التعليق على ما انتشر من قصة خلق حواء من آدم وهو نائم!

السؤال

انتشرت مؤخرًا بعض المعلومات التي تخبر عن كيفية خلق الله لحواء، أريد تعليقكم حول الموضوع، والأدلة على صحته من الكتاب والسنَّة – هذا إذا كان صحيحًا -.

أنقل لكم الموضوع كما وجدته في المنتديات:

حين خلق الله آدم عليه السلام كان هو أول بشري وُجد، كان يسكن الجنة، وبالرغم من كل ما هو موجودٌ هناك استوحش، فحين نام خلق الله حواء من ضلعه.

يا تُرى ما السبب؟.

لِم خُلقت حواء من آدم وهو نائم؟! لِم لم يخلقها الله من آدم وهو مستيقظ؟! أتعلمون السبب؟ يُقال: إن الرجل حين يتألم يكره، بعكس المرأة التي حين تتألم تزداد عاطفةً وحبّاً! فلو خٌلقت حواء من آدم عليه السلام وهو مستيقظ: لشعر بألم خروجها من ضلعه وكرِهها، لكنها خُلقت منه وهو نائم حتى لا يشعر بالألم فلا يكرهها، بينما المرأة تلد وهي مستيقظة، وترى الموت أمامها، لكنها تزداد عاطفة وتحب مولودها؟ بل تفديه بحياتها.

لنعدْ إلى آدم وحواء، خُلقت حواء من ضلعٍ أعوج، من ذاك الضلع الذي يحمي القلب،  أتعلمون السبب؟ لأن الله خلقها لتحمي القلب، هذه هي مهنة حواء، حماية القلوب، فخُلقت من المكان الذي ستتعامل معه، بينما آدم خُلق من تراب لأنه سيتعامل مع الأرض،  سيكون مزارعًا و بنّاءً وحدّادًا ونجَّارًا، لكن المرأة ستتعامل مع العاطفة، مع القلب، ستكون أمًّا حنونًا، وأختًا رحيمًا، وبنتًا عطوفًا، وزوجةً وفية.

خرجنا عن سياق قصتنا.

لنعدْ الضلع الذي خُلقت منه حواء أعوج!.

يُثبت الطب الحديث أنه لولا ذاك الضلع لكانت أخف ضربة على القلب سببت نزيفًا، فخلق الله ذاك الضلع ليحمي القلب، ثم جعله أعوجًا ليحمي القلب من الجهة الثانية، فلو لم يكن أعوجاً لكانت أهون ضربة سببت نزيفًا يؤدي – حتمًا – إلى الموت، لذا على حواء أن تفتخر بأنها خُلقت من ضلعٍ أعوج!.

وعلى آدم أن لا يُحاول إصلاح ذاك الاعوجاج؛ لأنه وكما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إن حاول الرجل إصلاح ذاك الاعوجاج كسرها، ويقصد بالاعوجاج هي العاطفة عند المرأة التي تغلب عاطفة الرجل، فيا آدم لا تسخر من عاطفة حواء فهي خُلقت هكذا، وهي جميلةٌ هكذا وأنتَ تحتاج إليها هكذا، فروعتها في عاطفتها فلا تتلاعب بمشاعرها.

ويا حواء لا تتضايقي إن نعتوكِ بناقصة عقل فهي عاطفتكِ الرائعة التي تحتاجها الدنيا كلها، فلا تحزني أيتها الغالية فأنتِ تكادِ تكونين المجتمع كله فأنتِ نصف المجتمع الذي يبني النصف الآخر.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

هذه المعلومات بذاك التفصيل لم ترد في القرآن ولا في السنَّة، وأصلها مأخوذ من حكايات إسرائيلية، والزيادات والإضافات لا أصل لها حتى في كتب بني إسرائيل.

وقد روى الطبري – وغيره – عن محمد بن إسحاق ما يبين أن أصل القصة مأخوذ من بني إسرائيل.

فقد روى الطبري في ” تفسيره ” ( 1 / 514 ) عن ابن إسحاق قال: لما فرغ الله من مُعاتبة إبليس أقبل على آدم وقد علّمه الأسماء كلها فقال: ( يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) إلى قوله: ( إنك أنت العليم الحكيم )، قال: ثم ألقى السِّنةَ على آدم – فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم ، عن عبد الله بن عباس وغيره – ثم أخذ ضِلَعًا من أضلاعه من شِقِّه الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وآدم نائم لم يهبَّ من نومته، حتى خلق الله من ضِلَعه تلك زوجته حوّاء، فسوّاها امرأةً ليسكن إليها، فلما كُشِف عنه السِّنة وهبّ من نومته رآها إلى جنبه، فقال – فيما يزعمون والله أعلم-: لحمي ودمِي وزوجتي، فسكن إليها، فلما زوّجه الله تبارك وتعالى وَجعل له سكنًا من نفسه قال له قبيلًا ( يا آدم اسكنْ أنتَ وزوجك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرةَ فتكونا من الظالمين ). انتهى.

– ومعنى ” قبِيلًا ” أي: عِيانًا.

ثانيًا:

وثمة أشياء في تلك التفاصيل تحتاج لتعليق وبيان، وبعضها مؤيَّد عندنا بأدلة ثابتة في الشرع المطهر، وبعضها فيه خلاف، وقسم ثالث فيه مخالفة للشرع.

  1. قولهم ” حين خلق الله آدم عليه السلام كان هو أول بشري وُجد “: صحيح متفق عليه، فآدم عليه السلام هو أول مخلوق من البشر، وهو أبو البشرية كلها عليه السلام.
  2. قولهم ” كان يسكن الجنة، وبالرغم من كل ما هو موجودٌ هناك استوحش ” ثم ذكروا أنه خُلقت له حواء لتزول وحشته: هذا ليس متفقًا عليه، بل فيه خلاف، فثمة من أهل العلم من يقول إن حواء خُلقت بعد دخول آدم الجنة – كما ها هنا -، وثمة من يقول إنها خُلقت قبل دخوله الجنة، وهذا ظاهر القرآن.

قال ابن كثير – رحمه الله – في شرح قوله تعالى ( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) -:

وسياق الآية يقتضي أن حواء خلقت قبل دخول آدم الجنة، وقد صرَّح بذلك ” محمد بن إسحاق “، … .

ويقال: إن خلق حواء كان بعد دخوله الجنة، كما قال السدي في تفسيره، ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة … .  ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 233 ، 234 ).

وهو ما رجحه أبو الحسن الماوردي في كتابه ” أعلام النبوة ” ( ص 54 ).

  1. قولهم ” فحين نام خلق الله حواء من ضلعه “: ليس على كون حواء خلقت أثناء نوم آدم دليل من الكتاب والسنَّة، وإنما هو مأخوذ من التوراة وغيرها من كتب بني إسرائيل.

ففي ” سِفر التكوين ” ( 2 / 18 – 23 ): ” لا يَحسن أن يبقى آدم وحده، بل نخلق له زوجاً مثله، فألقى الله عليه النوم، فنام فنَزَع ضلعًا من أضلاعه، وأخلف له عوضه لحمًا، فخلق الله من ذلك الضلع حواء زوجته “.

وسبق تصريح محمد بن إسحاق أن القصة مأخوذة عن بني إسرائيل.

وقال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

جاءت هذه الزيادة عن جمع من الصحابة موقوفًا من طريق أسباط بن نَصْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ بْنِ شُرَاحَبِيلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُو :” أُخْرِجَ إِبْلِيسُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلُعِنَ ، وَأُسْكِنَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ قَالَ لَهُ: ( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ )، فَكَانَ يَمْشِي فِيهَا وَحْشِيّاً لَيْسَ لَهُ زَوْجٌ يَسْكُنُ إِلَيْهَا، فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ، وَإِذَا عِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأَةٌ قَاعِدَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ضِلْعِهِ، فَسَأَلَهَا: مَا أَنْتِ؟ قَالَتِ: امْرَأَةٌ. قَالَ: وَلِمَ خُلِقْتِ؟ قَالَتْ: لِتَسْكُنَ إِلَيَّ … ” الحديث .

أخرجه ابن منده في ” التوحيد ” ( 1 / 213 ، 214 )، وقال :” أَخْرَجَ مُسْلِمُ عَنْ مُرَّةَ، وَعَنْ السُّدِّيِّ، وَعَمْرِو بْنِ حَمَّادٍ، وَأَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ فِي ” كِتَابِهِ “، وَهَذَا إِسْنَادٌ ثَابِتٌ! “.

كذا قال! وأسباط مختلف فيه، وقال الحافظ في ” التقريب “:

” صدوق كثير الخطأ، يُغرب “.

فهو إسناد ضعيف، مع كونه موقوفًا فكأنه من الإسرائيليات.

” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 13 / 1138 ، 1139 ).

  1. وقولهم ” خلق الله حواء من ضلعه ” – أي: من ضلع آدم -: فيه خلاف بين علماء الإسلام، فمنهم من يرى هذا، وأنه حقيقة هي مخلوقة من ضلع من أضلاع آدم عليه السلام، يرى آخرون أنه لم يثبت نص في الشرع في خلق حواء من ضلع آدم، وإنما الوارد في السنة الصحيحة أنها ( خُلِقَت مِنْ ضِلَع )، وأن قوله تعالى ( وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) هو مثل قوله تعالى ( خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَل )، وإلى الأول ذهب طائفة من العلماء ورجحه علماء اللجنة الدائمة، وإلى الثاني ذهب طائفة ورجحه الشيخ الألباني.

وعمدة من قال بأن حواء مخلوقة من آدم: آية وحديث:

  1. أما الآية فقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً ) النساء/ 1.

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:

ثم لما خلقه من طين: خلق منه زوجَه حواء، كما قال في أول النساء ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) النساء/ 1، وقال في ” الأعراف ” ( وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) الأعراف/ 189، وقال في ” الزمر ” ( ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) الزمَر/ 6 ، ثم لما خلق الرجل والمرأة: كان وجود جنس الإنسان منهما عن طريق التناسل، فأول أطواره: النطفة، ثم العلقة الخ. ” أضواء البيان ” ( 5 / 322 ).

وقال – رحمه الله -:

قوله تعالى: ( وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) الآية، ذكر في هذه الآية الكريمة أنه خلق حواء من آدم ليسكن إليها، أي: ليألفها ويطمئن بها. ” أضواء البيان ” ( 2 / 46 ).

  1. وأما الحديث: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ ). رواه البخاري ( 3153 ) ومسلم ( 1468 ).

قال النووي – رحمه الله -:

وفيه دليل لما يقوله الفقهاء – أو بعضهم -: أن حواء خلقت من ضلَع آدم، قال الله تعالى ( خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها )، وبيَّن النبي صلى الله عليه و سلم أنها خلقت من ضلع. ” شرح مسلم ” ( 10 / 57 ).

وأما أصحاب القول الآخر فقد ذكروا أن قوله تعالى ( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) ليس المراد بالنفس الواحدة العين الواحدة وهو آدم عليه السلام، بل المراد بالنفس: الجنس، وقد جعل الله تعالى من هذا الجنس زوجَه، ولم يجعل زوجَه من جنس آخر، فقال تعالى ( وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا )، وإطلاق النفس وإرادة الجنس ثابت في كتاب الله تعالى، كما في قوله تعالى: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) آل عمران/ 164، أي: من جنسهم.

قال الشيخ الألباني – رحمه الله -:

وقد روى ابن سعد ( 1 / 39 ) وغيره عن مجاهد في قوله تعالى: ( وخلق منها زوجها )، قال :” خَلق ” حواء ” من قُصَيْرى آدم ” – وهو أعلى الأضلاع وأسفلها، وهما ” قٌصَيْريان ” -.

وذكر ابن كثير في ” البداية ” ( 1 / 74 ) عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ أنها خُلقت من ضلعه الأقصر الأيسر وهو نائم، ولأمَ مكانه لحمًا، وقال :” ومصداق هذا في قوله تعالى … ” فذكر الآية، مع الآية الأخرى: { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ اِلَيْهَا … ) الآية، لكن الحافظ – أي: ابن حجر – أشار إلى تمريض هذا التفسير في شرح قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( استوصوا بالنساء خيرًا فان المرأة خلقت من ضِلَع … )، فقال ( 6 / 368 ):

قيل: فيه إشارة إلى أن ” حواء ” خلقت من ضلع آدم الأيسر “.

وقال الشيخ القاري في ” شرح المشكاة ” ( 3 / 460 ): ” أي : خُلقن خلقًا فيه اعوجاج، فكأنهن خلقن من الأضلاع، وهو عظم معوج، واستعير للمعوج صورة، أو معنى، ونظيره في قوله تعالى: ( خُلق الإنسَانُ مِنْ عَجَل ) “.

قلت: وهذا هو الراجح عندي، أنه استعارة وتشبيه، لا حقيقة، وذلك لأمرين :

الأول: أنه لم يثبت حديث في خلق حواء من ضلع آدم – كما تقدم – .

والآخر: أنه جاء الحديث بصيغة التشبيه في رواية عن أبي هريرة بلفظ: ( إن المرأة كالضِلَع ” أخرجه البخاري ( 5184 )، ومسلم ( 4 / 178 )، وأحمد ( 2 / 428 و 449 و 530 ) وغيرهم من طرق عن أبي هريرة، وصححه ابن حبان ( 6 / 189/4168 – ” الإحسان “. وأحمد أيضًا ( 5 / 164 و 6 / 279 ) وغيره من حديث أبي ذر، وحديث عائشة رضي الله عنهم.” سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ” ( 13 / 1139 ، 1140).

والأقرب للصواب – والله أعلم – هو القول الأول، وهو ما رجحه علماء اللجنة الدائمة، وهو قول الأكثر من العلماء.

سئل علماء اللجنة الدائمة:

يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ( استوصوا بالنساء خيرا، فإن المرأة خلقت من ضلع ) متفق عليه.

يقول الشيخ ” شعيب الأرناؤوط ” في تحقيقه وتعليقه على كتاب ” رياض الصالحين ” للإمام النووي تحت هذا الحديث معلِّقًا على هذا الحديث بقوله: ” الكلام هنا على التمثيل والتشبيه كما هو مصرح به في الرواية الثانية: ( المرأة كالضلع )، لا أن المرأة خلقت من ضلع آدم كما توهمه بعضهم، وليس في السنة الصحيحة شيء من ذلك “.

فضيلة الشيخ:

هذا ما قاله الشيخ الأرناؤوط بالحرف الواحد، مع أن المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول بالحرف الواحد وبكل وضوح: ( إن المرأة خلقت من ضلع ) ومصداق هذا – أظن – في قوله تعالى: ( الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) النساء/ 1، وفي قوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) الأعراف/ 189، وفي قوله: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ) الروم/ 21، وفي قوله: ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) النحل/ 72، وقد قال أهل التفسير: يعنى: النساء، فإن حواء خلقت من ضلع آدم عليه السلام.

فضيلة الشيخ:

هل ما قاله الشيخ الأرناؤوط صحيح أم خطأ؟ وما توجيهكم للحديث الذي احتج به: ( المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها وإن استمتعت بها استمتعت وفيها عوج ) – متفق عليه -؟ أجيبونا مأجورين.

فأجابوا:

ظاهر الحديث أن المرأة – والمراد بها: حواء – عليها السلام – خلقت من ضلع آدم، وهذا لا يخالف الحديث الآخر الذي فيه تشبيه المرأة بالضلع، بل يستفاد من هذا نكتة التشبيه، وأنها عوجاء مثله؛ لكون أصلها منه. والمعنى: أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فلا ينكر اعوجاجها، فإن أراد الزوج إقامتها على الجادة وعدم اعوجاجها: أدى إلى الشقاق والفراق وهو كسرها، وإن صبر على سوء حالها وضعف عقلها ونحو ذلك من عوجها: دام الأمر واستمرت العشرة، كما أوضح ذلك شراح الحديث، ومنهم الحافظ ابن حجر في ” الفتح ” ( 6 / 368 ) رحم الله الجميع.

وبهذا يتبين أن إنكار خلق حواء من ضلع آدم: غير صحيح.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 17 / 8 – 11 ).

وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وكان خلْق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح؛ فإن حواء خُلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلْق آدم أعجب من هذا وهذا، وهو أصل خلق حواء.  ” الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح ” ( 4 / 55 ).

– وانظر ” مجموع الفتاوى ” ( 10 / 27 )، وانظر ” مفتاح دار السعادة ” ( 1 / 242 ) لابن القيم.

  1. وأما قولهم ” لِم خُلقت حواء من آدم وهو نائم؟! لِم لم يخلقها الله من آدم وهو مستيقظ؟! أتعلمون السبب؟ يُقال: إن الرجل حين يتألم يكره “: فلم نرَ هذا في الكتاب ولا في السنَّة، ومثل هذا – أي: خلق حواء من آدم وهو نائم وتعليل ذلك – يحتاج لوحي لإثباته لأنه من عالم الغيب، وغاية ما وقفنا عليه أنه من كلام بعض العلماء دون نسبته للشرع.

قال الحافظ بدر الدين العيني – رحمه الله -:

قال مقاتل بن سليمان: نام آدم نومة في الجنَّة فخلقت حواء من قصيراه من شقه الأيمن، من غير أن يتألم، ولو تألم لم يعطف رجل على امرأة أبدًا.

” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 23 / 134 ).

  1. قالوا ” إن الرجل حين يتألم يكره، بعكس المرأة التي حين تتألم تزداد عاطفةً وحبًّا”.

وقلنا: هذا لا دليل عليه من الشرع، ولا من الواقع.

  1. قالوا ” فلو خٌلقت حواء من آدم عليه السلام وهو مستيقظ: لشعر بألم خروجها من ضلعه وكرِهها، لكنها خُلقت منه وهو نائم حتى لا يشعر بالألم فلا يكرهها “.

قلنا: وهذا كسابقه، والحب والبغض بيد الله تعالى، وقد جعل له أسبابًا، وليس منه ما يقال هنا، والله تعالى قادر أن يحبِّب حواء لو خلقت من آدم وهو مستيقظ ومتألم من ذلك، وقادر أن يبغضها له ولو خلقت منه وهو نائم من غير ألم.

ثم من الذي شهد نوم آدم وخلق حواء منه؟ ومن الذي أخبر به الناس؟ إن مثل هذا الغيب لا يُقبل إلا بوحي.

  1. قالوا ” بينما المرأة تلد وهي مستيقظة، وترى الموت أمامها، لكنها تزداد عاطفة وتحب مولودها؟ بل تفديه بحياتها “.

قلنا: الولادة ليست خَلْقًا! والأم تتعلق بولدها حتى لو أجريت لها الولادة وهي غائبة عن الوعي، أو وهي مخدرة لا تشعر بألم الولادة، وليس تعلق الأم بولدها سببه ما تعانيه من مشقة ولادة، بل ما فطرها الله عليه من حبها له.

  1. قالوا ” لأن الله خلقها لتحمي القلب، هذه هي مهنة حواء، حماية القلوب “.

قلنا: ليست هذه مهنة المرأة، ولا لأجل ذلك خُلقت، بل خلقها الله تعالى وخلق الإنس والجن كلهم لإقامة التوحيد، ولإفراد الله تعالى بالعبادة.

ثم أي قلب ستحينه هذه المرأة الضعيفة؟ قلب أبيها أم أمها أم زوجها أو أولاها أم إخوتها؟.

  1. قالوا ” آدم خُلق من تراب لأنه سيتعامل مع الأرض، سيكون مزارعًا و بنّاءً وحدّادًا ونجَّارًا “.

قلنا: ليست هذه وظائف الرجال في الأرض ليس ثمة غيرها، فأين العمل في التجارة؟ وأين العمل في الحاسوب؟ وأين العمل في الطيران؟.

وقد تظهر أشياء أخرى عند مزيد تأمل، أو تظهر لغيرنا ملاحظات غير التي ذكرنا، وبكل حال فقد ذكرنا ما في شرعنا مما يغنينا عن غيره، وذكرنا ملاحظاتنا على ما ليس في الشرع مما يحتاج لتنبيه، والخير في اتباع الشرع المطهر من الكتاب والسنة.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة