هل التصوير اليدوي والنحت لذوات الأرواح أعظم إثمًا من الزنى والربا؟
السؤال
أخبر الرسول أن المصورين أشد الناس عذابًا يوم القيامة، فهل إذا رجحت سيئات شخص على حسناته بسيئة واحدة وهي التصوير وشاء الله تعذيبه هل يكون أشد ممن رجحت بآلاف السيئات من زنا وربا وغيره أم أن الحديث على وجه التهديد؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
المصورون المقصود بهم في السؤال هم الذين يرسمون ذوات الأرواح، أو يصنعون التماثيل لها من أي مادة كانت، وقد ورد الوعيد الشديد فيهم وأنهم أشد الناس عذابًا يوم القيامة.
عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ ). رواه البخاري ( 5610 ) ومسلم ( 2107 ).
وفي رواية لمسلم ( إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ ).
وعن عبد الله بن مسعود قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ المصُوِّرُونَ ). رواه البخاري ( 5606 ) ومسلم ( 2109 ).
ثانيًا:
وجوابًا على سؤال الأخ الفاضل نقول: التصوير الذي يقع من المصوِّر له حالان:
- فقد تكون سيئة التصوير الواحدة تلك أعظم من الربا والزنى؛ وذلك بحسب نية وفعل ذلك المصوِّر، فمن قصد بتصويره مضاهاة خلق الله وأن تصويره أعظم من تصوير الله تعالى، أو أنه صوَّر أصنامًا لعابديها: كانت سيئته – والعياذ بالله – كفرًا مخرجًا من الملة، وحينئذٍ لا يكون ثمة إشكال في معنى ( أشدّ النَّاسِ عَذَاباً ).
أ. قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
وأجاب الطبري بأن المراد هنا: مَن يصوِّر ما يُعبد من دون الله وهو عارف بذلك قاصدًا له، فإنه يكفر بذلك، فلا يبعد أن يدخل مدخل آل فرعون، وأما من لا يقصد ذلك: فإنه يكون عاصيًا بتصويره فقط.
” فتح الباري ” ( 10 / 383 ).
ب. وقال بدر الدين العيني – رحمه الله -:
ولقائل أن يقول: ( أشد الناس عذابًا ) بالنسبة إلى هذه الأمة لا إلى غيرها من الكفار، فإن صوَّرها لتُعبد أو لمضاهاة خلق الله تعالى: فهو كافر قبيح الكفر، فلذلك زيد في عذابه. ” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 12 / 39 ).
ج. قال الشيخ صالح آل الشيخ – حفظه الله -:
والمضاهاة بخلق الله جل وعلا التي رُتب عليها أن يكون فاعلها أشد الناس عذابًا يوم القيامة عند كثير من العلماء: محمولة على المضاهاة التي تكون كفرًا؛ لأن المضاهاة في التصوير يكون كفرًا في حالتين:
الحالة الأولى: أن يصوِّر صنمًا ليعبد، أو يصوِّر إلهًا ليعبد، كأن يصور لأهل البوذية صورة بوذا، أو يصور للنصارى المسيح، أو يصور أم المسيح ونحو ذلك، فتصوير ما يعبد من دون الله جل وعلا مع العلم بأنه يُعبد: هذا كفر بالله جل وعلا؛ لأنه صوَّر وثنًا ليعبد، وهو يعلم أنه يُعبد، فيكون شركًا أكبر، وكفرًا بالله جل وعلا.
والحالة الثانية: أن يصوِّر الصورة ويزعم أنها أحسن من خلق الله جل وعلا فيقول: هذه أحسن من خلق الله، أو أنا فقتُ في خلقي وتصويري ما فعل الله جل وعلا، فهذا كفر أكبر، وشرك أكبر بالله جل جلاله.
وهذا هو الذي حمل عليه هذا الحديث، وهو قوله: ( أشد الناس عذابا يوم القيامة الذي يضاهئون بخلق الله )، وأما المضاهاة بالتصوير عامة بما لا يخرجه من الملة، كالذي يرسم بيده، أو ينحت التمثال، أو ينحت الصورة مما لا يدخل في الحالتين السابقتين: فهو كبيرة من الكبائر، وصاحبها ملعون ومتوعد بالنار.
” التمهيد لشرح كتاب التوحيد ” ( ص 559 ، 560 ).
- وأما ما كان دون ذلك من التصوير: فلا نرى أن سيئته أعظم من الربا والزنى؛ لما فيهما من الوعيد الشديد، ولما فيهما من التعدي على الآخرين، ففيهما حقوق يجب استيفاؤها من مال وعرض، بخلاف التصوير فهو ذنب بين الفاعل وربِّه تعالى.
وأما معنى ” أشد الناس عذابًا ” على هذه الحال: فهو محمول على وجوه، أقواها:
أ. أنه عذاب أشد بالنسبة لأصحاب المعاصي من جنس معصيته.
ب. أنه يشترك مع غيره من أصحاب الذنوب التي ورد فيها لفظ ( أشد ) في العذاب.
وأسلمها:
إبقاء النص على ظاهره؛ لأنه من نصوص الوعيد والتهديد.
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:
وقد استُشكل كون المصور أشد الناس عذابًا مع قوله تعالى ( ادخلوا آل فرعون أشد العذاب ) فإنه يقتضي أن يكون المصور أشد عذابًا من آل فرعون … وليس في الآية ما يقتضي اختصاص آل فرعون بأشد العذاب، بل هم في العذاب الأشد، فكذلك غيرهم يجوز أن يكون في العذاب الأشد، وقوَّى الطحاوي ذلك بما أخرجه من وجه آخر عن ابن مسعود رفعه ( إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتل نبيًّا أو قتله نبي وإمام ضلالة وممثل من الممثلين ) وكذا أخرجه أحمد – ( 6 / 413 ) وقد حسنه المحققون وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” ( 281 ) -، … وأخرج الطحاوي أيضًا من حديث عائشة مرفوعًا ( أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل هجا رجلًا فهجا القبيلة بأسرها ) – صححه الأرناؤوط في تخريج ” شرح مشكل الآثار ” ( 1 / 12 ) -.
قال الطحاوي: فكل واحد من هؤلاء يشترك مع الآخر في شدة العذاب.
وقال أبو الوليد بن رشد في ” مختصر مشكل الطحاوي ” ما حاصله: إن الوعيد بهذه الصيغة إن ورد في حق كافر: فلا إشكال فيه؛ لأنه يكون مشتركًا في ذلك مع آل فرعون، ويكون فيه دلالة على عظم كفر المذكور، وإن ورد في حق عاصٍ: فيكون أشد عذابًا من غيره من العصاة، ويكون ذلك دالًّا على عظَم المعصية المذكورة. ” فتح الباري ” ( 10 / 383 ، 384 ).
وما قاله ابن رشد هنا سديد لكن ننبه على أن العصاة المقصودين في كلامه ينبغي أن يُحمل على غير أصحاب الذنوب الأعظم من التصوير – مثل القتل والزنى -، وقوله أن اللفظ النبوي يدل على عظم المعصية قول سديد يدل على عين المراد من تنبيهنا هذا، وعلى أصل الجواب.
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
قوله: ( أشد الناس عذابًا ): فيه إشكال; لأن فيهم من هو أشد من المصورين ذنبًا، كالمشركين والكفار، فيلزم أن يكونوا أشد عذابًا، وقد أجيب عن ذلك بوجوه:
الأول: أن الحديث على تقدير ” مِن “، أي: ” مِن أشد النَّاس عذابًا “، بدليل: أنه قد جاء ما يؤيده بلفظ: ( إن من أشد الناس عذابًا ) – قلنا: وقد سبق ذِكرها وأنها رواها مسلم -.
الثاني: أن الأشدية لا تعني أن غيرهم لا يشاركهم، بل يشاركهم غيرهم، قال تعالى: ( أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ )، ولكن يشكل على هذا أن المصوِّر فاعل كبيرة فقط، فكيف يسوَّى مع من هو خارج عن الإسلام ومستكبر؟!.
الثالث: أن الأشدية نسبية، يعني: أن الذين يصنعون الأشياء ويبدعونها: أشدهم عذابًا: الذين يضاهئون بخلق الله، وهذا أقرب.
الرابع: أن هذا من باب الوعيد الذي يطلق لتنفير النفوس عنه، ولم أر من قال بهذا، ولو قيل بهذا: لسلمنا من هذه الإيرادات.
وعلى كل حال: ليس لنا أن نقول إلا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله ). ” القول المفيد على كتاب التوحيد ” ( 2 / 444 ، 445 ).
والخلاصة:
لا يمكن لسيئة التصوير التي دون الكفر أن تكون أعظم إثمًا وعقوبة من القتل والزنى والربا.
ومن حيث العموم: لا شك أن أعظم الذنب وأكبر الكبائر هو الإشراك بالله تعالى، ثم القتل، ثم الزنى، ولا يمكن لسيئة التصوير الواحدة أن تكون أعظم إثمًا وعقوبة من آلاف الذنوب – كما جاء في السؤال – من معاصي الزنى والربا والقتل.
قال ابن القيم – رحمه الله -:
قال الإمام أحمد رحمه الله: لا أعلم بعد القتل ذنبا أعظم من الزنا.
” الجواب الكافي ” ( ص 77 ).
واحتج الإمام أحمد بحديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: ( أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ) قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ( وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ )، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ( أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ). رواه البخاري ( 4207 ) ومسلم ( 86 ).
وقال المنذري – رحمه الله -:
وقد صح أن مدمن الخمر إذا مات لقي الله كعابد وثن، ولا شك أن الزنا أشد وأعظم عند الله من شرب الخمر.
” الترغيب والترهيب ” ( 3 / 190 ).
وقال السفاريني – رحمه الله -:
” الزنا أكبر الكبائر بعد الشرك والقتل.
” غذاء الألباب ” ( 2 / 305 ).
وما قلناه في الزنى نقوله في الربا، فهو ذنب عظم، وهو من كبائر الذنوب التي توعَّد الله تعالى عليها بأشد الوعيد.
وما ذُكر في ذنب التصوير من أن فاعله ” أشد الناس عذابًا ” إنما يدل على عظَم هذا الذنب، وشدة عقوبة فاعله، فليُعلم هذا.
والله أعلم.


