التجسس والقذف وإشاعة الفاحشة ( اختلاف الدعاة وطلبة العلم )

السؤال

اختلف بعض الدعاة وطلبة العلم مع آخر في مسائل، وقد يكون الصواب (علميّا) معهم في بعضها، وسعوا كثيرا لإسقاطه، وحاليّا زعموا أنه ثمة من اخترق حسابات ذلك الخصم ووقعوا على (صيد ثمين)! من أشياء سلوكية في الأعراض! وعقائدية في وقوعه بالشرك! فقاموا بنشر هذه التسريبات، ومن فجورهم بعضهم في الخصومة أنه قام بالاعتداء باللفظ على كل من ذكّرهم بحرمة عملهم، فهل يجوز فعلهم هذا ؟

الجواب

١. الخلاف الشرعي المحمود ليس غايته الانتصار للنفس أو إسقاط المخالف، بل غايته القصوى هي بيان الحجة وإظهار الحق بأدلته الشرعية، لاسيما فيما يتعلق بأصول الدين أو المسائل المؤثرة في العمل، ويجب أن تكون نية العالم أو طالب العلم في نقده نية خالصة لـ تبليغ الشرع، وحماية الدين، ومحبة هداية ونفع المخالف، وتذكيره بالصواب.
٢. ومتى خرج النقد من دائرة الأدلة إلى دائرة اتهام النوايا، أو الطعن في العرض، أو استغلال الأسرار الشخصية والمهكرات، فقد تحول من “خلاف شرعي” إلى “اعتداء شرعي”، ويأخذ حكم التجسس والتشهير المحرميْن قطعيّا.
٣. والوثائق المسروقة لا تُعتبر بيّنة شرعية مقبولة، وناشرها الأصلي فاسق في دينه لارتكابه جريمة التجسس، ويجب شرعاً على كل من وصلت إليه أن يسترها وأن يتلفها، لا أن ينشرها ويستغلها.
ومن شروط ثبوت أي بينة شرعية (سواء كانت إقراراً أو شهادة أو وثيقة) أن تكون خالية من الشبهات القوية.
واليوم، تقنيات الذكاء الاصطناعي (أو محاكاة النصوص والأصوات) تجعل من السهل جدّاً تزوير المحادثات، أو الأصوات، أو الوثائق، أو مقاطع الفيديو بأصالة متناهية.
وفي حال وجود أي شبهة قوية بالتزوير أو التلاعب (وهذه الشبهة قائمة وقوية جداً بسبب تقنية الذكاء الاصطناعي وعدم التحقق من المصدر)، فإن الأحكام الشرعية القاسية (مثل القذف أو إثبات الفسق المُعلن) تُدرأ وتُرفع.
{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور/ ٤).
وهذه عقوبة القادف للعرض واضحة بينة: الجلد ثمانون جلدة ، والوصف بالفسق ، وعدم قبول الشهادة.
وجمهور الفقهاء يرون أنه حتى لو تاب القاذف فإن عدم قبول شهادته يبقى ثابتا.
٤. وقد وقع من أشرت لهم بجملة من المخالفات الشرعية،منها:
أ. الاتهام بالوقوع في الشرك:
بتفاصيل يندى لها الجبين ويعف اللسان عن ذكرها لقباحتها فلا أدري كيف يتجرؤون على ذكرها أمام العالم وتدون في صحائفهم ، والأصل في أهل الإسلام هو ثبوت الإسلام لهم بالشهادتين، ولا يخرج المرء من دائرة الإسلام إلا بيقين قاطع لا يحتمل الشك، وبوجود شروط التكفير وانتفاء موانعه، وقد ورد الوعيد الشديد لمن يتسرع في إطلاق هذا الحكم، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أيُّما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما” (رواه البخاري ومسلم).
وهذا يدل على أن التهمة إذا لم تثبت على المُتَّهَم، فإنها ترجع على القائل، فيقع في الإثم العظيم والوعيد الشديد.
ب. التجسس وكشف العورات:
والأصل في الإسلام هو الستر على المسلم، وقد ورد النهي الصريح عن التجسس والبحث عن عيوب الناس، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا} (سورة الحجرات/ ١٢.
ومن تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ اتَّبَعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ اتَّبَعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ.” رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح.
وفعل الاختراق والنشر يقع تحت هذا التحذير من وجهين أساسيين:
– الاختراق الإلكتروني للحسابات والأنظمة هو في حقيقته أبشع صور التجسس وتتبُّع العورات في هذا العصر.
والرسائل الخاصة، والمحادثات الشخصية، والملفات الداخلية، والحياة السرية للفرد في وسائطه الإلكترونية هي ما يُطلق عليها “العورة الرقمية”، وهي مرادفة تمامًا لـ “جوف بيته” المذكور في الحديث.
والمخترِق (الهاكر) لا ينتظر أن تظهر العورة، بل هو يسعى ويجتهد في كسر الحماية واقتحام الحصن الرقمي ليتتبع ما استتر من أمور شخصية، وهذا هو عين الفعل الذي حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم.
– النشر والانتفاع هو إتمام لجريمة التتبُّع:
أما هؤلاء الذين لم يخترقوا بأنفسهم، ولكنهم التقطوا التسريبات ونشروها، فإنهم يقعون تحت طائلة الحديث من جهة أخرى وهي الرضا بالجريمة والانتفاع بها، فقبول التسريب واستخدامه في النشر هو رضا بفعل التجسس والقرصنة، وإكمال لغرض المعتدي (الهاكر)، فالمخترق سعى للكشف، والناشر أكمل الفضيحة وأذاعها. وبذلك، يصبح الناشر شريكًا في إثم التتبُّع والوصول إلى العورات.
وغاية المتتبع للعورات هي الفضيحة والإسقاط، وعندما يقوم المخالفون بنشر هذه التسريبات، فإنهم يُحققون الغاية المذمومة المتمثلة في فضح أخيهم المسلم، بل والطعن في عرضه وزوجته -كما ذكرت-، وبذلك، يكونون قد شاركوا في ارتكاب الفعل الذي توعَّد الله فاعله بأن يفضحه ولو في جوف بيته.
وحقيقة ما حدث هو الاستفادة والرضا بفعل التجسس والقرصنة (الاختراق)، وهو ما يلحقهم بجريمة التجسس، حتى لو ادعوا أن التسريبات جاءتهم “من غير سعي”. فقبول المسروق واستغلاله هو مشاركة في الإثم.
ج. حرمة القذف والطعن في الأعراض:
الطعن في الشرف، أو الدين، أو الأخلاق، أو العقيدة، وتجاوز الأمر إلى زوجة الشخص، هو من أعظم الذنوب وأخطرها.
فالقذف: اتهام شخص بارتكاب فاحشة دون بينة شرعية (أربعة شهود) هو قذف يوجب الحد الشرعي في الشريعة الإسلامية.
والغيبة والبهتان: إذا كان ما نُشر صحيحًا (في زعمهم)، فإعلانه ونشره هو من الغيبة، وإذا كان كذبًا فهو من البهتان، وكلاهما محرم شرعًا.
د. جريمة إشاعة الفاحشة:
وهي من كبائر الذنوب في الإسلام؛ لأنها تُفسد المجتمع، وتُسقط الحواجز الأخلاقية، وتُحفز على ارتكابها، ولهذه الجريمة أدلة قاطعة، قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النور/ ١٩).
وهذا النص القرآني يشمل بعمومه كل من سعى لنشر الفاحشة وتداولها، سواء كانت حقيقية أو مزعومة! وسواء فعلها هو أو فعلها غيره .
ونشر المخالفين للتسريبات والمهكرات علانيةً لإسقاط خصمهم هو أبلغ صور إشاعة الفاحشة التي أحبوا وقوعها! فأرادوا انتشارها، بقصد التشهير.
وجزاؤهم الوعيد بعذاب أليم في الدنيا والآخرة، وهذا يدل على خطورة الفعل وأنه من الكبائر.
٥. والأصل في الخلافات العلمية الشرعية أن تقتصر على الأدلة والبراهين والرد على الأخطاء العلمية فحسب، أما إسقاط الشخص بالطعن في حياته الخاصة وعرضه وأهله، فهذا خروج عن منهج أهل العلم، ويُعدُّ من الحسد والبغي والظلم والاعتداء، وليس من باب النصح أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٦. وهذا الفعل يُعد جريمة يعاقب عليها القانون في جميع دول العالم تقريبًا، ويقع تحت عدة تصنيفات، منها: “جريمة القرصنة الإلكترونية” ، و”التشهير”، و”انتهاك الخصوصية” ، و”التهديد والابتزاز”.
وللأسف أن نجد من يرعوي عن هذه الأفعال القبيحة خوفا من عقوبات الدنيا، وفي الوقت نفسه نجد من يتجرأ عليها من المحسوبين على العلم والدعوة ولا يخافون عقوبة الآخرة بل ولا وعيد الفضح بالدنيا في تتبع عوراتهم هم أنفسهم.
٧. رسالتي لهؤلاء الذين شاركوا في هذا الفعل البغيض، سواء باختراق أو بنشر:
– اتقوا الله في أنفسكم وفي أعراض المسلمين،أنتم خلطتم خلافكم العلمي الذي كان يمكن أن يكون سبيلاً للحوار وطلب الحق، بجريمة أخلاقية وشرعية وقانونية لا يرضاها إنسان سوي.
– لا يجوز تبرير جريمة التجسس، والقرصنة، وكشف العورات بادعاء طلب الحق أو إسقاط المخالف، فالحق لا يُنصر بالباطل، وإسقاط المسلم بالطعن في عرضه وأهله ليس من ديننا ولا من أخلاقنا.
– توبوا إلى الله، وكفّوا عن نشر هذه الفضائح، واحذفوا ما نشرتم، واعتذروا عما بدر منكم، فدينكم وأخلاقكم وشرفكم أغلى من أن تُباع بثمن بخس هو إسقاط شخص في خلاف علمي.
– تذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم: “يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله” رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح.
٨. ختاما:
هذا الإنكار والتحذير سيكون هو الموقف نفسه لو كان الشخص المُخترَق عاميّاً ليس من أهل العلم، أو كان مُبتدعاً، أو كان من أقل الناس منزلة علمية، بل إن الشريعة الإسلامية تحمي الخصوصية وحرمة الجسد والمال والعرض لكل إنسان، حتى لو كان المُخترَق غير مسلم! فالأصل الشرعي هو أن حرمة التجسس والاعتداء على ممتلكات الغير هي حرمة عامة تشمل غير المسلمين أيضاً (باستثناء بعض التفاصيل الفقهية المتعلقة بالحدود والعقوبات الخاصة بالمسلم)، فقوانين دول العالم التي أشرنا إليها، تحمي خصوصية الجميع، والشريعة الإسلامية تحرّم الاعتداء والظلم على أي نفس.
فالمسألة إذاً ليست مسألة خلاف شخصي، بل هي مسألة منهج وسلامة قلب وتطبيق لآداب الشريعة.
ومن طلب مني توضيح موقفي من قضية أو حكم في أصل الخلاف فلن أجيبه، فها هي مقالاتي ومقاطعي مبثوثة في قنواتي، ولا أسمح لأحد بتصنيفي ولا احتسابه لي لصفه، فهذه ألعاب صبيانية طفولية قد نجانا الله منها ، وهذا مستنقع قذر لن يكون مني ولوج فيه، فقد قدمت نصيحة لمحب وتعليقا على مقطع، ومع هذا البيان الواضح والجواب الكامل ينتهي ما عندي في الموضوع، ولذلك لم ولن أسمع مقاطع لأولئك القاذفين مهما كانت الظروف، ومن تكلم عني بكلام سوء فلا أسامحه دنيا ولا أخرى، فإن عجزتُ عن أخذ حقي منه بالدنيا فالله الموعد في الآخرة.
والله أعلم وهو الموفق لا رب سواه
كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
٢٧ جمادى الأولى ١٤٤٧ هـ، ١٨/ ١١/ ٢٠٢٥

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة