النصح لمن اشتغل بتفضيل عالم على آخر في المنزلة والعلم

السؤال

يا شيخنا العزيز رأينا مؤخرا أناسا يدخلون في مناظرات حيث يرفع بعض الناس أناسا آخرين فوق الأئمة الأربعة، فهناك على سبيل المثال من يرفع ابن تيمية فوق الإمام الشافعي ومالك وأحمد، وهناك الآن من يقول بأن هناك أئمة الآن أفضل من ابن تيمية، كيف يمكن لهذا أن يكون صحيحا؟ أرجو أن تجيبوا بشيء من التفصيل.

الجواب

الحمد لله

  1. لا شك ولا ريب في وجود تفاوت بين الناس، والعلماء من الناس الذين تتفاوت درجتهم ومنزلتهم، كما يتفاوت علمهم، وإذا علمنا أن الأنبياء عليهم السلام يتفاوتون لم يكن مستغربا وجود تفاوت بين العلماء، قال تعالى: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) البقرة/ 253.
  2. أما التفاوت في الفضل والمنزلة عند الله تعالى: فلا يحل لأحدٍ أن يتجرأ على القول به؛ لأن ذلك من الغيب الذي لم يُطلعه الله تعالى على ذلك المفضِّل، فليوكل أمر ذلك إلى العالم بخلقه عز وجل فهو المطلع على إخلاص الخلق وصدقهم، وهو العالم بالأقرب منهم إليه سبحانه وتعالى.
  3. وأما التفاوت بين العلماء في العلم: فإن الحكم عليه ليس للعوام، ولا للجهلة، ولا للمقلدين، ولا للمتعصبين، وإن حكم هؤلاء لا قيمة له ولا وزن ولا اعتبار، وإنما الحكم لأهل العلم الذين صدقوا مع أنفسهم في حكمهم، ولم نرهم اشتغلوا بتصنيف الناس أيهم أكثر علما إلا لمناسبة اقتضت ذلك، ولم يكن ذلك منهم على سبيل التنقص من الآخر.

* قال تاج الدين السبكي – رحمه الله -:

الدخول بين أئمة الدين والتفضيل بينهم لمن لم يبلغ رتبتهم: لا يحسن،  ويخشى من غائلته في الدنيا والآخرة،  وقلَّ من استعمله فأفلح … وربما كان سببا إلى الوقيعة في العلماء الموجبة لخراب الديار. ” الأشباه والنظائر ” ( 2 / 328 ).

  1. وقد كان العقلاء من العلماء يعرفون للعلماء – وخاصة من السلف المتقدمين – فضلهم وعلمهم، فلم يكونوا يدخلون العوام في متاهات التفضيل، وكانوا يحطون من قدر أنفسهم ويعلون من قدر من سبقهم من أهل العلم.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وأهل العلم النافع على ضد هذا، يسيئون الظن بأنفسهم، ويحسنون الظن بمن سلف من العلماء، ويقرون بقلوبهم وأنفسهم بفضل من سلف عليهم، وبعجزهم عن بلوغ مراتبهم والوصول إليها أو مقاربتها، وما أحسن قول أبي حنيفة وقد سئل عن علقمة والأسود أيهما أفضل؟ فقال: واللَه ما نحن بأهلٍ أن نذكرهم فكيف نفضل بينهم.

* وكان ابن المبارك إذا ذكَر أخلاق من سلف ينشد:

لا تُعرِض بِذِكرِنا مَع ذِكرِهِم … لَيسَ الصَحيحُ إِذا مَشى كَالمُقعَدِ

” فضل علم السلف على الخلف ” ابن رجب ( ص 9 ) ترقيم الشاملة.

  1. وبعض الجهلة المعاصرين ظنَّ من أكثر من تسويد الصفحات وأكثر من التصنيف أنه قد فاق من قبله في العلم ! وأنه قد سبقهم في المعرفة والاطلاع، وهذا لا ريب أنه باطل، وإن شيخه الذي حكم له بذلك لا يرضى بحكمه الجائر، وظننا أنه يوبخه ويعزره لو علم أنه يفضله في العلم – فضلا عن المنزلة – على سلف هذه الأمة.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض مَن توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم، فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله! ومنهم من يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين! وهذا يلزم منه ما قبله؛ لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولاً ممن كان قبلهم، فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله: كان أعلم ممن كان أقل منهم قولاً بطريق الأولى، كالثوري، والأوزاعي، والليث، وابن المبارك، وطبقتهم، وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضا.

فإن هؤلاء كلهم أقل كلاما ممن جاء بعدهم، وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح، وإساءة ظن بهم، ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولقد صدق ابن مسعود في قوله في الصحابة أنهم أبر الأمَّة قلوبا، وأعمقها علوما، وأقلها تكلفا، وروي نحوه عن ابن عمر أيضا، وفي هذا إشارة إلى أن مَن بعدهم أقل علوما وأكثر تكلفا.

وقال ابن مسعود أيضا: ” إنكم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه فمن كثر علمه وقلَّ قوله فهو الممدوح ومن كان بالعكس فهو مذموم “، وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل اليمن بالإيمان والفقه وأهل اليمن أقل الناس كلاما وتوسعا في العلوم لكن علمهم علم نافع في قلوبهم ويعبرون بألسنتهم عن القدر المحتاج إليه من ذلك، وهذا هو الفقه والعلم النافع فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث والكلام في الحلال والحرام: ما كان مأثورا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى أن ينتهي إلى أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم الذين سميناهم فيما سبق.

” فضل علم السلف على الخلف ” ( ص 5 ) ترقيم الشاملة.

  1. ولما سبق – جميعه -: لا يجوز للمسلم أن يشتغل بتصنيف العلماء أيهم أكثر علما، وليدع ذلك لأهل الاختصاص، وما رأينا تفضيلاً من العامة وأشباههم إلا ومعه تنقيص لآخرين من أهل العلم والفضل، وفي ذلك اشتغال بما يضر صاحبه، مع ما فيه من تضييع للأوقات، فأولئك العلماء وصلوا إلى ما وصلوا إليه بتوفيق الله لهم بإخلاصهم، واجتهادهم، وتعبهم على أنفسهم ببذل الأوقات في التعلم، وبذل الأجساد في الرحلة، وبذل الأموال في شراء الكتب، فليشتغل هؤلاء المفضلون بما اشتغل به أولئك الأعلام، وليكن منهم الثناء والتبجيل لكل من خدم دين الله تعالى، وعلَّم الناس العلم النافع، فالعلماء ورثة الأنبياء، ولا ينتظر أولئك الورثة إلا ما يستحقونه الاعتراف بفضلهم وعلمهم وأثرهم الحسن على الناس.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة