ماذا يجوز ويستحب للمسلمين فعله في الأعياد؟ وحكم ” العيدية “

السؤال

  1. من المعتاد بين مسلمي الغرب في العيد أن يقوموا بإعطاء مال إلى صغار العائلة، كما لو قلنا إن هناك عائلة تتكون من زوج وزوجة و 5 أبناء ( 2 من الأبناء متزوجان ولديهما أطفال ) ولهذا يقوم الزوج والزوجة بإعطاء عيدية ( وهى الكلمة التي يقومون باستخدامها ) إلى أبنائهما الخمس، كما يقومون بإعطاء أحفادهما، ومن المفترض أن يقوم ابناهما المتزوجان بإعطاء عيدية إلى صغار أسرة زوجاتهم، وإلى أبناء وبنات الإخوة، فهل مفهوم إعطاء العيدية جائز في الإسلام أم أنه بدعة ويجب تجنبها؟.
  2. أرجو أن تسدوني النصح حول كيفية احتفال الأسرة بالعيد ( ومع خالص احترامي فأرجو ألا تذكروا ” لا تفعلوا أيًّا من المحرمات كالذهاب إلى الأماكن المختلطة والسينمات …إلخ ” فهذه الأمور لن يتم فعلها ) هل بوسعكم تقديم أمثلة على النحو الذى يجب أن يكون عليه العيد عند المؤمنين؟ وما هي الأنشطة التي يجب أن يشاركوا فيها؟ وهل يجوز للزوج والزوجة الخروج معًا وتناول وجبة لذيذة فى أحد الأماكن؟ وكيف يحتفل علماء الدين ييوم العيد؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

إعطاء الصغار والكبار ما يسمَّى ” العيدية ” – وعادة يكون مبلغًا من المال – لا حرج فيه، وهو من محاسن الأخلاق، وجميل العادات، لكن ننبه على أمور قد تخفى في المسألة:

  1. مراعاة العدل في الإعطاء، فلا يصلح إعطاء بعض الأبناء دون الباقين، ولا بعض الأخوات دون الباقيات؛ لما يسببه ذلك من إيغار الصدور، وإيقاع الحسد والبغضاء في الأسرة الواحدة.
  2. لا يلزم إعطاء قدر المبلغ نفسه لكل أفراد الأسرة، بل يراعى في ذلك الأعمار، فيُعطى للكبير ما لا يعطى للصغير، ويُعطى للمتزوج ما لا يعطى للأعزب، والعدل الذي ذكرناه أولًا في اشتراكهم جميعهم في الإعطاء لا تساويهم في مبلغ العيدية.
  3. مراقبة الأولاد الصغار في مجالات صرف العيديات التي يأخذونها من أهلهم وأقربائهم؛ لأنه تكثر في الأعياد الخروج لأماكن اللهو، واللعب بألعاب فيها ميسر وقمار، وتفتح النوادي والسينمات أبوابها، فيحتاج الأولاد لمراقبة إنفاق أموالهم.

ثانيًا:

وأيام العيدين أيام فرح وسرور، ولا يجوز للمسلم أن تمر عليه أيام العيد كغيرها من الأيام ، ومما يجوز فعله أو يستحب في العيدين:

  1. الاغتسال:

ولم يثبت فيه شيء مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم، لكنه صحَّ عن بعض الصحابة.

عن زاذان قال: سأل رجلٌ عليًّا رضي الله عنه عن الغسل قال: اغتسل كل يوم إن شئت، فقال: ” لا، الغسل الذي هو الغسل “، قال: ” يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الفطر “. رواه الشافعي في ” مسنده ” ( ص 385 ) ومن طريقه البيهقي في ” سننه ” ( 3 / 278 )، وصححه الألباني في ” إرواء الغليل ” ( 1 / 176 ).

  1. لبس ثياب جديدة يتجمل بها.

عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ فَأَخَذَهَا فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالْوُفُودِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ.

رواه البخاري ( 906 ) ومسلم ( 2068 ).

الخلاق: الحظ والنصيب.

وبوب عليه البخاري بقوله: ” باب في العيدين والتجمل فيهما “.

قال ابن قدامة – رحمه الله -:

وهذا يدل على أن التجمل عندهم في هذه المواضع كان مشهورًا.

” المغني ” ( 2 / 370 ).

وقال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد دل هذا الحديث على التجمل للعيد، وأنه كان معتادا بينهم .

” فتح الباري ” لابن رجب ( 6 / 67 ).

