ما هي وظيفة القرين من الجن؟ وهل له تأثير في الاستحاضة والمرور أمام المصلي؟
السؤال
سمعنا – يا شيخنا – عن ” القرين ” وأنه لا يتعدى إلا الوسوسة، ولكن هناك أثر كبير يبين دور ” القرين ” وتفلته بالأذى مثل الاستحاضة للصحابيات، فلو كان بهنَّ مسٌّ أو عين لكان أوصاهن رسول الله وبيَّن أن بهن أذى من سحر أو مس، ولكن اكتفى صلى الله عليه وسلم بأنها ركضة من الشيطان، وأيضا الأثر ” فإن معه القرين “، وأيضًا الأثر لابن عمر عندما دخل الى إهله وكانوا يضعون الخيط فوق عيونهم، وأيضا الأثر في عمر بن الخطاب عندما كان يسحب الشيطان – وأظنه القرين – ثوبه حين صلاته لأن الشيطان المنفلت المنطلق لا يقرب ابن الخطاب رضي الله عنه.
فما هو قولكم رحمكم الله وبارك الله فيكم – شيخنا ووالدنا -؟.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
القرين هو الشيطان الموكَّل بكل إنسان لإغوائه وإضلاله، وقد جاء ذكر ذلك في القرآن والسنَّة الصحيحة.
ثانيًا:
والذي يتبين من النظر في أدلة الكتاب والسنَّة أن لا عمل للقرين إلا الوسوسة والإغواء والإضلال، وبحسب قوة إيمان العبد يضعف كيد الشيطان القرين، وأنه ليس ثمة عمل آخر للشيطان حسي، وتنتهي مهة هذا القرين بموت المسلم، ولا ندري عن مصيره بعدها.
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
ما هو القرين ؟ وهل يرافق الميت في قبره؟.
فأجاب:
القرين هو شيطان مسلَّط على الإنسان بإذن الله عز وجل، يأمره بالفحشاء وينهاه عن المعروف، كما قال عز وجل: ( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )، ولكن إذا منّ الله سبحانه وتعالى على العبد بقلب سليم صادق متجه إلى الله عز وجل مريد للآخرة، مؤثر لها على الدنيا: فإن الله تعالى يعينه على هذا القرين حتى يعجز عن إغوائه.
ولذلك ينبغي للإنسان كلما نزغه من الشيطان نزع فليستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، كما أمر الله، قال الله تعالى: ( وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ).
والمراد بنزغ الشيطان: أن يأمرك بترك الطاعة، أو يأمرك بفعل المعصية، فإذا أحسست من نفسك الميل إلى ترك الطاعة: فهذا من الشيطان، أو الميل إلى فعل المعصية: فهذا من الشيطان، فبادر بالاستعاذة بالله منه: يعذك الله عز وجل.
وأما كون هذا القرين يمتد بأن يكون مع الإنسان في قبره: فلا، فالظاهر – والله أعلم – بمجرد أن يموت الإنسان يفارقه؛ لأن مهمته التي كان مسخرًا لها قد انتهت، إذ أن ( الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) – رواه مسلم -.
” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 17 / 427 ، 428 ) وقد صوَّبنا بعض الكلمات من الأصل وهي مادة صوتية من ” فتاوى نور على الدرب ” ( شريط رقم 315 ).
ثالثًا:
وكل ما خالف ما ذكرناه سابقًا من عمل القرين ليس ثمة ما يدل على أنه من عمله، وهذا ما سبَّب خللًا في فهم المسألة عند الأخ السائل، والأمور التي ذكرها ليست كلها سواء، فالشيطان الذي يوسوس للإنسان في صلاته ليس هو القرين، بل هو شيطان خاص لهذا الأمر، وقد سمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم ” خِنْزَب ” – بفتح الخاء أو كسرها -، وليس هو الذي يعقد على قافية المسلم قبل نومه ثلاث عُقَد – كما في الصحيحين -، وليس هو الذي يبول في أذن من نام الليل كله حتى أصبح – كما في الصحيحين -، وهكذا في مسائل كثيرة، فكل أولئك جنود لإبليس – على الراجح – ابتلى الله تعالى بهم المسلمين، وأمرهم بالاستعاذة منهم، واتخاذهم أعداء، وأما القرين فله الوسوسة والإغواء لا غير.
رابعًا:
ولا دليل على أن الاستحاضة من فعل القرين، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم سبب دم الاستحاضة بعدة أشياء، وهي:
- ( هَذَا عِرْقٌ ) رواه البخاري ( 321 ) ومسلم ( 334 ) من حديث عائشة رضي الله عنها.
- ( هَذَا مِنْ الشَّيْطَانِ ) رواه أبو داود ( 296 ) من حديث أسماء بنت عميس رضي الله عنها، والحديث صححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
- ( رَكْضَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ أَوْ عِرْقٌ انْقَطَعَ أَوْ دَاءٌ عَرَضَ لَهَا ) رواه أحمد ( 45 / 602 ) من حديث عائشة رضي الله عنها، والحديث صححه محققو المسند.
- ( رَكْضَةٌ مِنْ الرَّحِمِ ) رواه النسائي ( 209 ) من حديث عائشة رضي الله عنها، والحديث صححه الألباني في ” صحيح النسائي “.
- ( رَكْضَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ ) رواه الترمذي ( 128 ) وأبو داود ( 287 ) من حديث حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ رضي الله عنها، والحديث حسَّنه الألباني في ” صحيح أبي داود “.
ولا تنافي بين الروايات، فدم الاستحاضة يخرج من عرق انفجر في أدنى الرحم، والمرأة االمستحاضة يلبَّس عليها الأمر فتظنه حيضًا وتترك الصلاة، وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( رَكضة من الشيطان ) وقوله ( هذا من الشيطان ) فإن كان على ظاهره: فليس فيه ما يدل على أنه فعل القرين؛ لما سبق بيانه من اختلاف الشياطين وأعمالهم، وإن كان على المعنى الآخر فهو من القرين؛ لأنه داخل في التلبيس والوسوسة، ويكون العرق انفجر بسبب داء عرَض للمرأة بسبب من الأسباب المعروفة في عالم الطب.
قال بدر الدين العيني – رحمه الله -:
قوله: ( إنما هي ركضة من ركضات الشيطان ) أصل الركض: الضرب بالرجل والإصابة بها، يريد به: الإضرار والإفساد، كما تركض الدابة وتصيب برجلها، والمعنى: أن الشيطان قد وجد بذلك طريقًا إلى التلبيس عليها في أمر دينها ووقت طهرها وصلاتها، حتى أنساها ذلك، فصار في التقدير كأنه ركضة نالتها من ركضاته، وأضيف النسيان إلى الشيطان كما في قوله تعالى: ( فَأنسَاهُ الشَّيطَانُ ذكرَ رَبِّهِ ). وقيل: هو حقيقة، وأن الشيطان ضربها حتى فتق عرقهاَ. ” شرح سنن أبي داود ” ( 2 / 69 ).
خامسًا:
ومما يصلح أن يكون من فعل القرين – احتمالًا قويًّا – هو ما ذكره الأخ السائل من دفع القرين للمقترن به ليمرَّ بين يدي المصلي، فقد جاء النصٌّ الصحيح على هذا أنه من فعل القرين، وهذا ليس خارجًا عمّا ذكرنا من أعمال القرين من الوسوسة والتزيين والإغواء.
عن أَبِى سَعِيدٍ الخدْرِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ( إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَىْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْ فِى نَحْرِهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ ). رواه البخاري ( 3100 ) ومسلم ( 505 ).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ( إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّى فَلاَ يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ ). رواه مسلم ( 506 ).
قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:
وقد اختلف في معناه:
فقيل: المعنى: أن معه الشيطان المقترن به، وهو يأمره بذلك، وهو اختيار أبي حاتم، وغيره ، ويدل عليه: حديث ابن عمر: ( فإن معه القرين ).
وقيل: المراد: أن فعله هذا فعل الشيطان، فهو بذلك من شياطين الإنس، وهو اختيار الجوزجاني، وغيره. ” فتح الباري ” لابن رجب ( 2 / 676 ).
والمراد بأبي حاتم في كلام ابن رجب: هو الإمام ابن حبَّان صاحب الصحيح، فقد بوَّب على الحديث بقوله ” ذكر البيان بأن قوله صلى الله عليه وسلم ( فَإِنّمَا هُو شَيْطَان ) أراد به: أن معه شيطانًا يدله على ذلك الفعل، لا أن المرء المسلم يكون شيطانًا. ” صحيح ابن حبان ” ( 6 / 133 ).
سادسًا:
ولم نقف على ما أورده الأخ السائل عن ابن عمر وأبيه رضي الله عنهما، ولا يخرج الأمر عما ذكرناه، فما فيه من وسوسة وتزيين للباطل وإغواء فهو من القرين، وما عداه من الأمور الأخرى فمن غير القرين من الشياطين من جنود إبليس.
والله أعلم.


