كيف يُحصِّن المرء نفسه من الفتنة في الدين؟

السؤال

كيف يُحصِّن المرء نفسه من الفتنة في دينه؟ وإذا وقع فيها فماذا يتوجب عليه لدرء هذه الفتنة؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

إن صلاح دين المرء في الدنيا يعني سعادته وفوزه في الآخرة، ولقد أحسن السائل في اختيار موضوع السؤال لما له من أهمية عظمى، وإن رأس مال المسلم دينه، فمن فرَّط فيه وعرَّضه للفتن فقد خاب وخس، ومن حافظ عليه واعتنى بتقويته أفلح ونجح، ولذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: ( اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ ).

رواه مسلم ( 2720 ).

* قال المناوي – رحمه الله -:

( اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري ) أي: الذي هو حافظ لجميع أموري، فإن مَن فسد دينُه فسدت جميعُ أموره وخاب وخسر في الدنيا والآخرة.

” فيض القدير ” ( 2 / 173 ).

ثانيًا:

ويستطيع المسلم – بتوفيق الله له – أن يحصِّن دينَه من الفتن وذلك بسلوكه سبيل المؤمنين فيما أوصوا به من أمور، ومن ذلك:

  1. الابتعاد عن بيئة الفساد الديني والخلقي، فيبتعد عن السكنى في ديار الكفر، وينأى بنفسه عن مخالطة الفسَّاق، ومن ابتعد وسائل الفساد حفظَ دينه من الضياع بإذن الله، وتوشك بيئات الكفر ومخالطة أهلها أن تؤثر في الساكن بينهم من المسلمين، وقد رأينا وسمعنا ما يفطِّر القلب ممن انتكس على عقبيه، وباع دينه بمتاع من الدنيا زائل، وكان ذلك بسبب انبهاره ببيئة الكفر وأهلها، وموت قلبه في السكنى بينهم، أو بمخالطتهم.

ومما يشبه ما سبق: الابتعاد عن الدخول في معترك الخلافات بين المسلمين، وخاصة إذا أدَّى الاختلاف بينهم إلى التقاطع والتدابر والعراك.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومن استقرأ أحوال الفتن التي تجري بين المسلمين: تبيَّن له أنه ما دخل فيها أحدٌ فحمد عاقبة دخوله؛ لما يحصل له من الضرر في دينه ودنياه، ولهذا كانت مِن باب المنهي عنه، والإمساك عنها من المأمور به الذي قال الله فيه ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ).

” منهاج السنَّة النبوية ” ( 4 / 410 ).

  1. ومما يعين المسلم على تحصين دينه: تقوية إيمانه، بفعل الطاعات الواجبة، وترك المنكرات المحرَّمة، ومن أعظم الطاعات الواجبة: الصلاة، فيحافظ المسلم على إقامتها في أوقاتها، بشروطها، وأركانها، وخشوعها، قال تعالى: ( وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) العنكبوت/ من الآية 45.

وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام بعموم الطاعات للنجاة من فتن الدين، وحذَّر من فتن الدنيا كالمال والنساء والجاه أن تكون سببًا ليبيع دينه من أجلها، وأخبر أنه قد يكون المرء مسلماً في الليل فيرتد في النهار! أو يكون مسلمًا في النهار فيرتد في الليل.

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ). رواه مسلم ( 118 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

المهم: أن الرسول عليه الصلاة والسلام حذرنا من هذه الفتن التي كقطع الليل المظلم، يصبح الإنسان مؤمناً ويمسى كافرًا – والعياذ بالله – يومٌ واحدٌ يرتد عن الإسلام، يخرج من الدَّين، يصبح فيه مؤمنًا ويمسى كافرًا – نسأل الله العافية – لماذا؟ يبيع دينه بعرَض من الدنيا، ولا تظن أن العرَض من الدنيا هو المال! كل متاع الدنيا عرَض، سواء مال، أو جاه، أو رئاسة، أو نساء، أو غير ذلك، كل ما في الدنيا من متاع: فإنه عرَض، كما قال تعالى: ( تبتغون عرَض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة) فما في الدنيا كله عرَض.

فهؤلاء الذين يُصبحون مؤمنين ويمسون كفارًا، أو يمسون ويصبحون كفارًا: كلهم يبيعون دينهم بعرَض من الدنيا. نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الفتن، واستعيذوا دائما من الفتن. ” شرح رياض الصالحين ” ( 2 / 20 ).

  1. ومنه: الدعاء، وقد أرشدنا ربنا تعالى، وعلَّمَنا نبينا صلى الله عليه وسلم من جوامع دعائه ما ينفع من أراد حماية دينه من الفتن، ومنه: قوله تعالى ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيم ) في كل ركعة، ومنه: ( اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ … ) – رواه والترمذي ( 464 ) وحسَّنه، وأبو داود ( 1425 ) – وهو ما يقوله المسلم في قنوت الوتر، وغير ذلك كثير، مما فيه الاستعانة بالله تعالى أن يهدي الداعي للدين القويم، والصراط المستقيم، وأن يثبته عليهما، وأن يدلَّه على خير طريق وأقصره مما يوصله إلى رضوانه تعالى.
  2. البُعد عن الرفقة السيئة.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ ). رواه أبو داود ( 4833 ) والترمذي ( 2378 ) وحسَّنه.

* قال الخطابي – رحمه الله -: 

لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته؛ فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه، فلا تغرر بدينك ولا تخاطر بنفسك فتخالل من ليس مرضيًّا في دينه ومذهبه.

” العزلة ” ( ص 141 ).

  1. تعلم العلم الشرعي، والرجوع إلى أهل العلم الثقات.

فمِن أعظم ما يرد به المسلم الفتنة في دينه عنه هو بالعلم الشرعي، ولذا كان الجاهل عرضة للفتنة في دينه، فانظر من يطوف حول القبور، ومن يعتقد النفع والضر بالأموات، فإنك إن تأملت حالهم رأيتهم من الجهلاء، ومن كان منهم على علم فهو ممن باع دينه ليأكل به عرَضاً من الدنيا زائل.

ثالثًا:

ومن وقع في شيء من فتن الدِّين:

  1. فليبادر إلى الخروج منها، والانفكاك عنها بالكلية.
  2. وليغيِّر بيئته إلى بيئة طاهرة نظيفة.
  3. وليدعُ ربَّه تعالى – بصدق وإخلاص – أن يخلِّصه منها.
  4. وليعقب بعدها بأعمال صالحة.
  5. وإذا تعين عليه فعل شيء من المعصية ولم يتمكن إلا أن يفعل: فليدفع أعلى المفسدتين بارتكاب أخفهما.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة