هل يجوز له ربط لحيته ليكف عن نفسه أذى سخرية الناس من طولها؟

السؤال

لقد أعفيت لحيتي – والحمد لله – اتباعا لتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم، لكني أعمل في شركة غير مسلمة، وسبحان الله فإنه يُنظر إلى اللحية غير المهذبة باحتقار ليس فقط بين غير المسلمين لكن أيضا بين المسلمين ( ربما لأن العلماء لم يقوموا بأداء واجبهم بإخبار الناس بالحكم الشرعي للحية وهم أنفسهم يهذبون لحيتهم بل أنهم حتى يقومون بحلاقة جزء منها ) ولكي أتجنب الأذى ولكي أتدبر أمر لحيتي: جمعتُها معاً برباط مطاطي، وطويتها تحته حتى تبدو أقصر ومهذبة، وهذه الطريقة مفيدة في الألعاب الرياضية أيضا؛ لأنها تجمع اللحية، وتقلل من فرص الإمساك بها وسحبها، والآن يبدو أن هناك حديثاً يمنع ربط اللحية لكن قال أحد الإخوة إن ربط اللحية في هذا الحديث يشير إلى الربط بسبب وجود اعتقادات خرافية، فما هو فهم العلماء الصحيح للحديث ورأيهم فيمن ربط اللحية دون أسباب خرافية؟.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله أن يعفو عنا وعنك، وأن يوفقنا وإياك لما يحب ويرضى، وأن يكتب لك أجر حبك لسنَّة نبيك صلى الله عليه وسلم واتباعك لها.

ثانيا:

قد ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة.

ثالثًا:

والاستهزاء والسخرية من الكفار متوقع، وليس بعد الكفر ذنب، لكن من يفعل ذلك من المسلمين فليعلم أنه يلحق بأولئك الكفار فيصير مثلهم! وقد أجمع أهل العلم على أن الاستهزاء والسخرية بشيء من شعائر الله تعالى الثابتة كفر مخرج من الملَّة، فليتنبه أولئك المستهزئون لأنفسهم وليحافظوا على دينهم ولا يضيعوه اتباعا للهوى والشيطان وإرضاء لشياطين الإنس.

قال الله تعالى: ( يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ . وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ . لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ) التوبة/ 64 – 66.

* قال أبو بكر الجصاص – رحمه الله -:

فيه الدلالة على أن اللاعب والجاد سواء في إظهار كلمة الكفر على غير وجه الإكراه؛ لأن هؤلاء المنافقين ذكروا أنهم قالوا ما قالوا لعبا، فأخبر الله عن كفرهم باللعب بذلك.

وروي عن الحسن وقتادة أنهم قالوا في غزوة تبوك: ” أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات ” فأطلع الله نبيَّه على ذلك، فأخبر أن هذا القول كفر منهم على أي وجه قالوه من جِدٍّ، أو هزل.

فدلَّ على استواء حكم الجاد والهازل في إظهار كلمة الكفر، ودل أيضا على أن الاستهزاء بآيات الله وبشيء من شرائع دينه كفر مِن فاعله.

” أحكام القرآن ” ( 4 / 348 ، 349 ).

رابعًا:

واعلم أن الحديث الذي تشير إليه في المنع من ربط اللحية هو:

عن رُوَيْفِعَ بْنِ ثَابِتٍ قال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( يَا رُوَيْفِعُ لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِي فَأَخْبِرْ النَّاسَ أَنَّهُ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ ). رواه أبو داود ( 36 ) والنسائي (5067) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

ونبشرك أن ما ذكره العلماء في تفسير المنع الوارد في ربط اللحية لا ينطبق على السبب الذي ربطتها من أجله، وأما أقوال العلماء في شرح الحديث فإليك النقل الموثق عنهم:

* قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – :

قوله: ( أن من عقد لحيته ) عقد اللحية اختلف العلماء في تفسيره:

منهم من قال: عقد اللحية عادة عند الفُرس، أنهم كانوا عند الحروب يعقدون لحاهم تكبّرا وتجبّرا، ونحن قد نهينا عن التشبّه بالكفّار.

والقول الثاني: المراد به عقد اللحية في الصلاة؛ لأن هذا من العبث في الصلاة، والحركة في الصلاة، وهذا مكروه في الصلاة؛ لأنه يدل على عدم الخشوع.

القول الثالث: أن المراد بعقد اللحية ما يفعله أهل الترف من تجعيد لحاهم وتحسينها وكدّها، حتى تتجعّد، يقصدون بها الجمال، فهذا يكون من الترف.

نعم، لا بأس أن اللحية تصلح، وأنها تُنظّف، وأنها تُكرم، لكن لا يصل هذا إلى حد الإسراف. ” إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ” ( ص 152 ).

ولا تخرج تفسيرات العلماء عن هذه التفسيرات، فانظر ” شرح السنة ” ( 11 / 28 ) للإمام البغوي، ” معالم السنن ” ( 1 / 27 ) ، ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 9 / 178 ).

وبه يتبين أنه لا حرج في ربط لحيتك لما ذكرتَه من سبب، ولا يدخل ما تفعله في النهي الوارد في الحديث، وبما تفعله تدفع عن نفسك أذى الاستهزاء والسخرية.

وننصحك – أخي السائل – بالخروج من بيئتك لبيئة تستطيع فيها إظهار شعائر دينك، وتجد فيها على الحق أعوانا، واحذر من الاستجابة للضغط فتحلق اللحية أو تخففها فكلاهما من المحرَّمات.

 

والله أعلم.

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة