رجل نذر أنه إن سقط النظام في بلده فسيمشي على قدميه من “إدلب” إلى “دمشق”، فما حكم هذا النذر؟ وهل يجب عليه الوفاء به؟
السؤال
رجل نذر أنه إن سقط النظام في بلده فسيمشي على قدميه من “إدلب” إلى “دمشق”، فما حكم هذا النذر؟ وهل يجب عليه الوفاء به؟
الجواب
الحمد لله
الملخص الفقهي:
من نذر أن يمشي من “إدلب” إلى “دمشق” لا يجب عليه الوفاء، لأن هذا النذر ليس بطاعة مشروعة بل فيه مشقة بلا قربة، وعليه كفارة يمين.
أولا:
هذا النذر ليس فيه قربة شرعية مقصودة، بل فيه إتعاب للنفس دون عبادة مشروعة، ومثله نذر الحفاء والامتناع عن الركوب وعدم الاستظلال من الشمس، والقيام مع عدم الجلوس، والصمت مع عدم الكلام، وكل ذلك أبطله النبي صلى الله عليه وسلم على من نذره.
١. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما النبي ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم في الشمس، فسأل عنه، فقالوا: هو أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم.
فقال ﷺ: “مُروه فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليُتم صومه.”
رواه البخاري.
فأقر النبي صلى الله عليه وسلم نذر الصوم لأنه طاعة، وأبطل ما عداه لأنه لا يتقرب إلى الله تعالى تعذيب النفس، والله غني عن تعذيب العبد نفسه.
٢. وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ، فاستفتيته، فقال ﷺ: “لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ” .
وفي رواية أحمد والأربعة:
“إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام.”
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-:
إن النذر الذي فيه مشقة وليس بطاعة لا يجب الوفاء به؛ لأن الله غني عن تعذيب العبد نفسه.
والرسول ﷺ أقرّ ما كان طاعة (الذهاب إلى بيت الله)، وأنكر ما كان مشقة بلا قربة (الحفاء والمشي الطويل).
فالرسول ﷺ أقر المعروف وأنكر المنكر، وأمر المرأة أن تركب وتختمر وتصوم ثلاثة أيام كفارة لما تركت من نذرها.”
“شرح بلوغ المرام” كتاب الأيمان والنذور (الدرس ٣).
(والظاهر أنه أمرها بالصوم كفارة يمين عن نذرها لما علمه صلى الله عليه وسلم من حالها أنها لا تقدر على العتق والإطعام والكسوة).
٣. روى البخاري ومسلم في قصة الرجل الذي نذر أن يحج ماشيًا، أنه قال ﷺ:” إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني، فليركب.”
فإذا كانت الطاعة (كالحج أو العمرة) تتحقق بدون المشقة الزائدة، فلا يجوز إلزام النفس بما يشقّ عليها بلا فائدة.
والله تعالى غني عن تعذيب العباد لأنفسهم باسم النذر أو الزهد.
والشريعة جاءت برفع الحرج والتيسير، قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (الحج/٨٧).
وقال تعالى {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} (البقرة/١٨٥).
والعبادات في الإسلام ليست ميدانًا لتعذيب النفس، بل سبيلٌ لتزكيتها.
ثانيا:
والأصل في نذر الطاعة المعلق على حصول شيء أنه منهي عنه.
عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر، وقال: “إنه لا يرد شيئًا وإنما يستخرج به من البخيل.”
رواه البخاري ومسلم.
* وفي رواية -عندهما-:
“إن النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخر, وإنما يستخرج بالنذر من البخيل.”
ثالثا:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه.”
رواه البخاري.
فمن نذر طاعةً مشروعةً كالصدقة أو الصيام أو الحج، فعليه الوفاء.
أما إن نذر أمرًا لا طاعة فيه أو فيه تعذيبٌ للنفس، فلا يجوز له الوفاء، بل يُكفِّر كفارة يمين، وهي: التخيير بين عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين من أوسط الطعام، أو كسوتهم، فإن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام.
قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (المائدة/٨٩) .
وعن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “كفارة النذر كفارة اليمين.”
رواه مسلم
رابعا:
نُثني على صدق الشاب ووفائه، ونقول له: لا تُتعب جسدك فيما نهى عنه الشرع،
وامضِ في طاعة الله بقلبٍ صادقٍ ووجهٍ مُخلصٍ فيما شرعه الله تعالى من طاعات، ونعمة سقوط النظام النصيري وتحرير سورية نعمة عظيمة تستوجب الشكر القلبي واللساني والعملي.
والله أعلم
كتبه: إحسان العتيبي أبو طارق
١٦ جمادى الأولى ١٤٤٧ هـ، ٧/ ١١/ ٢٠٢٥


