أسباب الاستهزاء بالملتزمين وعاقبته، وكيف يواجه الملتزم استهزاءهم؟
السؤال
كيف أتصرف مع الناس في حالة استهزائهم بي ( قد يكون ذلك لكوني ملتحيًا – والحمد لله ونسأل الله الثبات والتوفيق – ) فالبعض يرمونني بنظرات حادة، والبعض ينظر إليَّ بنظرة تدل على استهزاء واضح، بل على احتقار ( يقلبونني من فوق إلى تحت بأبصارهم )، والبعض يمرون بجانبي رافعين أصواتهم بالاستغفار والحولقة، وأرى أن رفع الصوت ليس بصفة عادية أي ما يدل على ذكرهم لله بل في أصواتهم بغض وكراهية، ومرَّة مرَّ بجانبي رجل رافعًا صوته بالاستغفار وعابساً وجهه، ووصل به الحد إلى أن يبزق أمامي! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأنا لا أعرف ماذا يرضي الله في مثل هذه الحالات، فهل أتغافل؟ أم أواجههم؟ وفي حالة كثرة الاستهزاء من قبل الشخص ماذا أفعل؟ وفي حالة كان المستهزئ أنثى؟. فأفتوني في أمري بارك الله فيكم.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
اعلم – أخي السائل – أن الاستهزاء بأهل الدِّين والسخرية منهم ليس جديدًا على أهل الشر والسوء، فقد استهزء أسلافهم بالمرسلين والصالحين، ولم يمنعهم ذلك الاستهزاء من الاستمرار في الاستقامة على أمر الله، واستمرار دعوة الناس إلى ربهم عز وجل.
قال تعالى ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ. وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ) الحِجر/ 10 – 13.
ثانيًا:
واعلم أن أولئك المستهزئين والساخرين بك وباستقامتك على أمر الله تعالى قد ذكر الله تعالى من حالهم أنهم على طريق المنافقين، وأنهم مجرمون، وأنهم من عبَّاد الدنيا.
قال تعالى ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) التوبة/ 79.
وقال تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ) المطَّففين/ 29.
وقال تعالى ( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ) البقرة/ 212.
– وفي حكم المستهزئ بمظاهر السنَّة انظر جواب سابق لنا.
ثالثًا:
واعلم – أخي السائل – أن الله تعالى ذَكر في كتابه الكريم استهزاء أقوام الأنبياء والمرسلين بهم، وذكر عاقبتهم الوخيمة في الدنيا، وذكر ما توعدهم به في الآخرة وأنهم سيصلون سعيرًا، ولعلَّ هذا أن يخفف عنك ما أنت فيه من ضيق وهم وغم، ولعل ذلك أن يكون رادعًا لهم ليتوبوا من سخريتهم بك، واستهزائهم بسنَّة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله -:
فمِن استهزائهم بنوح قولهم له: بعد أن كنت نبيًّا صرت نجارًا، وقد قال الله تعالى عن نوح: ( إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ) هود/ 38، وذكر ما حاق بهم بقوله: ( فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ) العنكبوت/ 14، وأمثالها من الآيات.
ومن استهزائهم بهود ما ذكره الله عنهم من قولهم: ( إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ) هود/ 54، وقوله عنهم أيضًا: ( قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ ) الآية هود/ 53، وذكر ما حاق بهم من العذاب في قوله: ( أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ) الآية الذاريات/ 41، وأمثالها من الآيات.
ومن استهزائهم بصالح قولهم فيما ذكر الله عنهم: ( وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) الأعراف/ 77، وقولهم: ( قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا ) الآية هود/ 62، وذكر ما حاق بهم بقوله: ( وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ) هود/ 94، ونحوها من الآيات.
ومن استهزائهم بلوط قولهم فيما حكى الله عنهم: ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ) الآية النمل/ 56، وقولهم له أيضًا: ( لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ) الشعراء/ 167، وذكر ما حاق بهم بقوله: ( فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ) الحِجر/ 74، ونحوها من الآيات.
ومن استهزائهم بشعيب قولهم فيما حكى الله عنهم: ( قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ) هود/ 91، وذكر ما حاق بهم بقوله: ( فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) الشعراء/ 189، ونحوها من الآيات. ” أضواء البيان ” ( 1 / 473 ).
وفي حق سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ( وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا ) الأنبياء/ 36.
رابعًا:
إذا علمت ما سبق: فإن الذي نوصيك به في مواجهة أولئك المستهزئين والساخرين:
- الصبر على ما تراه وتسمعه منهم، وقد سبق لك أن علمت أن الأنبياء والمرسلين لم يسلموا من الاستهزاء بهم، وقد صبروا على ما أوذوا.
- الاستمرار على استقامتك على الحق، وعدم التنازل عن شيء منه إرضاء للناس، وليكن على بالك دومًا السعي لإرضاء الله ولو سخط عليك بسبب ذلك الناس، ولا تبحث عما يرضي الناس فإنك بذلك تتسبب في سخط الله عليك.
- الاعتقاد الجازم أن الله تعالى سينتصر لك على أولئك الظالمين، وأن عاقبة استهزائهم الخسارة، وانظر في حال المرسلين وأقوامهم الذين سخروا منهم ليتأكد لك صدق ما نقوله.
قال الشيخ عطية سالم – رحمه الله – توكيدًا لما ذكرناه لك في النقاط السابقة -:
إذا كان هذا حال بعض الذين أجرموا مع بعض ضعفة المؤمنين، وكذلك حال بعض الأمم مع رسلها: فإن الداعية إلى الله تعالى يجب عليه ألا يتأثر بسخرية أحد منه، ويعلم أنه على سَنن غيره من الدعاة إلى الله تعالى، وأن الله تعالى سينتصر له إما عاجلًا، وإما آجلًا، كما في نهاية كل سياق من هذه الآيات.
( فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) المطففين/ 36.
وهذا رد على سخرية المشركين منه في الدنيا وهو كما قال تعالى ( وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) آل عمران/ 212. ” تتمة أضواء البيان ” ( 8 / 464 ، 465 ).
- الاعتقاد الجازم أن الله تعالى سيثيبك أجرًا جزيلًا على ما يصيبك من هم وغم وحزن بسبب ما تراه وتسمعه من أولئك الظالمين، وهذا – إن شاء الله – سيجعلك صابرًا صامدًا لا تتزحزح عن طريق الحق.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا سَقَمٍ وَلَا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ ). رواه البخاري ( 5318 ) ومسلم ( 2573 ) – واللفظ له -.
– النَّصب: التعب، والوصب: الألم والسقم الدائم.
- تجنب مجالسة أولئك المستهزئين، وهجر أماكن اجتماعهم، إلا أن ترى أنك لا تتأثر بكلامهم، وأنك ستغير من حالهم.
قال تعالى ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ) النساء/ 140.
- الشدة تجاه من تستطيع إسكاته وردعه بها، وعدم السكوت على أفعالهم وأقوالهم؛ فإن من شأن سكوتك أن يزيد في جرأتهم عليك، والإسلام لا يطلب من أهله أن يكونوا أذلة أمام أولئك الظالمين المستهزئين، وهم أصحاب معصية وحالهم أن ذليلون صاغرون إذا ما رأوا منك شدة تجاه ما يفعلونه وما يقولونه.
قال الشيخ محمد بن صالح المنجد – حفظه الله -:
هذا الاستهزاء يجب أن نصبر أمامه، فإن كثيرًا من الملتزمين بالإسلام شخصياتهم ضعيفة جدًّا في مواجهة الاستهزاء، فكثيرٌ منهم لا يقوون على أن يتلفظوا بحرفٍ واحد يقابل فيه استهزاء المستهزئين، وهذه مسألة خطيرة؛ لأنها تسبب نظرة الضعف للإسلام، فالمستهزئ عندما يستهزئ بك وأنت تسكت وتطأطئ برأسك أمام تلك الكلمات الجارحة التي يتلفظ بها ثم تستدير وتذهب، أو تجلس وعليك علامات الخزي: يقوِّي من شأن ذلك المستهزئ، ويُضعف هيبة الإسلام في قلب المستهزئ، ويثبته أكثر على باطله الذي هو عليه.
يجب أن تكون نفوسنا قوية في مواجهة المستهزئين، نرد عليهم باطلهم، ونبين الحق ونعلنه ونصدع به، أما الشعور أو الظهور بمظهر الاستحذاء والخزي والعار والذلة أمام الفسقة والعصاة والكفرة: فهذا ليس من شيم المسلمين ولا من صفاتهم أبدًا، ولا يريد الإسلام منَّا أن نكون بهذه الصورة، وانظر إلى موقف نوح: ( إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ) هود/ 38، هذه هي النتيجة، فلا بد من الصمود والمواجهة، وعدم الاستكانة أو الظهور بمظهر الضعف؛ فهذا يؤثر سلبيًّا على انتشار الإسلام وعلى هيبته في نفوس الناس.
من محاضرة ” عوائق في طريق الالتزام “.
- الابتعاد عن الأشياء التي تسبب الاستهزاء من قبَلهم مما يمكنك فعله أو تركه دون أن تقع في مخالفة الشرع، فلا تقصِّر ثوبك – مثلًا – إلى درجة تلتفت فيها النظر وتسبب لنفسك السخرية، والمهم في الثوب أن لا يمس الكعبين، واحذر من اللباس البالي أو غير النظيف؛ فهذا ليس من الشرع، وهو يسبب لك الأذى من السفهاء قولاً وفعلًا، فلا تتنازل عن فعل واجب، ولا تفعل محرَّمًا، وما كان فيه مجال لتركه خشية أذية الناس مما لا تستطيع الصبر عليه: فاتركه.
- الدعاء لأولئك البعيدين عن شرع الله بأن يهديهم الله تعالى، والدعاء لنفسك بأن يثبتك ربك على الحق.
ونسأل الله تعالى أن يصبِّرك وأن يكتب لك أجر استقامتك على دينه، وأن يهدي ضالَّ المسلمين لما فيه سعادتهم في دنياهم وأخراهم.
والله أعلم.


