طائفة من مسائل متنوعة في ” الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم “

السؤال

أعلم أنه ينبغي على الشخص أن يصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع اسمه، ولكن ماذا لو سمع لقبًا من ألقاب الاحترام والتبجيل التي تطلق عليه صلى الله عليه وسلم مثل: الطيب، أو الحبيب، أو كما يطلق هنا في الهند ” حضور “؟ فهل تلزم الصلاة هنا أيضًا؟ وماذا لو سمع ضمير الغائب المقصود به النبي صلى الله عليه وسلم؟ وماذا لو رأى الشخص اسم النبي صلَّى الله عليه وسلم مكتوبًا كتابةً هل يصلِّي عليه؟.

الجواب

الحمد لله

هذه مسائل متنوعة في أحكام الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيها الإجابة على أسئلة الأخ السائل وزيادة، نسأل الله أن ينفع بها:

  1. على المسلم أن يجمع للنبي صلى الله عليه وسلم بين الصلاة والتسليم؛ لقوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) الأحزاب/ 56.

قال الإمام النووي – رحمه الله -:

إذا صلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم: فليجمع بين الصلاة والتسليم، ولا يقتصر على أحدهما، فلا يقل ” صلى الله عليه ” فقط ، ولا ” عليه السلام ” فقط.

” الأذكار ” ( ص 117 ).

  1. اختلف العلماء في حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عندما يُذكر اسمه، فذهبت طائفة منهم إلى وجوب الصلاة عليه، وقال الجمهور بأنه مستحب، وهو الصواب.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

وقد اختُلف في وجوبها كلما ذُكر اسمُه فقال أبو جعفر الطحاوي وأبو عبد الله الحلِيمي: تجب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه، وقال غيرهما: إن ذلك مستحب وليس بفرض يأثم تاركه. ” جلاء الأفهام ” ( ص 382 ).

والراجح: الاستحباب، ويدل على نفي الوجوب وجوه:

أحدها: أنه من المعلوم الذي لا ريب فيه أن السلف الصالح الذين هم القدوة لم يكن أحدهم كلما ذُكر النبي صلى الله عليه وسلم يقرن الصلاة عليه باسمه، وهذا في خطابهم للنبي صلى الله عليه وسلم اكثر من أن يُذكر؛ فإنهم كانوا يقولون: ” يا رسول الله ” مقتصرين على ذلك، وربما كان يقول أحدهم ” صلى الله عليك “، وهذا في الأحاديث ظاهر كثير، فلو كانت الصلاة عليه واجبة عند ذِكره: لأنكر عليهم تركها.

الثاني: أن الصلاة عليه لو كانت واجبة كلما ذُكر: لكان هذا من أظهر الواجبات ولبيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم لأمَّته بيانًا يقطع العذ، وتقوم به الحجة.

الثالث: أنه لا يُعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم هذا القول، ولا يُعرف أن أحدًا منهم قال به، وأكثر الفقهاء – بل قد حكي الإجماع – على أن الصلاة عليه ليست من فروض الصلاة، وقد نسب القول بوجوبها إلى الشذوذ ومخالفة الإجماع السابق – كما تقدم – فكيف تجب خارج الصلاة؟!.

الرابع: أنه لو وجبت الصلاة عليه عند ذكره دائمًا: لوجب على المؤذن أن يقول ” أشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم “! وهذا لا يُشرع له في الأذان فضلا أن يجب عليه.

الخامس: أنه كان يجب على من سمع النداء وأجابه أن يصلي عليه، وقد أمر السامع أن يقول كما يقول المؤذن، وهذا يدل على جواز اقتصاره على قوله ” أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله “، فإن هذا مثل ما يقول المؤذن.

السادس: أن التشهد الأول ينتهي عند قوله ” وأشهد أن محمَّدًا عبده ورسوله ” اتفاقًا…. .  انتهى.

نقلناها مختصرةً من ” جلاء الأفهام ” ( ص 393 ، 394 ).

  1. ومما لا شك فيه أن القول بالاستحباب لا ينافي القول بالوجوب لمرة واحدة في العمر، ولا نظن مسلمًا لم يصلِّ في حياته على نبيه صلى الله عليه وسلم، فالمصلون لا تخلو صلاتهم من الصلاة على نبيهم، وخارج الصلاة لا تخلو حياة مسلم من الصلاة على نبيهم صلى الله عليه وسلم.

قال ابن القيم – رحمه الله -:

تجب الصلاة عليه في العمر مرة واحدة؛ لأن الأمر المطلق لا يقتضي تكرارًا، والماهية تحصل بمرَّة، وهذا محكي عن أبي حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي، قال عياض: وابن عبد البر: وهو قول جمهور الأمة.

” جلاء الأفهام ” ( ص 382 ).

  1. وقد اختلف العلماء في مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد الأول في الصلاة على قولين:

القول الأول: مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قول الشافعي وابن حزم رحمهما الله، وقد اختار هذا القول الشيخ عبد العزيز بن باز والألباني رحمهما الله.

القول الثاني: أنه يقتصر على قراءة التشهد إلى الشهادتين، ولا يزيد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قول جمهور الفقهاء، وقد اختار هذا القول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.

  1. واختلف أهل العلم في حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، وذلك على أقوال: فالجمهور على استحبابها، وقيل بأنها ركن، وقيل بأنها واجبة، وهو ما رجحناه في جواب سابق.
  2. سماع اسمه صلى الله عليه وسلم ” أحمد ” أو أو أي صفة تدل عليه مثل ” المصطفى “، أو ” خاتم النبيين “، أو ” سيد المرسلين “: كل ذلك له حكم سماع اسمه صلى الله عليه وسلم ” محمد “، فيصلَّى عليه عندما تُذكر.

قال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

فينبغي للمؤمن أن يتبع ذِكره – صلى الله عليه وسلم – بالصلاة عليه، فإذا قال: ” قال رسول الله ” يقول: ” صلى الله عليه وسلم “، وإذا قال: ” عن رسول الله “، يقول: ” صلى الله عليه وسلم “، وإذا مرَّ ذِكره وهو يسمع: صلَّى عليه – عليه الصلاة والسلام -. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 373 ).

  1. سماع الضمير العائد على النبي صلى الله عليه وسلم يقوم مقام سماع الاسم الصريح.

سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

بعض الناس إذا أراد أن ينسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم شيئًا يقول: ” قال صلى الله عليه وسلم “، ولا يقول ” قال الرسول صلى الله عليه وسلم ” أو ” قال محمد صلى الله عليه وسلم ” ففي مثل هذه هل يقال ” آمين ” أم يقال ” صلى الله عليه وسلم “؟.

فأجاب:

هنا لا شك أن الضمير في ” قال ” يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والظاهر: أن الضمير كالمذكور، فعليه: يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل ( رغم أنف امرئٍ ذُكرتَ عنده فلم يصلِ عليك ).

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 15 ، وجه ب ).

  1. لا فرق بين سماع الاسم أو الصفة للنبي صلى الله عليه وسلم وبين قراءة ذلك في صحيفة أو كتاب؛ إذ القراءة لها حكم السماع.

قال النووي – رحمه الله -:

يستحب لقارئ الحديث وغيره ممن في معناه إذا ذَكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفع صوته بالصلاة عليه والتسليم، ولا يبالغ في الرفع مبالغة فاحشة. ” الأذكار ” ( ص 117 ).

ومما يقوي أن القراءة لها حكم السماع: أن من بلغه كتاب فيه سلام عليه أنه يجب عليه الرد عليه بلسانه.

وقال – رحمه الله -:

قال الإمام أبو سعد المتولي وغيره: إذا نادى إنسانٌ إنسانًا من خلف ستر، أو حائط، فقال: السلام عليك يا فلان، أو كتب كتابا فيه: السلام عليك يا فلان، أو السلام على فلان، أو أرسل رسولًا وقال: سلِّم على فلان، فبلغه الكتاب أو الرسول: وجب عليه أن يردَّ السلام، وكذا ذكر الواحدي وغيره أيضًا أنه يجب على المكتوب إليه رد السلام إذا بلغه السلام. ” الأذكار ” ( ص 247 ).

  1. يكفي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد الذي يتكرر اسمه كثيرًا: يكفي أن يصلى عليه مرة واحدة.

قال الإمام الترمذي – رحمه الله -:

ويروى عن بعض أهل العلم قال: إذا صلَّى الرجل على النبي صلى الله عليه وسلم مرة في المجلس: أجزأ عنه ما كان في ذلك المجلس.

” سنن الترمذي ” ( 5 / 550 ).

قال المباركفوري – رحمه الله -:

” ما كان في ذلك المجلس ” أي: ما دام كان في ذلك المجلس.

” تحفة الأحوذي ” ( 9 / 372 ).

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وأما بالنسبة لمن يسمع ذِكر النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يكرر قراءة الحديث في المسجد أو في المدرسة أو في المعهد: فهذا إذا صلَّى عليه أول مرة: كفى، كما قال أهل العلم فيمن تكرر دخوله إلى المسجد أنه إذا صلى تحية المسجد أول مرة وهو عارفٌ من نفسه أنه سيتكرر دخوله: فإنه يكتفي بذلك.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 15 ، وجه ب ).

  1. من أمَّن على من صلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم: فله حكم وأجرالصلاة عليه؛ لأن الصلاة دعاء وليست ثناء.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ثم إن المدرس غالبًا يقول: ” قال النبي صلى الله عليه وسلم ” أو ” عن النبي صلى الله عليه وسلم “، وهذا القائل إذا قال ” صلى الله عليه وسلم “: فإنه يكون قد دعا الله أن يصلِّي على نبيه فوظيفة المستمع في مثل هذا: أن يقول آمين، ويكون قوله ” آمين ” كقوله ” صلى الله عليه وسلم “؛ لأن الداعي والمؤمِّن كليهما داعيان كما قال الله تعالى عن موسى ( رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ ) قال الله تعالى: ( قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) فتمت دعوتكما أي الداعيين قال أهل العلم وكان موسى يدعو وهارون يؤمن.

وعليه: إذا سمعت قائلًا يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم فقلت آمين فكأنما قلت ” صلى الله عليه وسلم “؛ لأنك أمنت على دعاء المتكلم.

نعم، إذا كان الإنسان يظن أن هذا المتكلم قال ” صلى الله عليه وسلم ” جريًا على العادة ولم يستحضر الدعاء: فحينئذٍ نقول: السامع يقول ” صلى الله عليه وسلم ” ولا يؤمِّن إذا علم أن قول هذا المتكلم ” صلى الله عليه وسلم ” درجت على لسانه بدون قصد، فكأنه لم يدع بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لو علم أن المتكلم إنسانٌ فطنٌ وأنه كلما قال ” صلى الله عليه وسلم ” يشعر أنه يدعو الله بأن يصلِّي على نبيه ويسلم: فإنه يكتفي بقول ” آمين “. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 15 ، وجه ب ).

  1. إذا سمع المصلي الإمام يقرأ قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) الأحزاب/ 56: فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم إن وقف الإمام في القراءة أو أراد الركوع، استحبابًا، وأما إن قرأها المصلي نفسُه: فيصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كان في صلاة فرض أو نافلة.

روى ابن أبي شيبة في ” مصنفه ” ( 2 / 211 ) عن مغيرة قال: قلت لإبراهيم – أي النخعي -: أسمع الرجل وأنا أصلي يقول: ( إن الله وملائكته يصلون على النبي )، أأصلي عليه؟ قال: نعم، إن شئت.

وعن الحسن – أي: البصري – قال: إذا قال الرجل في الصلاة: ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ): فليصل عليه.  انتهى.

وقال المرداوي – رحمه الله -:

لو قرأ آية فيها ذِكر النبي صلى الله عليه وسلم: فإن كان في نفل فقط: صلَّى عليه، نص عليه، وهذا المذهب، جزم به ابن تميم وقدَّمه في ” الفروع ” وقال: وأطلقه بعضهم.

قال ابن القيم في كتابه ” الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم “: المنصوص: أنه يصلي عليه في النفل فقط.

وقال في ” الرعاية الكبرى ” و ” الحاوي “: وإن قرأ آية فيها ذِكره صلوات الله وسلامه عليه: جاز له الصلاة عليه، ولم يقيداه بنافلة، قال ابن القيم: هو قول أصحابنا.  ” الإنصاف ” ( 2 / 80 ).

  1. وللوقوف على معنى الصلاة والسلام عليه: انظر في أجوبتنا الأخرى.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة