الأحكام المترتبة على من أوقف مزرعة ولم يحدد جهة الموقوف عليهم قبل موته
السؤال
أوقف جدي رحمه الله مزرعة تزرع ” حبحب ” على نزول الأمطار، هل يحق لي الأكل من الإنتاج والتصدق والإهداء؟ وماذا أفعل بالربح من بيع ” الحبحب “؟ وهل يحق لي أخذ مبلغ مقابل تعبي؟ وكم نسبته إن كان يحق لي؟.
الجواب
الحمد لله
- الذي يظهر لنا من السؤال أنك ناظر وقف جدك، فإن لم يكن الأمر كذلك ومات جدك ولم يوكِّل أحدًا للقيام على وقفه: فالقاضي الشرعي ينصِّب ناظرًا للوقف.
- والناظر – ويطلَق عليه ” المتولِّي – للوقف هو الذي يتولى حفظ الوقف، ويرعى تنفيذ شرطه، ولذا كان لا بدَّ من أن يكون الناظر قويًّا وأمينًا.
وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 36 / 100 ):
ولا بد أن يكون المتولِّي أمينًا قادرًا على إدارة شئون الوقف حتى تتحقق مقاصد الوقف وأغراض الواقف على الوجه المشروع. انتهى.
- والمتولِّي للوقف والناظر عليه له وظائف لا بدَّ من بيانها.
ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 36 / 102 ، 103 ):
وظائف المتولي غير محصورة عند التولية المطلقة، فله أن يعمل كل ما يراه مصلحة للوقف وذكر بعض الفقهاء في ذلك ضابطاً فقالوا: يتحرى في تصرفاته النظر للوقف والغبطة؛ لأن الولاية مقيدة به.
وذكر بعض الفقهاء أمثلة لهذه الوظائف، قال الشربيني الخطيب: وظيفته عند الإطلاق أو تفويض جميع الأمور: العمارة والإجارة وتحصيل الغلة وقسمتها على مستحقيها، وحفظ الأصول والغلات على الاحتياط، لأنه المعهود في مثله، فإن فوض له بعض هذه الأمور لم يتعده اتباعا للشرط كالوكيل.
ومثله ما ذكره الحنابلة، وأضافوا عليها وظائف أخرى، قال الحجاوي: وظيفة الناظر: حفظ الوقف وعمارته وإيجاره وزرعه ومخاصمة فيه، وتحصيل ريعه من أجرة أو زرع أو ثمر، والاجتهاد في تنميته، وصرفه في جهاته من عمارة وإصلاح وإعطاء مستحق ونحوه، وله وضع يده عليه، والتقرير في وظائفه، وناظر الوقف ينصب من يقوم بوظائفه من إمام ومؤذن وقيم وغيرهم، كما أن للناظر الموقوف عليه نصب من يقوم بمصلحته. انتهى.
- ويستحق الناظر على الوقف أجرة مقابل عمله ورعايته للوقف، فما نصَّ عليها الواقف له: يعطى له، وإذا لم يكن الواقف قد نصَّ عليها: فيُرجع أمر تقديرها للقاضي الشرعي بحسب ما يراه من عمل يقوم به ذلك الناظر.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( لاَ يَقْتَسِمُ وَرَثَتِى دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِى وَمُؤْنَةِ عَامِلِى فَهْوَ صَدَقَةٌ ). رواه البخاري (2624) – وبوَّب عليه: باب نفقة القيِّم للوقف – ومسلم ( 1760 ).
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
وهو دال على مشروعية أجرة العامل على الوقف، والمراد بالعامل في هذا الحديث: القيم على الأرض، والأجير، ونحوهما. ” فتح الباري ” ( 5 / 406 ).
وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 44 / 210 ):
ذهب الفقهاء على أن الناظر على الوقف يستحق أجرة نظير قيامه بإدارة الوقف والعناية بمصالحه. انتهى.
وفي ( 44 / 211 ):
أجرة الناظر إما أن تكون مشروطة من قبل الواقف، أو مقدرة من قبل القاضي.
فإن كانت الأجرة مشروطة من قبل الواقف: فإن الناظر يأخذ ما شرطه له الواقف ولو كان أكثر من أجر مثله، وهذا ما ذهب إليه الحنفية والشافعية والحنابلة.
ونص الحنفية على أنه لو عين له الواقف أقل من أجر المثل فللقاضي أن يكمل له أجر مثله بطلبه. انتهى.
وإن كانت الأجرة مقدَّرة من قبل القاضي بأن لم يجعل الواقف للناظر شيئًا: فقد اختلف الفقهاء في ما يقدِّره القاضي للناظر.
فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الأجر المقدر من القاضي يجب أن لا يزيد عن أجرة المثل، فإن عين له زائدا عن أجرة المثل يمنع عنه الزائد.
وقال المالكية: يترك الأمر لاجتهاد القاضي. انتهى.
- ويجوز للناظر أن يأكل من غلة الوقف بالمعروف، وذلك بالقدر الذي جرت به العادة، ويجوز له إطعام صديقه وضيفه منها، ولا يجوز له أن يتمول من تلك الغلَّة لا لنفسه ولا لضيفه ولا لصديقه، ومعنى التمول: التجميع والتخزين، أو البيع وكسب المال من الغلة.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ بِخَيْبَرَ أَرْضًا فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي بِهِ قَالَ: ( إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا ) فَتَصَدَّقَ عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبَى وَالرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ.
رواه البخاري ( 2620 ) ومسلم ( 1632 ).
قال أبو العباس القرطبي – رحمه الله -:
وقوله ( لا جناح على من ولِيها أن يأكل منها بالمعروف ) هذا رفع للحرج عن الوالي عليها، والعامل في تلك الصَّدقة في الأكل منها، على ما جرت عادة العمَّال في الحيطان من أكلهم من ثمرها حالة عملهم فيها، فإن المنع من ذلك نادر، وامتناع العامل من ذلك أندر، حتى أنه لو اشترط رب الحائط على العامل فيه ألا يأكل لاستُقْبِح ذلك عادةً وشرعًا.
وعلى ذلك: فيكون المراد بالمعروف: القدْر الذي يدفع الحاجة، ويردُّ الشَّهوة، غير أكل بسرفٍ، ولا نَهْمةٍ، ولا متخذًا خيانة ولا خُبْنَة.
” المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ” ( 4 / 602 ، 603 ).
– الحيطان: البساتين.
– الخبنة: ما يُحمل في الحِضن أو تحت الإبط.
وقال النووي – رحمه الله -:
( غير متموِّل فيه ) وفي رواية غير متأثل مالًا … .
وأما قوله ( غير متأثل ) فمعناه: غير جامع، وكل شيء له أصل قديم أو جمع حتى يصير له أصل فهو مؤثل، ومنه ” مجد مؤثَّل ” أي: قديم، واثلة الشيء: أصله.
” شرح مسلم ” ( 11 / 86 ).
وقال المباركفوري – رحمه الله -:
( غير متمول فيه ) أي مدخر حال من فاعل وليها.
( غير متأثل مالًا ) أي: غير مجمِّع لنفسه منه رأس مال.
” تحفة الأحوذي ” ( 4 / 521 ).
وقال الصنعاني – رحمه الله -:
ولا يأخذ من غلَّتها ما يشتري بدله ملكًا، بل ليس له إلا ما ينفقه.
” سبل السلام ” ( 3 / 88 ).
- وليس للناظر التصرف في الوقف إلا وفق شروط الواقف، وفي حال أن الواقف لم يحدد الجهة التي يُصرف فيها الوقف: فإن وقفه يصح عند جمهور العلماء، خلافًا للشافعية الذين قالوا ببطلانه، وقد اختلف المصححون له في أوجه صرفه:
فأبو يوسف – من الحنفية – يقول: بأنه يُصرف إلى الفقراء.
وعند المالكية: يُصرف الوقف بحسب غالب الوقف في بلاد الواقف، فإن لم يوجد غالب فيُصرف للفقراء.
وعند الحنابلة يُصرف الوقف إلى ورثة الواقف نسبًا على قدر إرثهم، ويكون وقفًا عليهم فلا يملكون نقل الملك في رقبته، فإن عُدموا: فيُصرف للفقراء والمساكين وقفًا عليهم، ونص الإمام أحمد أنه يصرف في مصالح المسلمين فيرجع إلى بيت المال.
وقال علماء اللجنة الدائمة: فإن كان في أقارب الواقف فقراء: فهم أحق به، لا على سبيل الوجوب.
– انظر ” الموسوعة الفقهية ” ( 44 / 149 ، 150 )، و ” أبحاث هيئة كبار العلماء ” ( 5 / 95 ).
والأقرب: أن يُرجع في تحديد الجهة إلى القاضي الشرعي؛ خشية من تدخل الهوى في تحديدها من قبَل الناظر، وبه يسلم من التبعات.
وحيث أنه لم يُذكر في السؤال الجهة التي أوقفت غلة مزرعة الوقف عليها: فيكون إخراج الغلة عامًّا في وجوه الخير والبر، ويكون منها التصدق على الفقراء والمحتاجين، وليس الإهداء؛ لأن الإهداء فرع الملك، وأنت لا تملك من غلتها شيئًا، وإذا أجاز القاضي بيع كمية من ” الحبحب ” فيرجع كسب ذلك لإصلاح المزرعة وتعميرها وتنمية زرعها وبنائها.
والخلاصة:
في حال كنت أنت الناظر على وقف جدك لمزرعة ” الحبحب ” – وهو البطيخ -:
- يحق لك الأكل منها على ما جرت به العادة، من غير ادِّخار ولا بيع يرجع ماله لك.
- يجوز لك التصدق من غلتها؛ لأن الوقف مسكوت عن جهته، فتكون الجهة التي أوقفت عليها المزرعة جهات بر عامة، بعد الرجوع في الأمر للقاضي الشرعي.
- ولك أن تُطعم ضيفك وصديقك من غلتها بالمعروف، ومَن كان مِن هؤلاء فقيرًا أو مسكينًا فلك أن تعطيهم حاجتهم وحاجة أهليهم منها، وليس لك أن تُهدي أحدًا منها.
- يحق لك أخذ مبلغ مقابل تعبك، ولك أجرة المثل، وتحديد ذلك راجع للقاضي الشرعي.
والله أعلم.


