبتك، واستمري في علاج ما أصابك من أمراض، واصبري على ذلك ولو طال بك العمر، فإن الله جاعل لك تيسيرًا وتسهيلًا إن شاء سبحانه.
والله أعلم.