وقال الشوكاني – رحمه الله -:

ووجه الاستدلال بهذا الحديث على مشروعية التجمل للعيد: تقريره صلى الله عليه وسلم لعمر على أصل التجمل للعيد، وقصر الإنكار على من لبس مثل تلك الحلة لكونها كانت حريرًا. ” نيل الأوطار ” ( 3 / 349 ).

وهو ما جرى عليه العمل عند الصحابة رضي الله عنهم وأهل العلم.

قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وخرج البيهقي بإسناد صحيح عن نافع أن ابن عمر كان يلبس في العيدين أحسن ثيابه . ” فتح الباري ” لابن رجب ( 6 / 68 ).

وهذا التزين في الثياب حتى لو لم يخرج المسلم به للصلاة، وحتى الأطفال والنساء.

قال ابن رجب – رحمه الله -:

وهذا التزين في العيد يستوي فيه الخارج إلى الصلاة، والجالس في بيته، حتى النساء، والأطفال .

” فتح الباري ” لابن رجب ( 6 / 72 ).

وقال بعض أهل العلم إنه من كان معتكفًا فيخرج للعيد بثياب اعتكافه، وهو قول مرجوح.

قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

السنَّة في العيد أن يتجمل سواء كان معتكفًا أم غير معتكف.

” أسئلة وأجوبة في صلاة العيدين ” ( ص 10 ).

  1. التطيب بأحسن الطيب.

وقد صح عن ابن عمر أنه ” كان يتطيب يوم الفطر “، كما في ” أحكام العيدين ” للفريابي ( ص 83 ).

وقال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقال مالك: سمعت أهل العلم يستحبون الزينة والطيب في كل عيد .

واستحبه الشافعي . ” فتح الباري ” لابن رجب ( 6 / 68 ).

وتحذر النساء أن تخرج من بيتها في ثياب زينة، وتحذر من أن تخرج وهي متطيبة، لكن تتزين وتتطيب لزوجها وللنساء ولأهل بيتها ومحارمها.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 31 / 116 ):

ويستوي في استحباب تحسين الثياب والتنظيف والتطيب وإزالة الشعر والرائحة الكريهة: الخارج إلى الصلاة، والقاعد في بيته؛ لأنه يوم الزينة فاستووا فيه، وهذا في حق غير النساء  .

وأما النساء إذا خرجن: فإنهن لا يتزين، بل يخرجن في ثياب البذلة، ولا يلبسن الحسن من الثياب، ولا يتطيبن؛ لخوف الافتتان بهن، وكذلك المرأة العجوز، وغير ذوات الهيئة، يجري ذلك في حكمها، ولا يخالطن الرجال بل يكن في ناحية منهم. انتهى.

  1. التكبير.

ويسنُّ لكم التكبير حتى وأنتم في بيتكم مع أسرتكم، في كل وقت، وأدبار الصلوات.

ففي عيد الفطر: يبتدئ التكبير من رؤية الهلال؛ لقوله تعالى: ( وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ )، وإكمال العدة يكون بغروب الشمس من ليلة العيد، وانتهاؤه: إذا خرج الإمام للخطبة.

وفي الأضحى: يبتدئ التكبير من صبح يوم عرفة إلى آخر عصر أيام التشريق وهو الثالث عشر من ذي الحجة.

  1. الزيارات.

ويستحب لكم في العيد زيارة الأقارب والجيران والأصدقاء.

وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة زيارة والدها أبي بكر لها – كما سيأتي -، وقيل إن ذلك من حكَم تغيير الطريق في الرجوع من مثلى العيد.

مخالفة الطريق:

ذهب أكثر أهل العلم إلى استحباب الذهاب إلى صلاة العيد في طريق، والرجوع في طريق عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق. رواه البخاري ( 943 ).

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في الحكَم من ذلك -:

وقيل ليزور أقاربه الأحياء والأموات وقيل ليصل رحمه.

” فتح الباري ” ( 2 / 473 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 31 / 117 ):

ونقل في ” فتح الباري ” في الحكمة من مخالفته صلى الله عليه وسلم الطريق يوم العيد أقوالًا منها: ليزور أقاربه من الأحياء والأموات، ولم يضعِّفه كما فعل مع بعضها، ومثله في ” عمدة القاري “. انتهى.

  1. التهنئة:

وهي من شعار الأعياد، وتكون بأي لفظ شرعي مباح، وأفضلها ” تقبل الله منا ومنكم “، وما أشبه ذلك من عبارات التهنئة.

عن جبير بن نفير قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك.

وحسَّن الحافظ إسناده في ” فتح الباري ” ( 2 / 446 ).

وسئل مالك رحمه الله: أيُكره للرجل أن يقول لأخيه إذا انصرف من العيد: تقبل الله منا ومنك، وغفر الله لنا ولك، ويرد عليه أخوه مثل ذلك؟ قال: لا يكره.

” المنتقى شرح الموطأ ” للباجي ( 1 / 322 ).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

التهنئة يوم العيد يقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد: ” تقبل الله منا ومنكم “، و ” أحاله الله عليك “، ونحو ذلك، فهذا قد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه، ورخص فيه الأئمة كأحمد وغيره، لكن قال أحمد: أنا لا ابتدئ أحدًا، فإن ابتدرني أحدٌ أجبته؛ وذلك لأن جواب التحية واجب.

وأما الابتداء بالتهنئة: فليس سنَّة مأمورًا بها، ولا هو أيضًا مما نُهي عنه، فمن فعله فله قدوة، ومن تركه فله قدوة. ” مجموع الفتاوى ” ( 24 / 253 ).

  1. التوسعة في الطعام والشراب.

فيستحب لكم التوسعة في الطعام والشراب وأكل اللذيذ والطيب من الطعام، وشرب الشراب المباح، سواء كان ذلك في بيتكم، أو خرجتم للأكل في مطعم خارج البيت، وغير خافٍ عليك أنه لا يجوز أن يكون ذلك في مطعم تدار فيه كؤوس الخمور، ولا مطعم تصدح الموسيقى في أرجائه، ولا أن يكون بحيث يرى الأجانب نساءكم، ولذا فنفضل أن يكون لكم خرج إلى برٍّ أو رحلة إلى بحر، تسمتعون فيها أكثر، وتبتعدون عن المخالفات الشرعية.

عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ ). رواه مسلم ( 1141 ).

  1. اللهو المباح.

ولا مانع من أخذ الأسرة في رحلة برية أو بحرية، أو زيارة أماكن جميلة، أو ذهاب إلى مكان فيه ألعاب، كما لا مانع من أن الاستماع للأناشيد الخالي من المعازف.

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: ” مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ ” فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ: ( دَعْهُمَا ) فَلَمَّا غَفَلَ، غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا، وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَإِمَّا قَالَ ( تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ ) فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ ( دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ) حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: ( حَسْبُكِ؟ ) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ( فَاذْهَبِي ).

رواه البخاري ( 907 ) ومسلم ( 829 ).

وفي رواية:

عن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ ( لَتَعْلَمُ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ ).

” مسند أحمد ” ( 50 / 366 ) وحسَّنه المحققون وجوَّد الألباني إسناده في ” السلسلة الصحيحة ” ( 4 / 443 ).

وقد ترجم البخاري رحمه الله على هذا الحديث في صحيحه بقوله: ” باب الحراب والدَّرَق يوم العيد “.

وبوَّب عليه النووي رحمه الله بقوله : ” بَاب الرُّخْصَةِ فِي اللَّعِبِ الَّذِي لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ “.

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفي هذا الحديث من الفوائد: مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم بسط النفس، وترويح البدن من كلف العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى.

وفيه: أن إظهار السرور في الأعياد من شعائر الدين.

” فتح الباري ” ( 2 / 443 ).

قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

ويفعل في هذا العيد أيضًا أن الناس يتبادلون الهدايا يعني يصنعون الطعام ويدعو بعضهم بعضًا، ويجتمعون ويفرحون، وهذه عادة لا بأس بها؛ لأنها أيام عيد، حتى إن أبا بكر رضي الله عنه لما دخل على بيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وذكر الحديث -.

وفي هذا دليل على أن الشرع – ولله الحمد – من تيسيره وتسهيله على العباد: أن فتح لهم شيئًا من الفرح والسرور في أيام العيد.

” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 16 / 276 ، 277 ).

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 14 / 166 ):

تتأكد مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل به لهم بسط النفس، وترويح البدن من كلف العبادة، كما أن إظهار السرور في الأعياد شعار هذا الدين، واللعب والزفن في أيام العيدين مباح، في المسجد وغيره، إذا كان على النحو الوارد في حديث عائشة رضي الله عنها في لعب الحبشة بالسلاح . انتهى.

ونسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح أعمالنا، وأن يهدينا وإياكم لما فيه الخير لديننا ودنيانا.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة