أصيبت بمرض نفسي ثم قتلت نفسها فهل تعد منتحرة؟

السؤال

لديَّ سؤال يتعلق بالانتحار، حيث قامت إحدى صديقات أسرتنا بالانتحار، لكن ذلك لم يكن بسبب أمر محدد، حيث أنها كانت تعاني من اضطراب ضغط ما بعد الصدمة، وبالرغم من أنه يبدو كضغط عادي فإنه يمكن أن يؤثر على المخ سلبا ويقنعه بفعل أشياء لم يكن الشخص ليفعلها وهو في حالته الطبيعية كما لو أنه يتحكم فيها تقريبا، فهل تكون مع من انتحروا بسبب فقدهم الأمل؟ أم أن حكمها يكون مختلف لوجود اضطراب عقلي، نفسي، في رأسها؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق ) رواه أبو داود ( 4403 ) والترمذي ( 1423 ) والنسائي ( 3432 ) وابن ماجه ( 2041 ).

فإلى أية جماعة ينتمي من انتحر بسبب معاناته من اضطراب نفسي  كاضطراب ضغط ما بعد الصدمة؟ إلى المذنبين أم إلى من رفع القلم عنهم؟.

الجواب

الحمد لله

أولا:

الانتحار كبيرة من كبائر الذنوب، توعد الله تعالى عليه بالعقوبة الغليظة، ومن قتل نفسه بشيء في الدنيا: عُذِّب به في الآخرة.

وما يصيب المسلم من أمراض عضوية، كالسرطان، أو نفسية، كالاكتئاب، ولا يستطيع الصبر عليها: لا يبيح له أن يقتل نفسه.

ثانيا:

قد يصاب المسلم بأمراض نفسية أو عضوية فتؤثر في عقله تأثيرا بالغا حتى لا يدري ما يقول ولا ما يفعل، فمثل هذا إن حصل منه قتل لنفسه: فلا يكون مع المذنبين الواقعين في كبيرة الانتحار، بل يكون معذورا؛ وذلك لوجود عارض من عوارض الأهلية تمنع من مخاطبته بالتكاليف الشرعية، وعليه: فلا يؤاخذ في الذنوب التي يقترفها مما تكون بينه وبين ربِّه، وأما ما يفعله مما يترتب عليه حقوق للآخرين: فإن لهم المطالبة بها من أوليائه.

وعليه: فإذا كان ما أصاب صديقة أسرتك من اضطراب نفسي قد أثَّر على عقلها فلم تعد تدري ما تقول أو تفعل: فيكون لها حكم من أصيب بالجنون، وتكون معذورة غير آثمة في قتل نفسها؛ لرفع قلم السيئات عنها وهي في تلك الحال.

عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظْ، وَعَنْ الصَّغِيرِ حتَّى يَكْبُر، وَعَن المَجْنونِ حتَّى يعْقِل – أَوْ يَفِيق … َ – “. رواه أبو داود ( 4392 ) والنسائي ( 3432 ) وابن ماجه ( 2041 )، وصححه الشيخ الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 16 / 99 ) – في تعريف الجنون -:

وأما في الاصطلاح: فقد عرفه الفقهاء والأصوليون بعبارات مختلفة منها:

– أنه: اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهجه إلا نادرا.

– وقيل: الجنون اختلال القوة المميزة بين الأشياء الحسنة والقبيحة المدركة للعواقب بأن لا تظهر آثارها, وأن تتعطل أفعالها.

– وعرَّفه صاحب البحر الرائق بأنه: اختلال القوة التي بها إدراك الكليات.  انتهى.

* وأما من حيث الأحكام المترتبة على تصرفات من به جنون: فقد جاء في ” الموسوعة الفقهية ” ( 16 / 101 ):

الجنون من عوارض أهلية الأداء، وهو يزيلها من أصلها, فلا تترتب على تصرفاته آثارها الشرعية; لأن أساس أهلية الأداء في الإنسان: التمييز والعقل, والمجنون عديم العقل والتمييز.

ولا يؤثر الجنون في أهلية الوجوب; لأنها ثابتة لكل إنسان, فكل إنسان أيا كان له أهلية الوجوب; لأن أهليته للوجوب هي حياته الإنسانية.

وما وجب على المجنون بمقتضى أهليته للوجوب من واجبات مالية: يؤديها عنه وليه، فإذا جنى على نفس أو مال: يُؤاخذ ماليّا لا بدنيّا, ففي القتل يضمن دية القتيل ولا يقتص منه, لقول علي رضي الله عنه: ” عمد الصبي والمجنون خطأ “، وكذلك يضمن ما أتلفه من مال الغير. انتهى.

وأما إن كان ذلك الضغط النفسي على صديقة أسرتكم لم يكن له تأثير على عقلها، وإنما هي آثار نفسية، وتدري معه ما تقول وما تفعل، وتميز بين الحسن والقبيح، وتفرق بين الخطأ والصواب: فلا تكون معذورة بقتل نفسها، بل هي مؤاخذة على فعلها، ونسأل الله أن يعفو عنها، وأن يخفف على أهلها مصيبتهم ويؤجرهم عليها.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة