بَيْن صحة السَّند ومحاكمة التاريخ (قصة سفيان بن عيينة نموذجًا)
السؤال
انتشر مقطع فيديو للشيخ المحدِّث أبو إسحاق الحويني -رحمه الله- يروي فيه قصة مؤثرة عن سفيان بن عيينة، مفادها:
أنَّ سفيان رأى في المنام سقوط أسنانه، ففسرها شيخه الزُّهري بموت أقرانه، ثم جعل يسأل عن العلماء:
الليث بن سعد، وبَقِيَّة بن الوليد، وضَمْرة بن ربيعة، ومحمد بن يوسف الفِرْيابي فيُخبر بوفاتهم واحدًا بعد واحد، فيبكي ويرثي نفسه.
وقد صحَّحَ الشيخ إسناد القصة اعتمادًا على رواية أبي نعيم في “حلية الأولياء” فهل تصح هذه القصة واقعًا؟
الجواب
الحمد لله، وبعد:
فهذه القصة مثالٌ بيِّن على ضرورة عدم الاكتفاء بسلامة الإسناد ظاهرًا، دون عَرْض المتن على ميزان التاريخ، وهو منهج أئمة النقد والتاريخ كـ ابن عساكر والذهبي، وغيرهما.
نَص القِصة:
عن العباس ابن محمد بن عبد الله الترقفي (وأخطأ الشيخ الحويني رحمه الله فقال “الترفقي”) يقول:
خرج علينا سفيان بن عيينة يوما فنظر إلى أصحاب الحديث فقال: هل فيكم أحد من أهل مصر؟ فقالوا: نعم، فقال: ما فعل الليث بن سعد؟ فقالوا: توفي، فقال: هل فيكم أحد من أهل الرملة؟ فقالوا: نعم، فقال: ما فعل ضمرة بن ربيعة الرملي؟ فقالوا: توفي، فقال: هل فيكم أحد من أهل حمص؟ فقالوا: نعم، فقال: ما فعل بقية بن الوليد؟ فقالوا: توفي، فقال: هل فيكم أحد من أهل دمشق؟ فقالوا: نعم، فقال: ما فعل الوليد بن مسلم؟ فقالوا: توفي، فقال: هل فيكم أحد من أهل قيسارية؟ فقالوا: نعم، فقال: ما فعل محمد بن يوسف الفريابي؟ فقالوا: توفي، فبكى طويلا ثم أنشأ يقول:
خَلَتِ الديارُ فسُدْتُّ غير مُسَوَّدِ *** ومن الشَّقاء تَفَرُّدِي بالسُّؤدَدِ.
انتهى.
والقصة -وإن رُويت بإسناد ظاهره السلامة عند بعض أهل العلم- إلا أنَّ متنها مُنكر تاريخيًّا، ومستحيل الوقوع؛ لِمَا فيه من اضطرابٍ بيّن في تواريخ الوفيات، وبيانه كالتالي:
وفاة سفيان بن عيينة: سَنة (١٩٨هـ).
وفاة محمد بن يوسف الفريابي: سنة (٢١٢هـ).
وفاة ضمرة بن ربيعة: سنة (٢٠٢هـ).
فالسؤال الذي لا مفر منه: كيف يبكي سفيان بن عيينة (المتوفى سنة ١٩٨هـ) على الفريابي الذي عاش بعده أربع عشرة سنة؟! وكيف ينعى ضمرة الذي توفي بعده بأربع سنوات؟! وهل يُعزَّى الأحياء بالموتى؟!
ولهذا الخَلَل التاريخي الظاهر نَقَض الحافظ المؤرخ ابن عساكر القصة صراحة في “تاريخ دمشق” فقال -رحمه الله- كلامًا نفيسًا يدل على دِقة نقده، يقول:
“هذه الحكاية ظاهرة الاختلال، لا يخفى خطؤها إلا على الجهال بالتواريخ؛ فإن الليث قديم الوفاة، لا تخفى وفاته على سفيان، وأما ضمرة بن ربيعة فإنما توفي بعد سفيان، قيل سنة مائتين وقيل سنة اثنين ومائتين، وأما محمد بن يوسف الفريابي فإنه بقي بعد سفيان مدة طويلة، وتوفي سنة اثنتي عشرة ومائتين”.
وهذا صنيع المؤرخ الناقد، الذي لا يَكتفي بسلسلة الرواة، بل يُحاكِم الخبر إلى الواقع والتاريخ.
الخُلاصة:
القصة منكرة المتن، لا تصح تاريخيًّا، ولو بدا إسنادها سليمًا في الظاهر، مما يدل على وهمٍ شديد أو تركيبٍ في الخبر، وفي مثل هذا يتبيّن أن التاريخ ميزان كاشف لا يجامل أحدًا، وأن سلامة الإسناد لا تعني بالضرورة صحة القصة إذا أبطلها الواقع المقطوع به.
والله أعلم.
🖊️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي.


