المسعف وطبيب الطوارئ وتحمل المسئولية عن موت المصاب في حادث
السؤال
أنا مسعف، أعمل بالقطاع الصحي، طُلب مني مباشرة حالة ( حادث سيارة )، وكان المُصاب ملقى على الأرض؟ عندما حضرت للمصاب – لست متأكداً بالضبط هل كان لديه نبض أو لا – نقلته على سيارة الإسعاف، وقمت بإجراء الإسعافات اللازمة له – الإنعاشات القلبية والتنفسية – وذلك بعد ما تأكدت داخل السيارة أن النبض غير موجود.
ولما وصلت للمستشفى سلمت المصاب لقسم الطوارئ، وضعوه في غرفة الإنعاش، سألني أحد الدكاترة المتواجدين ( هل كان لديه نبض أثناء نقلك المصاب من موقع الحادث ) فأجبته بـ ” لا ” غير شعورية، وأنا لست متأكدًا من ذلك هل كان لديه نبض أو لا، كان الوقت للمستشفى من الموقع ما يقارب نصف ساعة، وكنت وقتها أقوم على الإنعاش، وكنت صائمًا ومنهكًا جدًّا من جراء الجهد الذي بذلته أثناء الوصول للمستشفى، فما قلت هذه الكلمة حتى أزالوا من المصاب الأجهزة، وأعلنوا وفاته.
أحس بتأنيب الضمير الآن، لو قلت نعم: كانوا استمرو بعملية الإنعاش له، وقد تكون سبباً بعد الله سبحانه برجوع المصاب للحياة، أعيش في دوامة الآن, وتفكير, علماً بأن الحادثة مضى عليها أكثر من سنتين.
ما المترتب عليَّ عمله الآن؟ وهل عليَّ كفارة؟ وكيف أتخلص من التفكير بالموضوع؟ علمًا أنه أصبح هاجسًا يؤرقني في كل حين وفي كل حالة إسعافية أقوم بها.
أرجو الرد في أسرع وقت ممكن، وجزاكم الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله
أولًا:
بسؤالنا بعض الأطباء عن حالتك تبين لنا أنه لا شيء عليك من الناحية الفنية، وأن دور المسعف يكون في منطقة الكارثة يقدِّم ما يستطيعه من علاج للمصابين، وينتهي بتسليم هؤلاء المصابين لطبيب الطوارئ.
وعمل طبيب الطوارئ يبتدئ منذ أن يستلم المصاب، وليس له أن يبني على قول المسعف مسائل خطرة، فقد لا يكون المسعف أصلاً موجودًا، وعلى الطبيب التصرف بما يستطيعه تجاه المصابين مع قطع النظر عن شهادة المسعف والتي قد تكون ناقصة أو مخطئة.
وإزالة أجهزة الإنعاش عن المريض ليست تُبنى على شهادة مسعف بل على تقدير الطبيب المختص باستنفاذ الوقت اللازم لوضع المريض تحت أجهزة الإنعاش.
ولا يخلو المريض المصاب من كونه وصل إلى المستشفى حيًّا أو ميتًا، فإن وصل حيًّا: فلا تُرفع أجهزة الإنعاش إلا بتقرير من ثلاثة من الأطباء المختصين، وإن وصل ميِّتًا: فلا حاجة أصلا لأجهزة الإنعاش.
وبه يتبين أنه لا علاقة للمسعف بشهادته في فحص نبض المصاب؛ لأن العبرة بحال وصوله، وفحص المريض لدى وصوله من مهمة أطباء الطوارئ وطواقمهم، فهم الذين سيضعونه تحت أجهزتهم، فإن تبين لهم أنه ميت : فلا تهم شهادة المسعف بوجود نبض أثناء الكشف عليه في مكان الحادث أم لا يوجد نبض، وإن تبين لهم أنه حي: فلا تهم شهادة المسعف كذلك؛ لأنه إن قال لا يوجد نبض فقد تبين خلاف كلامه، وإن قال يوجد نبض فقد تأكدت شهادته.
والذي رأيناه في شهادتك في السؤال أنك مضطرب في الجزم بوجود النبض ففي مرة قلت إنك لستَ متأكدًا من وجوده، وثانية قلت إنك متأكد من عدم وجوده، وثالثة كالأول ! وكل ذلك لا يهم طالما أنك ذكرتَ أنك ” قمتَ بإجراء الإسعافات اللازمة له – الإنعاشات القلبية والتنفسية – ” فهذا هو المهم، وهو عملك المناط بك، وأما شهادتك عند الطبيب فلا قيمة لها؛ لأنه لا ينبغي للطبيب أن يبني عليها.
وعليه: فلا يظهر أنك عليك – أخي السائل – شيء تجاه ما حصل مع المريض المصاب، فلا داعي للقلق ولا للحزن، ونسأل الله أن يرحم ذلك الميت إن كان من المسلمين.
ولا نستطيع الحكم على المسألة من جهة الطبيب إلا أن نستمع منه عما جرى معه.
ونوصيك بإتقان عملك، وأن تتقي الله في المرضى والمصابين، وأن تكون جادًّا جازماً في شهادتك.
ثانيًا:
وننبهك – أخي السائل – إلى أنه يجوز لك الإفطار – بل قد يجب عليك – إن كنتَ لا تستطيع تأدية عملك على وجهه الصحيح بما فيه إنقاذ نفوسٍ معصومة إلا بالفطر، فلك أن تفطر، بل قد يجب عليك، فتأكل أو تشرب بقدر ما يرجع إليك نشاطك لتؤدي عملك، ولا يلزمك الإمساك بقية اليوم، وعليك قضاء اليوم الذي أفطرت فيه.
* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:
ومن الأعذار أيضًا: أن يحتاج الإنسان إلى الفطر لإنقاذ معصوم من هلكة، مثل أن يجد غريقاً في البحر، أو شخصًا بين أماكن محيطة به فيها نار، فيحتاج في إنقاذه إلى الفطر: فله حينئذ أن يفطر وينقذه، ….
فإذا وجد السبب المبيح للفطر وأفطر الإنسان به: فإنه لا يلزمه الإمساك بقية ذلك اليوم، فإذا قُدِّر أن شخصًا قد أفطر لإنقاذ معصوم من هلكة: فإنه يستمر مفطرًا ولو بعد إنقاذه؛ لأنه أفطر بسبب يبيح له الفطر، فلا يلزمه الإمساك حينئذ؛ لكون حرمة ذلك اليوم قد زالت بالسبب المبيح للفطر.
” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 19 / 109 ).
* وقال – رحمه الله -:
في معنى ذلك من أفطر لإنقاذ غريق أو حريق ممن يجب إنقاذه فإنه يفطر ويقضي، مثلًا: رأيت النار تلتهم بيتًا وفيه أناس مسلمون، ولا يمكن أن تقوم بالواجب بواجب الإنقاذ إلا إذا أفطرت وشربت لتتقوى على إنقاذ هؤلاء: فإنه يجوز لك بل يجب عليك في هذه الحال أن تفطر لإنقاذهم، ومثله هؤلاء الذين يشتغلون بالإطفاء، فإنهم إذا حصل حريق في النهار وذهبوا لإنقاذه، ولم يتمكنوا منه إلا بأن يفطروا ويتناولوا ما تقوى به أبدانهم: فإنهم يفطرون ويتناولون ما تقوى به أبدانهم.
” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 19 / 163 ).
والله أعلم.


