هل يجوز تعمد الإتيان بعمرة يومي الاثنين أو الخميس؛ لأن الأعمال تُعرض فيهما على الله؟
السؤال
حكم من يقول سآتي بعمرة يوم الخميس أو الاثنين لكي يرفع عملي وأنا أعتمر، والحديث خصص بالصيام، فما الحكم في ذلك؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
لا شك أن هذا القائل قد أخطأ خطأ بيِّنًا؛ وذلك لاعتقاده بوجود فضل لعمرة يوم الاثنين أو الخميس، وهو ظن خطأ، وفهمه للحديث ليس صوابًا، وسيأتي توضيح مقصوده قريبًا.
وهذا الذي يريد تأخير العمرة من الجمعة إلى الاثنين، أو من الثلاثاء إلى الخميس: إنما يخالف حثَّ الشريعة المطهرة بالمسارعة بالخيرات، والمسابقة بالأعمال الصالحة.
قال تعالى: ( وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) آل عمران/ 133.
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ). رواه مسلم ( 118 ).
ومن جهة أخرى: فإنه قد ذهل ذلك القائل عن أمرٍ مهم وهو أنه ثمة رفع للأعمال كل يوم مرتين، فتَرفع الملائكةُ عملَ الليل في النهار، وعملَ النهار في الليل، فكيف يضيِّع على نفسه فرصة رفع عمل صالح ويؤجله إلى ما لا فضل خاص به؟! ثم إن أداءه للعمرة يوم الجمعة يعني رفعها لله تعالى، ثم تُعرض عليه عز وجل يوم الاثنين، فالرفع للأعمال أولًا، ثم يكون العرض.
عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يَنَامُ وَلاَ يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ).
رواه مسلم ( 179 ).
قال النووي – رحمه الله -:
وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل ) وفي الرواية الثانية ( عمل النهار بالليل وعمل الليل بالنهار ) فمعنى الأول – والله أعلم -: يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار الذي بعده، وعمل النهار قبل عمل الليل الذي بعده، ومعنى الرواية الثانية: يُرفع إليه عمل النهار في أول الليل الذي بعده، ويرفع إليه عمل الليل في أول النهار الذي بعده؛ فإن الملائكة الحفظة يصعدون بأعمال الليل بعد انقضائه في أول النهار، ويصعدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أول الليل، والله أعلم. ” شرح مسلم ” ( 3 / 13 ).
وقال المباركفوري – رحمه الله -:
قال ابن الملك وهذا لا ينافي قوله عليه السلام ( يرفع عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل ) للفرق بين الرفع والعرض؛ لأن الأعمال تُجمع في الأسبوع، وتُعرض في هذين اليومي .
” تحفة الأحوذي ” ( 3 / 375 ).
ثانيًا:
وأما الحديث الوارد في عرض الأعمال يوم الاثنين والخميس: فنذكر نصَّه وما يدل عليه:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ). رواه الترمذي ( 747 ) وحسَّنه، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.
وسئل صلى الله عليه وسلم عن صيام يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ قَال: ( ذَانِكَ يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ). رواه أبو داود ( 2436 ) والنسائي ( 2358 ) وابن ماجه ( 1740 ) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
فالحديث لا يعني بحال أن يؤخر المسلم قيامه بالأعمال الصالحة ليوم الاثنين أو الخميس، لا الصيام، ولا غيره من الأعمال، لكن لمَّا كان عرض الأعمال على الله تعالى في هذين اليومين لم يُرِد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخليهما من عملٍ يستغرق اليوم كله، وهو لا يدري متى بالضبط تُعرض تلك الأعمال على الله، وليس مثل الصوم عبادة تستغرق اليوم كلَّه، لذا بادر إلى الصيام واستحبه فيهما.
قال الشيخ أبو الحسن المباركفوري – رحمه الله -:
( فأحبُّ أن يُعرض عملي وأنا صائم ) أي: طلبًا لزيادة رفع الدرجات، قال في ” اللمعات “: لعله إنما اختار الصوم لفضله، ولأنه لا يدري في أية ساعة تعرض، والصوم يستوعب النهار، ولأنه يجتمع مع الأعمال الأخر بخلاف ما عداه من الأعمال. انتهى.
” مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ” ( 7 / 85 ).
وهذا الفضل للصيام في هذين اليومين لا يعني البتة تأخير الصيام حتى يجيئا، بل ثمة حث من الشرع على الصوم على مدار أيام الأسبوع إلا ما نهت عنه الشريعة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا، قَالَ: ( فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا، قَالَ: ( فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا، قَالَ: ( فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ ). رواه مسلم ( 1028 ).
أليس في هذا الحديث حثٌّ على الصيام من غير تخصيصه بيومي الاثنين والخميس؟ فيتبين أن ما فهمه ذلك القائل هو بعيد عن الصواب.
والمسلم إذا علم أن عمله يُرفع إلى الله تعالى كل يوم مرتين فإنه يحرص على أن لا يكون فيه سوء وشر، ويحرص على إتقانه وتكثيره، وهكذا إذا علم بموعد عرض الأعمال على ربه تعالى فإنه يُصلح أعماله ويكثرها، وينقيها من السوء والشر، وهذا ما يُستفاد من الحديث، وهو معنى لا نكاد نسمعه ونقرؤه من المتحدثين والوعاظ.
قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:
( هذه الأحاديث ) تدل على فضل صوم الاثنين والخميس، وأنهما يومان عظيمان، تُعرض فيهما الأعمال على الله، فينبغي الإكثار فيهما من الخير، ومن الخير: صيامهما، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيامهما إلا أن يشغله شاغل. ” شرح رياض الصالحين ” ( شريط رقم 10 ).
ومما يدل على أهمية إنقاء الأعمال من الشر والسوء وقت عرضها على الله تعالى ما جاء عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِى كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ فَيَغْفِرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلاَّ امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ). رواه مسلم ( 2565 ).
– اركوا: أي أخِّروا.
وفي لفظ:
( تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ … ).
فصار في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأن الأعمال تُعرض على الله تعالى يومي الاثنين والخميس فائدتان: الإكثار من الطاعات، وإنقاء الأعمال مما يشوبها من السوء والشر.
ومما يقوي ذلك ويؤيده:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ ). رواه أحمد في ” مسنده ” ( 16 / 191 ) وحسنه المحققون.
قال عبد الرؤوف المناوي – رحمه الله – في أوجه معنى الحديث -:
ويحتمل وهو أقرب: أن الحكم بعدم القبول يؤخَّر إلى ليلة الجمعة في العشية المذكورة، فإن رجع إلى الحق وتاب: قُبل العمل عشية الخميس، وإلا رُدَّ.
وفيه إشارة إلى أن الشخص ينبغي له تفقد نفسه في تلك العشية ليلقى ليلة الجمعة على وجه حسن. ” فيض القدير ” ( 2 / 541 ).
وقال – رحمه الله -:
( إن أعمال العباد تعرض ) زاد في رواية ( على رب العالمين ) ( يوم الإثنين ويوم الخميس ) فليستح عبدٌ أن يَعرض على من أنعم عليه مِن عمله ما نهاه عنه. ” فيض القدير ” ( 2 / 540 ).
قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:
وكان ” إبراهيم النخعي ” يبكي إلى امرأته يوم الخميس وتبكي إليه ويقول: اليوم تعرض أعمالنا على الله عز وجل ….
كان ” الضحَّاك ” يبكي آخر النهار ويقول: لا أدري ما رُفع من عملي.
يا من عمله معروض على مَن يعلم السرَّ وأخفى لا تبهرج فإن الناقد بصير.
السقم على الجسم له ترداد *** والعمر ينقص والذنوب تزاد
ما أبعد شقتي ومالي زاد *** ما أكثر بهرجي ولي نقاد
” لطائف المعارف ” ( ص 127 ).
– وقد قلنا في جواب سابق:
” وقد دلت أحاديث عرض الأعمال على الله تعالى: على الترغيب في الازدياد من الطاعات في أوقات العرض “. انتهى.
والخلاصة:
أننا نحث أنفسنا وإخواننا المسلمين على الازدياد من الطاعات كل يوم، وخاصة يومي الاثنين والخميس، والدعوة هنا لإكثار الأعمال الصالحة لا تأسيس أعمال خاصة فيهما، إلا الصوم؛ لما نصَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولما ذكرناه من حكمة ذلك، مع التنبيه على عدم تأخير الطاعات متعمدًا لذينك اليومين، وليكن على بالنا أن الأعمال ترفع إلى الله تعالى كل يوم مرتين، فليكن منَّا إتقان لها مع إخلاص.
والله أعلم.


