بيان صفات الاستواء والوجه والساق لله تعالى، وهل ” الجسم ” من صفاته تعالى
السؤال
سمعت أن السلفيين يؤمنون بالمعنى الحرفي لصفات الله، أي أنهم يؤمنون بأن الله يعتلي على العرش، وأن له جسدًا، ووجهًا، وساقًا … والعياذ بالله، فهل هذا صحيح؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
من الجيد أنك راسلتنا لتقف بنفسك على حقيقة اعتقاد ” السلفيين ” فتعرف ما يؤمنون به في باب صفات الله تعالى، وتقرأ ما ينفونه عن أنفسهم مما ألصقه بهم أعداؤهم وخصومهم والجهلة بهم.
ثانيًا:
قاعدة السلفيين في أسماء الله تعالى وصفاته هي قاعدة من سبقهم من سلف هذه الأمة، وعلى رأسهم الصحابة الكرام والتابعون الأجلاء، وهي:
أ. أنهم يثبتون ما أثبته الله تعالى لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف، ولا تمثيل، ولا تعطيل.
ب. وينفون عنه تعالى ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم.
ج. وما لم يرِد فيه نفي ولا إثبات فإنهم يتوقفون فيه حتى يُعرف المعنى المراد منه، فإن كان معنى فاسدًا نفوا لفظه ومعناه، وإن كان معنى صحيحًا أثبتوا المعنى دون اللفظ.
ثالثًا:
ولنطبِّق عمليًّا تلك القاعدة العظيمة على ما ذكرته من صفات، فنقول:
- أثبت الله تعالى لنفسه صفة ” الاستواء على العرش ” في أكثر من موضع من القرآن، فقال تعالى: ( الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى ) طه/ 5، وقال تعالى ( ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ ) الأعراف/ 54، يونس/ 3، الرعد/ 2، الفرقان/ 59، السجدة/ 4، الحديد/ 4.
فالاستواء صفة فعلية للرب تعالى، أثبتها أهل السنَّة والجماعة بالمعاني اللائقة له عز وجل، من غير تحريف لمعناها أنها ” الاستيلاء “!، ولا تمثيلها باستواء الملِك على عرشه، ومن غير تعطيل لها.
ولا تزال كلمة الإمام مالك بن أنس رضي الله في هذه الصفة الجليلة قاعدة عند أهل السنَّة فيها وفي غيرها من صفات الله تعالى ، فقد سئل عن استواء الله تعالى كيف هو فأجاب:
” الاستواء معلومٌ – في لغة العرب – ، والكيف مجهولٌ ، والإيمان به – أي: بالكيف – واجبٌ ، والسؤال عنه – أي : عن الكيف – بدعة . رواه اللالكائي في ” شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ” ( 3 / 441) والبيهقي في ” الأسماء والصفات ” ( ص 408 )، وصححه الذهبي، وشيخ الإسلام، والحافظ ابن حجر.
انظر: ” مختصر العلو ” ( ص 141 ) ، ” مجموع الفتاوى ” ( 5 / 365 ) ، ” فتح الباري ” ( 13 / 501 ) وللجملة ألفاظ متقاربة بمعنى متحد.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
أصل الاستواء على العرش: ثابت بالكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة وأئمة السنة بل هو ثابت في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل. ” مجموع الفتاوى ” ( 2 / 188 ).
وقال ابن القيم – رحمه الله – ردًّا على من حرَّف صفة الاستواء وعطَّلها -:
هذا الذي قالوه باطل من اثنين وأربعين وجها:
أحدها: إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله تعالى بلغتهم، وأنزل بها كلامه: نوعان: مطلق ومقيد، فالمطلق: ما لم يوصل معناه بحرف، مثل قوله: ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى ) القصص/ 14، وهذا معناه: كمل وتمَّ، يقال: استوى النبات، واستوى الطعام.
أما المقيد: فثلاثة أضرب:
أحدها: مقيد بـ ” إلى “، كقوله: ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ) البقرة/ 29، وهذا بمعنى العلو والارتفاع، بإجماع السلف.
الثاني: مقيَّد بـ ” على “، كقوله تعالى: ( لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ) الزخرف/ 13، وهذا أيضًا معناه العلو والارتفاع والاعتدال، بإجماع أهل اللغة.
الثالث: المقرون بـ ” واو ” مع التي تعدي الفعل إلى المفعول معه، نحو: استوى الماء والخشبة، بمعنى ساواها.
وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم، ليس فيها معنى ” استولى ” ألبتة، ولا نقله أحد من أئمة اللغة الذين يعتمد قولهم، وإنما قاله متأخرو النحاة ممن سلك طريق المعتزلة والجهمية. ” مختصر الصواعق ” ( ص 371 ، 372 ).
- أثبت الله تعالى لنفسه صفة ” الوجه “، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، فالقاعدة الشرعية هنا: أن نثبت هذه الصفة لله تعالى من غير تحريف لمعناها أنها ” الذات “، ولا تمثيل لها فنجعله كوجه أحدٍ من خلقه، ولا تعطيل لهذه الصفة بالكلية.
دليل هذه الصفة – ونكتفي بدليل واحد من الكتاب ودليل من السنَّة -:
أ. قوله تعالى ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) الرحمن/ 27.
قال أبو الحسن الأشعري – رحمه الله – :
وقال عز وجل ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ )، فأخبر أنَّ له وجهًا لا يفنى ولا يلحقه هلاك. ” الإبانة ” ( ص 77 ).
وقال – أيضا -:
فمَن سَأَلَنا فقال: أتقولون إنَّ لله سبحانه وجهًا؟ قيل: نقول ذلك، خلافًا لما قاله المبتدعون، وقد دلَّ على ذلك قوله عز وجل ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ).
” الإبانة ” ( ص 78 ، 79 ).
وقال ابن جرير الطبري – رحمه الله -:
يقول تعالى ذِكره: ” كل من على ظهر الأرض من جن إنس فإنه هالك ويبقى وجه ربك يا محمد ( ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ )، و ( ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) من نعت الوجه، فلذلك رفع ( ذو ) وقد ذُكر أنها في قراءة عبد الله بالياء ” ذي الجلال والإكرام ” من نعتِ الربِّ وصفتِه. ” جامع البيان ” ( 27 / 134 ).
وما نسب إلى ابن مسعود رضي الله عنه لا يصح عنه، بل هي بالرفع إجماعًا.
قال الشيخ عبد الفتاح القاضي – رحمه الله -:
قرأ ابن عامر: ( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) آخر السورة بالواو، وقرأ غيره ( ذِي الْجَلَالِ ) بالياء، وهو مرسوم بالواو في مصحف الشاميين، وبالياء في مصحف غيرهم.
وأما قوله تعالى: ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) فقد اتفقوا على قراءته بالواو, وقد رُسم بالواو في جميع المصاحف العثمانية.
” الوافي في شرح الشاطبية ” ( ص 366 ).
وقال ابن القيم – رحمه الله -:
فتأمل رفعَ قولِه ( ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) عند ذكر ” الوجه “، وجرَّه في قوله ( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) الرحمن/ 78، فـ ( ذو ) الوجه المضاف بالجلال والإكرام لما كان القصد الإخبار عنه، و ( ذي ) المضاف إليه بالجلال والإكرام في آخر السورة لما كان المقصود عين المسمى دون الاسم، فتأمله.
” مختصر الصواعق ” ( ص 409 ).
ب. قال البخاري رحمه الله: ” باب قول الله عز وجل ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) القصص/ 88 “.
ثم روى – ( 4352 ) حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ) قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ( أَعُوذُ بِوَجْهِكِ ) فقال ( أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ( أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ) قال ( أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا ) الأنعام/ 65، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم ( هذا أَيْسَرُ ).
قال الإمام ابن خزيمة – رحمه الله -:
فنحن وجميع علمائنا، من أهل الحجاز، وتهامة، واليمن، والعراق، والشام، ومصر، مذهبنا: أنَّا نثبت لله ما أثبته الله لنفسه، نقرُّ بذلك بألسنتنا، ونصدِّق ذلك بقلوبنا، من غير أن نشبِّه وَجْه خالقنا بوَجْه أحدٍ من المخلوقين، عزَّ ربُّنا أن يشبه المخلوقين، وجلَّ ربُّنا عن مقالة المعطلين. ” كتاب التوحيد ” ( 1 / 18 ).
- أثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لربه تعالى صفة ” الساق “، فالقاعدة الشرعية هنا: أن نثبت هذه الصفة لله تعالى من غير تحريف لمعناها أنها ” الشدة “، ولا تمثيل لها فنجعلها كساق أحدٍ من خلقه، ولا تعطيل لهذه الصفة بالكلية.
ومن أدلة هذه الصفة:
حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( … فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ ) رواه البخاري ( 7001 ).
قال ابن القيم – رحمه الله -:
والذين أثبتوا ذلك صفةً كاليدين والإصبع: لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن، وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته، وهو حديث الشفاعة الطويل وفيه ( فيكشف الرب عن ساقه فيخرون له سجَّدًا ) ومن حمل الآية على ذلك قال: قوله تعالى ( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ) القلم/ 42 مطابق لقوله ( فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدًا ) وتنكيره للتعظيم والتفخيم، كأنه قال: يكشف عن ساق عظيمة جلَّت عظمتها وتعالى شأنها أن يكون لها نظير أو مثيل أو شبيه، قالوا: وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه؛ فإن لغة القوم في مثل ذلك أن يقال كشفت الشدة عن القوم لا كشف عنها كما قال الله تعالى ( فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ) الزخرف/ 5 ، وقال: ( ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر ) المؤمنون/ 75.
فالعذاب والشدة هو المكشوف لا المكشوف عنه، وأيضًا: فهناك تحدث الشدة وتشتد ولا تُزال إلا بدخول الجنة، وهناك لا يدعون إلى السجود وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة. ” الصواعق المرسلة ” ( 1 / 252 ، 253 ).
- لم يرِد إثبات ولا نفي لصفة ” الجسد “، فلا نثبته لربنا تعالى، ولا ننفيه عنه، ونستفصل من مورده علينا معناه، فإن قصد به الجسد الذي يتكون من أعضاء وأجزاء ويحتاج بعضه لبعض: فهو معنى فاسد، فننفي اللفظ ومعناه، وإن قصد به ” الذات ” فالمعنى هذا ثابت لله تعالى فيكفينا إثبات معناه الثابت دون لفظه المخترع.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
مسألة الجسمية لم ترد لا في القرآن ولا في السنَّة إثباتًا ولا نفيًا، ولكن نقول بالنسبة للفظ: لا ننفي ولا نثبت، لا نقول: جسم وغير جسم، لكن بالنسبة للمعنى نفصِّل ونستفصل، ونقول للقائل: ماذا تعني بالجسم؟ هل تعني أنه الشيء القائم بنفسه المتصف بما يليق به الفاعل بالاختيار القابض الباسط؟ إن أردت هذا: فهو حق ومعنى صحيح، فالله تعالى قائم بنفسه فعَّال لما يريد، متصف بالصفات اللائقة به، يأخذ ويقبض ويبسط، يقبض السماوات بيمينه ويهزها، وإن أردت بالجسم الشيء الذي يفتقر بعضه إلى بعض ولا يتم إلا بتمام أجزائه: فهذا ممتنع على الله؛ لأن هذا المعنى يستلزم الحدوث والتركيب، وهذا شيء ممتنع على الله عز وجل.
” شرح العقيدة السفارينية ” ( ص 18 ، 19 ).
فها قد رأيت – أخي السائل – أن السلفيين هم أسعد الناس بالكتاب والسنَّة، فلم يعتقدوا شيئًا في ذات ربهم إلا ومعهم أدلة من الوحيين، ومن عداهم فليس منهجه في الاعتقاد إلا رد هذه النصوص، وأكثرهم يعتمد على أبيات من الشعر لنصارى! لإثبات عقيدتهم في صفات ” الكلام ” و ” الاستواء ” لله رب العالمين، فهل ثمة أعجب من هذا؟!.
وأهل السنَّة والجماعة عندما يثبتون صفة لله تعالى فإن قاعدتهم في ذلك (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) الشورى/ من الآية11، بل إنهم أجمعوا أنَّ من شبَّه الله تعالى بخلقه فقد كفر، فلا تلتفت لكلام المغرضين، واستمسك بالعروة الوثقى من نصوص الوحي تسلم في اعتقادك، وتتشرف بأن تكون من الفرقة الناجية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة -:
فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرِّفون الكلِم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، ولا يكيِّفون، ولا يمثِّلون صفاته بصفات خلقه؛ لأنه سبحانه لا سميَّ له، ولا كفؤ له، ولا نِدَّ له، ولا يقاس بخلْقه سبحانه وتعالى؛ فانه سبحانه أعلم بنفسه، وبغيره، وأصدق قيلا، وأحسن حديثًا مِن خلقه.
” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 130 ).
والله أعلم.


