الحكمة من خلق الملائكة، والفرق بين هداية التوفيق وهداية الإرشاد

السؤال

ماذا كانت الحكمة من خلق الملائكة؟ هل خُلقوا لا لشيء سوى لمتعة الخلق أم للاختبار والتمحيص؟ وهل عندما خلق الله إبليس كان يعرف نهايته ومستقبله في الأرض؟ وهل لم يستطع الله خلق إبليس على الهدى الذي أراده له؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

لا يتم إيمان المسلم حتى يثبت لربه تعالى ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات والأفعال، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم كذلك، ومما ثبت لله تعالى من الأسماء ” الحكيم “، ومما ثبت له من الصفات ” الحكمة “، فلم يخلق الله تعالى خلقًا إلا لحكمة، ولم يشرع شرعاً إلا لحكمة، وليست عقول الخلق قادرة على فهم تلك الحكم أو بعضها، فالشرع يأتي بما تحار به العقول لا بما تحيله العقول، ولا يعني هذا تحريم التأمل لمعرفة الحكم في خلق الله تعالى وفي تشريعه، وقد ذكر الله تعالى لنا بعض حكم خلق وتشريعه، وأخفى عنَّا بعضها، والمسلم يعتقد في أفعال ربه الحكمة البالغة، ولا ينبغي أن يجعل للشيطان عليه مدخلًا أن يوجد في خلق الله تعالى أو تشريعه ما هو عبث خال من الحكمة.

ثانيًا:

وليس من حكمة خلق الملائكة: الاختبار والتمحيص؛ لأن الله تعالى قدَّر أن يكون ذلك في بعض خلقه دون بعضه الآخر، فما كان من خَلَقه فيه العقل والشهوة هو من أهل الاختبار والتمحيص، دون من خُلِق بشهوة دون عقل كالحيوان ، ودون من خُلق بعقل دون شهوة كالملائكة.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

فإن الله سبحانه خلق خلقَه أطوارًا، فخلق الملائكة عقولًا لا شهوات لها ولا طبيعة تتقاضى منها خلاف ما يراد من مادة نورية لا تقتضي شيئًا من الآثار والطبائع المذمومة، وخلق الحيوانات ذوات شهوات لا عقول لها وخلق الثقلين الجن والإنس وركب فيهم العقول والشهوات والطبائع المختلفة لآثار مختلفة بحسب موادها وصورها وتركيبها، وهؤلاء هم أهل الامتحان والابتلاء، وهم المعرضون للثواب والعقاب، ولو شاء سبحانه لجعل خلقه على طبيعة خلق واحد ولم يفاوت بينهم، لكن ما فعله سبحانه هو محض الحكمة، وموجب الربوبية، ومقتضى الإلهية.

” طريق الهجرتين ” ( ص 203 ).

ثالثًا:

والملائكة الكرام خلقٌ من خلق الله تعالى، عبادٌ مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤمرون، يكلفهم ربهم تعالى بما يشاء، وإذا علمتَ تلك الوظائف والأعمال التي يقوم بها أولئك الخلق الكرام فهي الحكمة من خلقهم، ومجمل هذه الأعمال والوظائف ثلاثة:

الأولى: عبادة الله تعالى، وتمجيده، وتعظيمه، وتسبيحه.

قال تعالى: ( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ ) الأنبياء/ 20، وقال تعالى – على لسان الملائكة الكرام -: ( وَإنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ. وَإِنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ ) الصافات/ 165، 166.

عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ ). رواه الترمذي ( 2312 ) وابن ماجه ( 4190 )، وحسَّنه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

الثانية: القيام بأمر خلق الله تعالى وملكوته تعالى بإذن ربهم وتكليفه.

فمن الملائكة مكلفون بحمل العرش وعددهم ثمانية، ومنهم مكلفون بتبليغ الوحي، ومنهم خزنة الجنة، ومنهم خزنة النار، ومنهم ملائكة الأرزاق، وهكذا في سلسلة أعمال جليلة كلفهم بها الرب سبحانه وتعالى.

الثالثة : القيام بأمر بني آدم بإذن ربهم وتكليفه.

فمن الملائكة من يحرس بني آدم، ومنهم من يسجل أعمال بني آدم، ومنهم مكلفون بقبض الأرواح، ومنهم المكلف بسؤال الميت في قبره، والمستغفر للمؤمنين، وهكذا في سلسلة أعمال جليلة تتعلق بابن آدم.

رابعًا:

وأما قولك ” وهل عندما خلق الله إبليس كان يعرف نهايته ومستقبله في الأرض؟ “:

فإن كنت تقصد بقولك ” كان يعرف ” أي: إبليس: فلا يظهر هذا، وليس ثمة ما يدل عليه.

وإن كنت تقصد به الرب سبحانه وتعالى:

فإنه – أولًا – لا يقال في حق الله تعالى ” يعرف ” بل يقال ” يعلم “؛ لأن المعرفة يسبقها جهل، وعلم الله تعالى لم يُسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان.

ثم اعلم أنه لا يصح إسلام العبد إلا أن يؤمن أن الله تعالى يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون؟ فكيف يخطر ببالك مثل هذا السؤال إن كنت مسلمًا؟! ألست تقرأ قول الله تعالى ( عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) سبأ/ 3، وقوله تعالى ( لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ) الطلاق/12، وقوله ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ) المجادلة/ 7، وقوله ( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) الحديد/ 3؟! فأين أنت عن هذه الآيات ومئات مثلها، ومئات من الأحاديث؟!.

ولولا سؤالك الآخر بعد هذا لقلنا إن المقصود في قولك ” كان يعرف ” يعود – جزمًا – على ” إبليس “، ولذا جعلنا الأمر محتملًا، ونرجو أن لا يخيب ظننا بك، وأنك لم تقصد بسؤالك الرب سبحانه وتعالى.

خامسًا:

وأما قولك ” وهل لم يستطع الله خلق إبليس على الهدى الذي أراده له؟ “: فهذا أيضًا منك عجيب، فإن كنتَ مسلماً فكيف آمنتَ برب عاجز؟ وكيف آمنت – إذًا – بربٍّ خلق الملائكة عبادًا طائعين فكان ما أراد الله تعالى منهم؟.

وقد ذكرنا لك في أول الجواب كيف اختلف خلق إبليس وآدم عن خلق الملائكة، فكان الملائكة مكلفين بما لا يمكن أن يكون منهم عصيان لربهم تعالى؛ لعدم وجود شهوة في خلقهم، وكان خلق الجن والإنس بخلاف ذلك، لذا عصى آدم ربَّه تعالى، وعصى إبليس ربَّه تعالى، فكان من آدم التوبة فحصل له من الحال أعظم مما كان قبل، وحصل من إبليس الجحود والإصرار على المعصية.

واعلم أن كل من ضلَّ عن سواء السبيل ممن هو معرَّض للعقوبة يوم القيامة أنه قد جاءه الهدى، وأنه هو الذي أباه واستكبر عن اتباعه، فهداية الدلالة والإرشاد قد وصلتهم، وأقام بها الله تعالى الحجة عليهم، لكنهم أبوا الانقياد لها واتباعها، فحصل منهم الضلال، كما قال تعالى – في شأن ثمود – ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) فصلت/ 17.

* قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ( فَهَدَيْناهُمْ ) المراد بالهدى فيه: هدى الدلالة والبيان والإرشاد، لا هدى التوفيق والاصطفاء.

والدليل على ذلك: قوله تعالى بعده: ( فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى )؛ لأنها لو كانت هداية توفيق: لما انتقل صاحبها عن الهدى إلى العمى.

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ( فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) أي: اختاروا الكفر على الإيمان، وآثروه عليه، وتعوضوه منه ….

( وَأَما ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ ) أي: بينَّا لهم طريق الحق، وأمرناهم بسلوكها، وطرق الشر ونهيناهم عن سلوكها، على لسان نبينا صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

( فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ) أي: اختاروا الكفر على الإيمان بعد إيضاح الحق لهم. ” أضواء البيان ” ( 7 / 19 ).

وهو عين ما حصل مع إبليس، حيث هداه الله تعالى هداية الإرشاد، لكنه استحب الكفر على الإيمان الذي كان عليه، فاستحق اللعنة وسوء الدار.

ونوصيك أيها السائل بطلب العلم، وبمعرفة ما ينفعك في دينك وقربك من ربك عزَّ وجل، وابذل وقتك في حفظ القرآن وأكثر من النظر في أحاديث نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واطلع على تراجم سلف هذه الأمة وعلمائها، وسترى – بإذن الله – خيرًا كثيرًا، فساعات العمر أنفس من أن نضيعها فيما لا نفع فيه، والعمر محدود أن نفرط فيه فيما قد يضرنا يوم نلقى ربنا تعالى.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة