أمثلة في القرآن والسنة لما أُخبر عنه أنها سيقع مستقبلا ووقع، والعلم شرط للدعوة
السؤال
أنا طالب مسلم من ” المملكة المتحدة “، وبسبب محيط بيئة الجامعة فأنا دائما ما أشترك في نقاشات ومناظرات خاصة بديننا، وأحد أكثر الأسئلة شيوعا يتعلق بالنبوءات التى جاءت في القرآن والحديث، وما إذا كانت قد وقعت بالفعل أم لا، ولهذا فسيكون اطلاعي عليها هو مصدر عون كبير لي، علاوة على ذلك: هل يجوز لشخص على علم محدود بالإسلام دعوة الناس للدين والاشتراك في النقاشات ذات الصلة؟. وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
من أبرز ما يُستدل به على أن القرآن هو كلام الله تعالى لا كلام أحدٍ من البشر: ما ذكره الله تعالى فيه مما يحصل في المستقبل، ومثل هذا الغيب لا قدرة لأحدٍ من الخلق على الاطلاع عليه، فإذا أخبر الله تعالى عن وقوعه في المستقبل ثم وقع لم يبق أمام المخالف إلا التسليم أن هذا القرآن ليس من عند البشر، وينبغي له أن يعتقد أنه كلام الله تعالى الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد كان لهذا الإخبار بالغيب ووقوعه كما أخبر عنه تعالى أعظم الأثر على أناس كثيرين، وكان ذلك سببًا في دخولهم الإسلام، قديمًا وحديثًا.
قال القرطبي – رحمه الله – في سياق بيان أوجه إعجاز القرآن -:
ومنها: الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي.
” تفسير القرطبي ” ( 1 / 74 ).
ثم قال – رحمه الله – بعد أن ساق بعض الآيات على ذلك – وسنذكر بعضها قريبًا :
فهذه كلها أخبار عن الغيوب التي لا يقف عليها إلا رب العالمين، أو من أوقفه عليها رب العالمين، فدل على أن الله تعالى قد أوقف عليها رسولَه لتكون دلالة على صدقه. ” تفسير القرطبي ” ( 1 / 75 ).
ومن الأمثلة على ذلك في كتاب الله تعالى:
- إخباره تعالى عن انتصار الروم بعد هزيمتهم من قبل الفرس.
قال تعالى: ( غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ َ) الروم/ 2 – 4.
و” بضع ” في لغة العرب ما بين ثلاث وتسع، وقد جاء انتصار الروم في السنة السابعة.
وقد روى الترمذي ( 3194 ) – وحسنه الألباني – المراهنة التي جرت بين أبي بكر الصدِّيق وبين المشركين على انتصار الروم فيما بعد عَنْ نِيَارِ بْنِ مُكْرَمٍ الْأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه، وقد انتصر الروم بالفعل في السنة السابعة، وقال الصحابي الجليل في آخر حديثه: ” وَأَسْلَمَ عِنْدَ ذَلِكَ نَاسٌ كَثِيرٌ “.
- إخباره تعالى عن دخول الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابُه مكةَ.
قال تعالى: ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ) الفتح/ 27.
وقد جزم النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب بهذا المجيء للكعبة والطواف بها، فقال له ( فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ ) – رواه البخاري ( 2581 ) -، وحصل هذا في ” عمرة القضاء ” عام سبع للهجرة.
- إخباره تعالى عن اجتماع الكفار ثم هزيمتهم في ” غزوة بدر “.
قال تعالى: ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) القمر/ 45.
قال الطاهر بن عاشور – رحمه الله -:
والآية: إخبار بالغيب، فإن المشركين هُزموا يوم بدر، وولوا الأدبار يومئذٍ، وولوا الأدبار في جمع آخر وهو جمع الأحزاب في غزوة الخندق، ففرُّوا بليل كما مضى في ” سورة الأحزاب “، وقد ثبت في ” الصحيح ” أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج لصف القتال يوم بدر تلا هذه الآية قبل القتال، إيماء إلى تحقيق وعد الله بعذابهم في الدنيا. ” التحرير والتنوير ” ( 27 / 213 ).
ثانيًا:
وأما السنَّة النبوية فإن الأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، وقد تنوعت في مسائل مختلفة، وكل تلك الأمثلة من الأدلة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه ما كان له أن يتكلم بهذا من عند نفسه، إنما هو مرسَل من رب العالمين، عالم الغيب والشهادة.
قال القاضي عياض – رحمه الله -:
( ومن ذلك ما أطلع عليه من الغيوب وما يكون ).
والأحاديث في هذا الباب بحرٌ لا يُدرك قعره، ولا ينزف غمره، وهذه المعجزة من جملة معجزاته المعلومة على القطع الواصل إلينا خبرها على التواتر لكثرة رواتها واتفاق معانيها على الاطلاع على الغيب. انتهى.
ثم ذكر بعده حديثًا:
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِى مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلاَّ حَدَّثَ بِهِ حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِى هَؤُلاَءِ وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّىْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ.
رواه البخاري ( 6604 ) ومسلم ( 2891 ).
” الشفا بتعريف حقوق المصطفى ” ( 1 / 335 ، 336 ).
ثم قال:
وقد خرَّج أهل الصحيح والأئمة ما أعلم به أصحابه صلى الله عليه وسلم عليه مما وعدهم به من الظهور على أعدائه، وفتح مكة وبيت المقدس واليمن والشام والعراق، وظهور الأمن حتى تظعن المرأة من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله، وأن المدينة ستُغزى، وتفتح ” خيبر ” على يدى ” علي ” في غد يومه وما يفتح الله على أمته من الدنيا ومؤمنون من زهرتها وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر، وما يحدث بينهم من الفتون والاختلاف والأهواء، وسلوك سبيل من قبلهم افتراقهم على ثلاث وسبعين فرقة الناجية منها فرقة واحدة، … .
وقتالهم الترك والخزر والروم، وذهاب كسرى وفارس حتى لا كسرى ولا فارس بعده وذهاب قيصر حتى لا قيصر بعده … .
وبحسب هذا الفصل أن يكون ديوانًا مفردًا يشتمل على أجزاء وحده، وفيما أشرنا إليه من نكت الأحاديث التى ذكرناها كفاية، وأكثرها في الصحيح وعند الأئمة.
” الشفا بتعريف حقوق المصطفى ” ( 1 / 336 – 346 ) مختصرًا.
وبالإضافة لما ذكره القاضي عياض رحمه الله نذكر أيضًا:
- عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ سَأَلَهُمْ أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ، فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( يَأْتِى عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلاَّ مَوْضِعَ دِرْهَمٍ لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ ) فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ.
رواه مسلم ( 2542 ).
قال النووي – رحمه الله -:
وفي قصة أويس هذه معجزات ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه و سلم.
” شرح مسلم ” ( 16 / 94 ).
- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ ). رواه مسلم ( 1064 ).
قال ابن كثير – رحمه الله -:
هذا الحديث من دلائل النبوة؛ إذ قد وقع الأمر طبق ما أخبر به عليه الصلاة والسلام. ” البداية والنهاية ” ( 7 / 310 ).
- عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَرْحَبًا بِابْنَتِي ) ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: لِمَ تَبْكِينَ؟ ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ، فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: أَسَرَّ إِلَيَّ ( إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي ) فَبَكَيْتُ فَقَالَ ( أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ ) فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ. رواه البخاري ( 3426 ) ومسلم ( 2450 ).
– وقد ماتت فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بستة أشهر.
– والحديث – ومعه غيره – بوَّب عليه الإمام البخاري ” باب علامات النبوة في الإسلام “.
ثالثًا:
وأما بخصوص مناظراتك ومناقشاتك مع المخالفين: فإننا لا ننصح لك بها الآن، بل نرى أن لا تقدم عليها حتى يشتد عودك في العلم، وتزداد معرفة بدينك، وإن كثيرًا من المتحمسين لدينهم ممن يتصدى لنقاش أهل الكفر والبدع لا يُدرك مآل الأمور عليه لو أنه يصطدم بشبهة يحار في الجواب عليها، وقد ينفذ الشيطان لقلبه من خلال ذلك فيبدأ معه في تشكيكه بثوابت دينه – عياذاً بالله -، ثم إذا رأيتَ المخالف معاندًا لا يستجيب لدلائل الحق كان ذلك سببًا آخر لترك الكلام معه.
قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:
وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل كما ينهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجا قويا من علوج الكفار فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة.
وقد ينهى عنها إذا كان المناظر معاندا يظهر له الحق فلا يقبله.
” درء تعارض العقل والنقل ” ( 3 / 374 ).
لذا فإنه قد كفاك أهل العلم وطلبته مؤنة النقاش مع المخالفين، فادخر جهدك في طلب العلم، ونسأل الله تعالى أن يكتب لك عظيم الأجور، وأن يسهل لك الأمور.
والله أعلم.


