كلمة حول ما يطلق عليه ” علم قراءة الوجه “
السؤال
هل قراءة الوجه حرام أو هل يعتبر على أية حال شرك؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
يمكن لبعض من آتاهم الله بصيرة التعرف على بعض حقائق الناس من خلال تعابير وجوههم، وإليه الإشارة في قوله تعالى ( لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ ) البقرة/ 273، وقوله ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) الفتح/ 29، أو من خلال كلامهم، وإليه الإشارة في قوله تعالى ( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) محمد/ 30.
* قال ابن القيم – رحمه الله – في تفسير هذه الآية -:
والمقصود: أنه سبحانه أقسم على معرفتهم من لحن خطابهم؛ فإن معرفة المتكلم وما في ضميره من كلامه: أقرب من معرفته بسيماه وما في وجهه؛ فإن دلالة الكلام على قصد قائله وضميره: أظهر من السيماء المرئية، والفراسة تتعلق بالنوعين: بالنظر، والسماع. ” مدارج السالكين ” ( 2 / 483 ).
* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
وكثير من الناس يعطيهم الله سبحانه وتعالى علمًا بالفراسة، يعلمون أحوال الإنسان بملامح وجهه، ونظراته، وكذلك بعض عباراته، كما قال الله عز وجل: (ولتعرفنهم في لحن القول ) محمد/ 30. ” تفسير سورة البقرة ” ( 3 / 368 ).
وقد سمَّى ابن القيم رحمه الله هذه الفراسة ” الفراسة الإيمانية “، وقال في بيان سببها، وحقيقتها، وأصلها:
” وسببها: نور يقذفه الله في قلب عبده، يفرق به بين الحق والباطل، والحالي والعاطل، والصادق والكاذب.
وحقيقتها: أنها خاطر يهجم على القلب، ينفي ما يضاده، يثب على القلب كوثوب الأسد على الفريسة، … وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانًا: فهو أحدُّ فراسة ….
وأصل هذا النوع من الفراسة: من الحياة والنور اللذين يهبهما الله تعالى لمن يشاء من عباده فيحيا القلب بذلك، ويستنير، فلا تكاد فراسته تخطئ، قال الله: ( أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ) الأنعام/ 122، كان ميْتا بالكفر والجهل فأحياه الله بالإيمان والعلم، وجعل له بالقرآن والإيمان نورًا يستضيء به في الناس على قصد السبيل، ويمشي به في الظلم، والله أعلم “. ” مدارج السالكين ” ( 2 / 483 – 486 ) باختصار.
ثانيًا:
وما ذكرناه سابقًا لا تعلق له بخِلقة الشخص من حيث عرض وجهه، أو طول ذقنه، فهل يمكن الاستدلال بالخِلقة على الخلُق؟ هذا ما يقصده مروجو علم ” قراءة الوجه “، وهذه القراءة للوجه داخلة في نوع من أنواع الفراسة يطلق عليه ” الفراسة الخَلقية “.
* قال ابن القيم – رحمه الله -:
الفراسة الثالثة: ” الفراسة الخَلْقية “، وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم، واستدلوا بالخَلْق على الخُلُق؛ لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله، كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل، وبكبره وبسعة الصدر وبعد ما بين جانبيه: على سعة خُلُق صاحبه واحتماله وبسطته، وبضيقه على ضيقه، وبخمود العين وكلال نظرها على بلادة صاحبها وضعف حرارة قلبه، وبشدة بياضها مع إشرابه بحمرة وهو الشكل على شجاعته وإقدامه وفطنته، وبتدويرها مع حمرتها وكثرة تقلبها على خيانته ومكره وخداعه.
ومعظم تعلق الفراسة بالعين؛ فإنها مرآة القلب وعنوان ما فيه، ثم باللسان؛ فإنه رسوله وترجمانه، وبالاستدلال بزرقتها مع شقرة صاحبها على رداءته، وبالوحشة التي ترى عليها على سوء داخله وفساد طويته.
وكالاستدلال بإفراط الشعر في السبوطة على البلادة، وبإفراطه في الجعودة على الشر، وباعتداله على اعتدال صاحبه.
وأصل هذه الفراسة: أن اعتدال الخلقة والصورة: هو من اعتدال المزاج والروح، وعن اعتدالها يكون اعتدال الأخلاق والأفعال، وبحسب انحراف الخلقة والصورة عن الاعتدال: يقع الانحراف في الأخلاق والأعمال، هذا إذا خليت النفس وطبيعتها. ” مدارج السالكين ” ( 2 / 487، 488 ).
وهذا النوع من الفراسة وتلك القراءة للوجه فيها حق وباطل، وخطأ وصواب، وما يذكرونه من صفات لخلقة معينة للوجه لا يلزم أن يكون صحيحًا مطلقًا، وأظهر خطأ فيها: أنهم يجعلون صاحب الخلقة المعينة يلزم أخلاقًا وأوصافًا لا تتغير! وهذا باطل قطعًا، فالكافر يسلم، والنشيط يكسل، والغني يفقر، والعاصي يتوب، والقلق يهنأ، والمكروب يزول كربه، واعكس ذلك كله، وأضف إلى القائمة ما شئت من أوصاف وأخلاق وفعال، وهذا مشاهد مجرَّب معروف، ومن هنا فقد أكمل ابن القيم رحمه الله كلامه السابق بقوله:
” ولكن صاحب الصورة والخِلقة المعتدلة يكتسب بالمقارنة والمعاشرة أخلاق من يقارنه ويعاشره، ولو أنه من الحيوان البهيم! فيصير من أخبث الناس أخلاقًا وأفعالًا، وتعود له تلك طباعًا ويتعذر أو يتعسر عليه الانتقال عنها.
وكذلك صاحب الخِلقة والصورة المنحرفة عن الاعتدال يكتسب بصحبة الكاملين بخلطتهم أخلاقًا وأفعالًا شريفةً تصير له كالطبيعة؛ فإن العوائد والمزاولات تعطي الملكات والأخلاق.
فليُتأمل هذا الموضع، ولا يعجل بالقضاء بالفراسة دونه؛ فإن القاضي حينئذ يكون خطؤه كثيرًا؛ فإن هذه العلامات أسباب لا موجبة، وقد تتخلف عنها أحكامها لفوات شرط، أو لوجود مانع. ” مدارج السالكين ” ( 2 / 488 ).
وما ذكرناه من نوعي الفراسة هو أشهر ما قيل فيها وأدقه، وهو – كما رأينا -إما أنها تتعلق بالإيمان والبصيرة، وهذه لا سبيل لتعلمها، بل هي نور يقذفه الله في قلب عبده المؤمن، والنوع الآخر قواعد استقرائية يمكن تعلمها، ويشترك فيها المسلم والكافر، وفيها خطأ وصواب، ولا يُبنى عليها علم، ولا تنفع في دين ولا دنيا، وقد يستثمر ذلك بعض المنتفعين ليجعل منها سبيلًا يأكل به أموال الناس بالباطل، فيسوقها على صورة ” كهانة “! ولذا لا ننصح المسلم أن يتعلم شيئًا منها، ومن باب أولى أن لا يمارسها؛ ففيه تضييع للأوقات، ومشابهة لعمل الكهان، وهي تختلف عن ” قراءة الكف ” من وجهين:
الأول: أن الكف يلزم حالًا واحدًا لا يتغير، والوجه تختلف خلقته من واحد لآخر، وتختلف تعابيره وتتنوع في الأشخاص، كما هو مشاهد معروف.
الثاني: أن قراءة الكف يخبر أصحابها عن المستقبل، فصارت كهانة بلا ريب، بخلاف قراءة الوجه فإنها إخبار عن حال صاحبه تبعًا لخلقته أو تعابير وجهه.
والله أعلم.


