هل يأثم المسلم على بغض والديه القلبي في حال خالفوا الشرع؟

السؤال

هل إن كان الشخص يكره والده ولا يحبه مع حسن معاملته ومحاولة برِّه يأثم بهذه المشاعر، مع العلم أن والده هو من تسبَّب في هذه المشاعر بقسوته وأسلوبه في المعاملة مع الأبناء؟.

الجواب

الحمد لله

هذا سؤال دقيق، والإجابة عنه ستكون بقدره، فنقول: إن الله تعالى لم يأمر الأولاد بحب والديهم، ولم ينههم عن بغضهما؛ لأن الله تعالى غرس حبَّ الوالدين في فطَر الأولاد، فحب الوالدين حبٌّ فطري، وكذا حب الوالدين لأولادهم.

وثمة سبب آخر يمكن أن نقوله هنا، وهو أن الله تعالى يعلم أنه ثمة من سيكون من الوالدين كافرًا أو فاسقًا أو ظالمًا، ومثل هؤلاء إما يُبغضون لأفعالهم ولذاتهم – إن كانوا كفَّارًا -، وإما يُبغضون لأفعالهم – إن كانوا مسلمين -، ولا فرق في هذا الأمر بين أب وأم وبين أجنبي، وحينئذٍ يكون البغض بغضًا شرعيًّا.

فليس يؤمر الأولاد بحب والديهم وينهوا عن بغضهم، وإنما المأمور به الأولاد تجاه والديهم: برُّهم والإحسان إليهم بالقول والفعل، والمنهي عنه هو: عقوقهم، والإساءة إليهم بالقول والفعل.

ومع هذا نقول: إن المعصية التي تصدر من قبَل الوالدين ينبغي أن تولِّد في قلب الأولاد – مع البغض لها – الرحمة بوالديهم أنهم تلَّبسوا بما يخالف شرع الله، وينبغي الخوف عليهما أن يتوفوا على هذه المعاصي والموبقات.

وعليه: فمن وقع في قلبه كراهية لوالديه – أو أحدهما – بسبب يقتضي ذلك: فهو لا يؤاخذ على هذا الشعور، إلا أنه يأثم إذا ما أساء إلى والديه بالفعل أو بالقول حتى لو كان ذلك بكلمة ” أُف “!.

قال تعالى – في حق الوالدين المسلميْن -: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) الإسراء/ 23، 24.

وهل ثمة أعظم من الكفر يتلبس به الوالدان؟! ليس هذا فحسب بل إنهما يجاهدان في دعوة أولادهم لذلك الكفر ومع ذلك لم يأمر الله تعالى بعقوق ذينك الوالديْن، ولا نهاه عن برِّهما، بل أمره بقول المعروف لهما، والإحسان لهما.

قال تعالى – في حق الوالدين الكافريْن -: ( وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) لقمان/ 14، 15.

وقد ذكرنا في أجوبة متعددة كيف أن برَّ الأم والإحسان إليها لا يسقط حتى لو أنها كانت على علاقة محرَّمة مع أجانب! وقد ذكرنا فتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية في منعها وحبسها وربطها حتى لا تقع في المحرَّم ومع هذا كلِّه لم يسقط حقها في البر وتحريم العقوق، فلا يجوز السكوت عن فعلها، ولا إعانتها عليه، كما لا يحل عقوقها، ولا ضربها، وهذا الأمر دقيق لا يتنبه له كثيرون ممن تجرفهم العاطفة لما يرونه من مخالفات من والديهم، فمن الذي يحب الكفر والفسوق والعصيان من والديه؟! ومن الذي ينهاك عن بغض ذلك كله؟! وصدور ذلك من الوالدين لا يختلف عن صدوره من غيرهما من حيث بغضه وعدم الرضا به، ولكنَّنا أُمرنا إذا كان ذلك صادرًا من الوالديْن أن لا يتسبب في عقوقهما، ولا الإساءة إليهما، بخلاف ما إذا صدر ذلك من غيرهما.

ولم نرَ في فتاوى علمائنا من يمنع وجود البغض لأفعال الوالدين في قلبه طالما أن الولد لم يُترجم ذلك إلى واقع عملي فيسيء إلى والديه بالقول أو بالفعل أو بهما جميعًا، ودائماً تأتي الوصية من العلماء للأولاد في مثل هذه الأحوال: بالصبر على إساءة الوالدين، والدعاء لهما، والبر بهما، والإحسان إليهما، وتوسيط أهل الخير لإصلاح حالهما.

ومن ذلك:

  1. سئل علماء اللجنة الدائمة:

إنني أجد بغضا وكراهية لأبي؛ وذلك غضبًا لله عز وجل، فإنه ما من بيت من بيوت الجيران إلا ونظر على شأنهم، وكم من المشاكل حدثت بسبب هذا الموضوع، وعلمت حقًّا بما قاله ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه سيأتي زمان على هذه الأمة يذوب فيه قلب المؤمن كما يذاب الملح في الماء، وذلك لكثرة ما يجد ولا يقدر أن ينكره، وإنه يسبب لي المشقة لعلمي أن معصية الوالدين من الكبائر.

فأجابوا:

عليك بالإحسان إلى والدك وبذل المعروف له وطاعته في غير معصية الله عز وجل، وحاولي بذل النصيحة له إن قدرت عليها ولم تخشي مفسدة أعظم.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 25 / 155 ، 156 ).

  1. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – في صديق يقابل إساءة والده بإساءة-:

فالواجب على صديقك أن يتقي الله، وأن يراقب الل ، وأن يبرَّ أباه ويحسن إليه، وإن أساء أبوه إليه، لا يقابل الإساءة بالإساءة ولكن يقابل الإساءة بالإحسان، والكلام الطيب، والأسلوب الحسن، والدعاء لوالده بالخير والاستقامة والهداية، هذا هو الواجب عليه، وقد دلت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنَّة على ذلك، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: ( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ) الأحقاف/ 15، وفي آية أخرى: ( حُسْنًا ) العنكبوت/ 8، ويقول جل وعلا: ( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) لقمان/ 14، ويقول جل وعلا: ( وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) النساء/ 36، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقال تعالى: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) الإسراء/ 23، 24، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين )، ويقول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ) قلنا: بلى يا رسول الله، قال: ( الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور )، فعقوق الوالدين من أكبر الكبائر، وقد قرنه النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك، فوجب على هذا الرجل – وعلى غيره – أن يبرَّ والده، وأن يتقي الله في ذلك، ولو أساء إليه والده، ولكن هو يدعو لوالده بالتوفيق والهداية، ويطلب من إخوانه الطيبين من أعمامه – أو غيرهم – أن ينصحوا والده حتى لا يقسوا عليه، وحتى يرحمه، وحتى يعطف عليه، بالكلام الطيب.

أما هو فالواجب عليه أن يبرَّ والده، وألا ينسيه برُّه لوالدته برَّه لأبيه، فليتق الله، وليعامل أباه بالحسنى، وقد قال الله عز وجل في الولد مع أبويه الكافرين قال: ( وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) لقمان/ 15، معروفًا وهما كافران فكيف بالمسلم؟!، فعلى صديقك هذا أن يتقي الله، وأن يتوب إلى الله من عمله السيء، وأن يبر والده، ويحسن إليه، وأن يتلطف به، وأن يدعو الله له بالتوفيق والهداية، وأن يستعين على ذلك بخواص إخوانه الطيبين من أعمام، أو أخوال، أو أصدقاء، حتى ينصحوا والده؛ ليرفق به ويعامله بما ينبغي من اللطف، وهذا من باب التعاون على البر والتقوى، نسأل الله للجميع الهداية. ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 677 ).

  1. وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

أبونا قد هجر أمَّنا، هو يعاملنا بقسوة، ولا يعطينا شيئًا، علماً بأنه يملك الكثير من الأموال، مما أحدث في قلوبنا شيء من الكراهية له، فبماذا توجهونه؟ مأجورين.

فأجاب:

الواجب عليه: أن ينفق على أبنائه إذا كانوا فقراء، الواجب عليه: أن ينفق عليهم، وأن يعاملهم باللطف والإحسان والخلق الحسن، والواجب على أولاده أيضًا: أن يعرفوا قدْره، وأن يبرُّوه، وأن يخاطبوه بالتي هي أحسن، وإذا دعت الحاجة إلى أن يرفعوا الأمر إلى المحكمة: فلا بأس، يقولون: والدنا، ونحن فقراء ولم ينفق علينا، يرفعون أمره إلى المحكمة، وإذا توسط لهم بعض الطيبين من الجيران والأقارب لدى الوالد حتى ينفق: فهذا أحسن من المحكمة، أحسن من الخصومة.

وصيتي للأولاد: الرفق، والبر بالوالد، والكلام الطيب مع الوالد.

ووصيتي للوالد: أن يتقي الله، وأن ينفق على أولاده المحتاجين، وأن لا يحوجهم إلى الشكوى إلى المحكمة، أو إلى توسط للناس، يجب أن يعدل من نفسه، وأن يعرف ما أوجب الله عليه، وأن ينفق عليهم ما داموا فقراء، وأن يحسن إليهم، وأن لا يحوجهم إلى شكوى ولا إلى غيرها، وعلى الأولاد جميعًا أن يجتهدوا في برِّ والدهم، والكلام الطيب معه، ومخاطبته بالتي هي أحسن، وإذا دعت الحاجة إلى أن يطلبوا من أعمامهم أو من بعض جيرانهم أو أصدقاء والدهم أن يتوسطوا لدى والدهم بالإحسان إليهم وإيتاء حقهم بدلًا من الشكوى: فهذا أطيب، وأحسن.

” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 261 ).

وكما يلاحظ الجميع: ليس ثمة من يأمر بوجوب عقد القلب على محبة الوالد سيء الفعل مع أولاده، أو العاصي لربِّه تعالى، وليس ثمة من ينهى عن بغض الأفعال المخالفة لشرع الله تعالى الصادرة من الوالديْن، لكنَّ الأوامر الشرعية تقتضي البر بالوالدين، والإحسان إليهما، وعدم الإساءة لهما بالقول أو الفعل، حتى لو كانوا دعاة كفر، أو كانوا عصاة.

فالوصية لمن كان هذا السؤال من أجله:

أن تحتفظ بشعورك تجاه والدك في قلبك، وأن تجاهد نفسك للتخلص منه، وأن تصبر على ما ترى من والدك، وأن تعينه على طاعة ربه وأن لا يقع في مخالفة شرعية، ولا تنس أن برَّه عليك واجب، وعقوقه محرَّم، فأحسن إليه، وادع الله أن يهديه فهذا من حقه عليك.

وما سبق كله هو في حال أن يكون الوالد مرتكبًا لمعصية بينة، أو منكر يُغضب الله، وأما أن يكون ما يصدر من الأب ضبطًا لأولاده في أفعالهم، وقسوة في محلها على المخالف: فمثل لا يجوز معه بغضه القلبي، ولا ينطبق عليه ما ذكرناه سابقًا، فليُنتبه لهذا، فإن كلامنا في العصاة الظلمة والقساوة البغاة، وليس فيمن يقسو في مكانه، ويضع حدًّا لمخالفات أولاده بما يردعهم ويربيهم.

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة