مسائل متعددة في الإفتاء والاستفتاء والتقليد
السؤال
قرأت في مسألة الاختلاف السائغ: عليَّ النظر في الدليل، ثم اتباع العالم الذي أراه أعلم وأوثق.
لكن لي بعض التساؤلات:
1. هل أنا مؤهل للنظر في الأدلة أم لا؛ فإني في بداية طلب العلم الذي ينفعني ولم أبدأ بحفظ القرآن ودراسة أصول الفقه؟.
2. هل يجوز لي ان أتبع موقع إنترنت ثقة مشرف عليه عالم ثقة – ألا وهو موقعكم – عوضًا عن اتباع عالم، مع العلم أني لا أعلم أن هذا الموقع لا يفتي وينشر إلا فتاوى المشرف، فقد ينشر فتاوى لعلماء مختلفين؟.
3. في حالة عدم وجود الحكم في مسألة معينة عند العالم الذي أتبعه: هل يجوز لي أن آخذ الحكم من عالم آخر؟.
4. في حالة وجود الحكم في مسألة معينة عند عالم ثقة لكن ليس الذي أتبعه هل عليَّ البحث على الحكم عند العالم الذي أتبعه أم أكتفي بهذا العالم الثقة؟.
5. هل يجوز اختيار العالم الذي أقرب إلى ” فقه الواقع ” و ” تيسر الوصول إليه ” وليس الذي أراه أعلم وأوثق؟.
6. إذا كان العالم الذي أراه أعلم وأوثق قد توفي – رحم الله جميع علماء أهل السنَّة – هل يجوز اختيار عالم حي خاصة للاستفتاء؟.
7. وهل أعيد أخذ الفتاوى التي أخذتها سابقا من العالم الذي أتبعه؟.
8. في الاستفتاء – خاصة في المعاملات – هل يجوز استفتاء عدة علماء أم الأفضل استفتاء عالم واحد فقط لمعرفة هذا العالم بي على العكس عند استفتاء عدة علماء؟ وهل في هذا تأثير على الفتوى من باب المصالح والمفاسد أو فقه الأولويات أو فقه النفس؟. فأفتوني بارك الله فيكم وجزاكم الله خير الجزاء.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
إذا كنت في أول طلب العلم، ولم تبدأ بعدُ بحفظ القرآن، ولا أنت على علم بعلوم الآلة: فأنَّى لك الأهلية للنظر في الأدلة؟! وكيف ستعرف العام من الخاص، والمقيد من المطلق، والناسخ من المنسوخ، والصحيح من الضعيف؟! إن الأهلية للنظر في الأدلة الشرعية تتطلب منك تقدمًا في العلم الشرعي، وخاصة علوم الآلة كاللغة العربية وأصول الفقه وأصول الحديث وأصول التفسير، وكل ذلك يتطلب منك وقتًا وجهدًا، فلا تتسرع لتحكم على الأدلة قبل أوانك وإلا وقعت في إثم القول على الله بغير علم، وقد جعل الله تعالى ذلك من أعظم المحرمات في دينه فقال تعالى ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) الأعراف/ 33.
ثانيًا:
لا فرق في التقليد بين أن تقلِّد عالمًا أو تقلِّد ما تقرؤه في موقعنا هذا أو غيره من مواقع الفتوى الموثوقة، بل إننا نرى أن الأخذ بالفتوى من هذه المواقع أولى؛ لأنها تقوم على جهود جماعية، وليس على جهد شخص واحد.
وما ذكره العلماء في ” شروط المفتي ” ينطبق – إن شاء الله – على موقعنا هذا بمجمله.
قال الخطيب البغدادي – رحمه الله – تحت باب ذكر شروط من يصلح للفتوى -:
أول أوصاف المفتي الذي يلزم قبول فتواه: أن يكون بالغًا؛ لأن الصبي لا حكم لقوله، ثم يكون عاقلًا؛ لأن القلم مرفوع عن المجنون لعدم عقله، ثم يكون عدلًا ثقةً ؛ لأن علماء المسلمين لم يختلفوا في أن الفاسق غير مقبول الفتوى في أحكام الدين وإن كان بصيرًا بها, وسواء كان حرًّا أو عبدًا فإن الحرية ليست شرطًا في صحة الفتوى، ثم يكون عالمًا بالأحكام الشرعية, وعلمه بها يشتمل على معرفته بأصولها وارتياض بفروعها. ” الفقيه والمتفقه ” ( 2 / 33 ).
ثالثًا:
وفي حالة عدم وجود الحكم في مسألة ما عند من تستفيته في دينك ممن ترضى دينه وعلمه: فإنه لا حرج في الانتقال إلى مفتٍ آخر يتصف بمواصفات المفتي الأول الذي ارتضيت دينه وعلمه – فيما ترى وتعلم عنه -، وإنما المحظور هو أن يكون الانتقال لمجرد الهوى والبحث عن الرخصة؛ فإن هذا فعل محرَّم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
مَن التزم مذهبًا معيَّنًا ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه، ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، ومِن غير عذر شرعي يبيح له ما فعله: فإنه يكون متبعًا لهواه، وعاملًا بغير اجتهاد ولا تقليد، فاعلًا للمحرم بغير عذر شرعي، فهذا منكر . ” مجموع الفتاوى ” ( 20 / 220 ).
رابعًا:
الأصل في المقلِّد أن لا يتحول عن إمامه الذي يقلده إلا إن كان ثمة عذر له في ذلك، كأن تكون المسألة لم يتطرق لها عالمه – كما سبق قريبًا -، أو يكون رأى غيره أعلم منه في هذه المسألة تحديدًا، فمثل هذا يكون معذوراً في البحث عن الفتوى عند عالمٍ آخر غير الذي يقلده في الأصل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
فإذا ترجح عند المستفتي أحد القولين: إما لرجحان دليله – بحسب تمييزه -، وإما لكون قائله أعلم وأورع: فله ذلك وإن خالف قوله المذهب. ” مجموع الفتاوى ” ( 33 / 168 ).
وقال – رحمه الله -:
وأما إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمر ديني، مثل أن يتبين رجحان قول على قول، فيرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الله ورسوله: فهو مثاب على ذلك، بل واجب على كل أحد إذا تبين له حكم الله ورسوله في أمر ألا يعدل عنه ولا يتبع أحدًا في مخالفة الله ورسوله؛ فإن الله فرض طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم على كل أحد في كل حال … . ” مجموع الفتاوى ” ( 20 / 223 ).
خامسًا:
إن العالِم الشرعي الذي يكون أهلًا لأن يُستفتى لا يكون كذلك وهو يجهل واقع ما يُفتي به؛ فإن العلم بالواقع من شروط الفتوى، وقد سبق النقل في ذلك عن ابن القيم رحمه الله.
فإذا كان قصد السائل هو فهمنا عنه: فليس عليه ملامة ولا حرج، وأما إن كان يقصد بـ ” فقه الواقع ” من يشتغل بمتابعة الأخبار السياسية ويحللها ويناظر فيها: فهذه الأمور لا تؤهل صاحبها للحكم في مسائل الشرع إن كان خاليًا من العلم الشرعي، فالعلم بالأخبار العالمية السبق فيه للمتفرغ! لمتابعتها، والتحليل السياسي يحسنه الكفار كما يحسنه المسلمون، فليس هذا مما يجعل العالم بذلك الواقع مؤهلا للإفتاء، وليس لك أن تقدمه على غيره من أهل العلم الثقات، وإن هؤلاء العلماء الثقات يتورعون عن القول فيما لا يعرفونه، فإما تكون منهم إحالة على شخص بعينه أو هيئة بعينها، أو تختار أنت غيره لكن بما ذكرناه من الشروط وهو أن يكون في ظنك أكثر علمًا وأكثر ديانة.
سادسًا:
إذا كان العالِم الذي تتبع فتواه وتأخذ منه العلم له مصنفات أو أشرطة مسجلة: فلا فرق أن يكون على قيد الحياة أو ميتًا، وأما إذا لم يكن له شيء من ذلك، أو احتجت لمسألة لم تجدها عنده في كتاب ولم تسمعها منه من قبل: فكيف سيكون طريق معرفتك لحكم الله إلا بسؤال عالِم تثق بدينه وعلمه ممن هو على قيد الحياة، فتسأله، فيجيبك.
وهنا نؤكد للأخ السائل – ولغيره – ليس في دين الله تعالى ما يوجب عليك اتباع عالمٍ بعينه، بل كل من تسمع منه حكم الله في مسألة وترى أنه يصلح للفتوى فخذ بقوله إذا كان عندك من أهل العلم والدين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:
وإذا نزلت بالمسلم نازلة: فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كل أحدٍ من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واتباع شخص لمذهب شخص بعينه لعجزه عن معرفة الشرع من غير جهته: إنما هو مما يسوغ له ليس هو مما يجب على كل أحد، إذا أمكنه معرفة الشرع بغير ذلك الطريق، بل كل أحد عليه أن يتقي الله ما استطاع ويطلب علم ما أمر الله به ورسوله فيفعل المأمور ويترك المحظور. ” مجموع الفتاوى ” ( 20 / 208 ، 209).
سابعًا:
وإذا انتقلت إلى عالِم حيٍّ وصرت تأخذ منه الفتوى: فلا تعد مسائلك التي أخذتها من الأول على هذا الثاني، إلا بالشروط التي ذكرناها سابقًا، وهو أنك ترى أن هذا الثاني أعلم من الأول، فإن كنت تراه أعلم عمومًا فلك إعادة المسائل التي أخذتها عن الأول عليه، وإن كنت تراه أعلم في جوانب معينة – كالمعاملات الاقتصادية – فلا تعد إلا المسائل من هذا الجنس دون غيرها.
والمهم في كل ما سبق أن لا يكون إعادة المسائل على الآخر، والانتقال إليه دافعه الهوى وتتبع الرخص، وإنما لعذر ولما تراه أنه أعلم وأوثق.
ثامنًا:
إذا تعدد عندك من يصلح للإفتاء فأيَّ واحد منهم تسأل؟ نقول: إنك مخيَّر في سؤال أي واحد منهم، خلافًا لمن قال إنه يلزمك تعيين الأعلم والأورع منهم، والمهم أن يكون ” يصلح للإفتاء ” عندك، وترضاه موقعًا عن رب العالمين، ولا يحل لك سؤال من لا تراه أهلًا للفتوى علماً أو دينًا، ولا يلزمك سؤال ” الأعلم والأاورع “؛ فكون فلانًا أعلم وأفضل ديناً قد يتعسر على العامي معرفته من جهة، وقد لا يتيسر وجوده دومًا من جهة أخرى، فالصواب أن يقال: أن يستفتي العامي من يصلح للفتوى بشرط أن يكون ذا علم وذا دين، ولو وجد من هو أفضل منه علمًا ودينًا.
ومن أدلة أصحاب هذا القول: ” إجماع الصحابة على جواز سؤال العامة للفاضل والمفضول، فكانوا يقرون العامي في سؤاله للمفضول، ويقرون المفضول في إفتائه للعامي، ولم يمنعوا العامة من سؤال غير أبي بكر وعمر أو سؤال غير الخلفاء الراشدين “.
قال الشيخ عبد العزيز الراجحي – حفظه الله – بعد استعراض الخلاف في المسألة وذِكر الإجماع السابق لأصحاب ذلك القول -:
بعد استعراض خلاف العلماء في هذه المسألة وأدلة كلٍّ: يظهر لي أن الراجح هو القول بتخيير العامي في سؤال من شاء من العلماء.
وجه ترجيحه: قوة دليل هذا القول، وهو إجماع الصحابة على ذلك، وعدم مقاومة ما استدل به الفريق الآخر من الاحتياط وقوة الظن؛ للإجماع، فإنه دليل شرعي قطعي. ” التقليد والإفتاء والاستفتاء ” ( ص 49 ) – ترقيم الشاملة -.
والله أعلم.


