هل تتنازل عن شرط عدم إدخال القنوات الفضائية في المتقدم للتزوج بها؟
السؤال
فتاة يتيمة في منتصف العشرين، متدينة، ومن عائلة محافظة، أرغب في الزواج من متدين، ويا حبذا لو كان طالب علم شرعي، لكن جميع من تقدم لخطبتي أناس عاديون من ناحية الدِّين، مثلا: يصلي وخلوق ولكن يسمع أغاني أو يجلب القنوات الفضائية لبيته، عندما يتقدم لخطبتي أشترط عدم جلب القنوات الفضائية، فعندما يسمع الخاطب هذا الشرط يذهب ولا يعود، هل أكتفي بكون الخاطب مصليّا وعلى خُلُق أم أصر على شرطي خاصة وأن عمري لم يعد يسمح بوضع شروط؟.
الجواب
الحمد لله
أولا:
من بلغ الحلُم من الذكور والإناث لا يقال له ” يتيم “، وليس له – كذلك – أحكام اليتم. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ ). رواه أبو داود ( 2873 ) وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “، وبعض العلماء يصححه موقوفا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
* قال البغوي – رحمه الله -:
وقوله: ( لا يُتم بعد احتلام ): اليتيم: اسم الصغير لا أب له، له سهم من الخُمس، فإذا بلغ: زال عنه اسم اليتيم، فلا يستحق ما يستحق بمعنى اليتم، والمراد من الاحتلام: البلوغ. ” شرح السنة ” ( 9 / 200 ).
ثانيا:
واشتراط الأخت السائلة في المتقدم لها للزواج بها أن يكون متديِّنًا أمرٌ طيب، وتُشكر على اشتراطها هذا، وتعان عليه، ويُدعى لها بالتوفيق لتحقيقه.
ولا نرى أن تتنازل المرأة عن اشتراط التدين في الزوج، وليس شرطا أن يكون طالب علم، والمهم أن يبتعد عن المحرمات ويحقق الواجبات، ولا شك أن التدين درجات، ويمكن لها قبول المسلم الملتزم بترك المحرمات وفعل الواجبات وعنده من المروءة والرجولة والغيرة ما يصلح أن يكون زوجا يحافظ على عرضه ويغار عليه.
وفي كل الأحوال لا ينبغي للأخت المسلمة أن تقبل زوجا من يتهاون بالصلاة أو يريدها تختلط بالرجال أو يكون مُطلقا العنان لبصره وسمعه في مشاهدة واستماع المحرَّمات.
فإذا كان شرط الأخت السائلة على المتقدمين أن لا يكون في بيتهم قنوات فضائية كتلك التي تنشر الفساد المرئي والمسموع: فنِعم الشرط، ولتستمر عليه، وأما إن كان قصدها يشمل القنوات الإسلامية: فلا نرى أن تشترط هذا، بل عليها أن تتنازل عنه؛ حيث أن ما يُعرض في تلك القنوات ليس مما يحرم على المسلم مشاهدته وسماعه، فلا وجه لذلك الشرط أن يُطلب تحقيقه من المتقدم لها للزواج.
وقد يسَّر الله تعالى في زماننا هذا ” رسيفرات ” مبرمجة على استقبال القنوات الإسلامية والمباحة الهادفة، وفي تلك القنوات تُعرض الأخبار والمحاضرات والبرامج النافعة من غير أن يقع المسلم في مخالفة شرعية، وهذا من نِعَم الله علينا، ومن البدائل التي تقطع الطريق على من يتذرع بإحضار قنوات أخرى تعرض الفساد والمنكر.
ثالثا:
ولتتنبه الأخت السائلة – وغيرها من مثيلاتها – فإنه ليس كل من يوافق على شروطك في الالتزام بالطاعة وعدم فعل المنكر أنه سيلتزم به! فقد يظهر كثير من أولئك الرضا بالشروط والموافقة على ما تريده المخطوبة ثم يكون مُخفيا لنقض تلك الشروط وهتكها، والأصل أن يُسأل عن استقامته والتزامه قبل أن يتقدم للزواج، لا أن يُجعل الميزان في استقامته ما يوافِق عليه من شروط، وقد حدثت مآسي كثيرة لكثير من الملتزمات بسبب عدم التنبه لهذا الأمر، فمنهن من ضعفن وانسقن وراء أزواجهن بما أرادوه وفعلوه من معاصٍ، ومنهن من تعرضن للضرب والأذى، وأحسنهن حالا من طُلِّقن من أولئك العصاة الفجَّار.
نعم، في بعض الأحيان قد تتوفر قرائن قوية على احتمال تأثير المرأة المتدينة على المتقدم لها في ترك بعض المعاصي والاستقامة على طاعة الله أكثر، فهنا قد نقول لها بأن تقبل به زوجا إن رأت ذلك التأثير ممكنا، فقد يكون ليِّن الجانب محبّا للخير وتكون هي قوية الاستقامة لها حظ من المنطق والعقل، فهنا قد ينجح مشروع الموافقة على من خفَّت استقامته على أمل أن ينجح التأثير عليه، وقد يظهر أثر ذلك التأثير في فترة ما قبل الدخول، والأفضل – والحالة هذه – أن يتم تمديدها قليلا، على أن لا يكون اتخاذ مثل ذلك القرار للمرأة وحدها، بل تشاور فيه العقلاء من أهلها.
– ونسأل الله تعالى أن يرزقك زوجا صالحا ويهبك ذرية طيبة وأن يوفقك لما يحب ويرضى.
والله أعلم.


