مناظرة “العباس بن موسى بن مشكويه” مع “الواثق” دراسة إسنادية ومَتْنية ومنهجية.

السؤال

هل مِن كلام عِلمي تأصيلي فيما انتشر مِن مَتن وشرح ما سُمِّي بـ”عقيدة العباس بن موسى بن مشكويه” المأخوذة من مناظرته مع الخليفة الواثق، التي ذكرها “ابن بَطَّة العُكبري” في كتابه “الإبانة”؟ ثم إجابة على تعقيبين أرسلهما أحد المتابعين الأفاضل.

الجواب

‏الحمد لله، وبعد:
1️⃣ يُعد كتاب “الإبانة الكبرى” للإمام “ابن بطة العكبري” مِن أمّات كُتُب الاعتقاد عند أهل السنة، وقد تلقَّاه العلماء بالقَبول مِن حيث المنهج والأصول، مع التنبيه -قديمًا وحديثًا- إلى وجود مآخذ حديثية إسنادية في بعض ما أَوْرده مِن أخبار وقَصص تاريخية.
2️⃣ ومِن أشهر ما أورده: قصة مناظرة العباس بن موسى بن مشكويه الهمذاني بحضرة الخليفة الواثق، وقد اشتُهرت القصة لشُهرة كتاب “الإبانة” وأفرَدَها بعض المعاصرين بالشرح والتقرير، دون تحرير علمي لإسنادها أو متنها.
‏3️⃣ يروي ابن بطة القصة بسنده:
‏عن أبي عمر عبيد الله بن محمد بن عبيد بن مسبح العطار
‏عن أبي بكر القاسم بن إبراهيم الصفار القنطري
‏عن سلامة بن جعفر الرملي
‏عن العباس بن موسى بن مشكويه الهمذاني.
4️⃣ وفي تحقيق دار الراية لكتاب “الإبانة” (الجزء الرابع عشر) للدكتور “يوسف بن عبد الله الوابل” جاءت حواشي التخريج صريحة في بيان حال رجال السَّنَد، وخُلاصتها:
‏* أبو عمر عبيد الله بن عبيد بن مسبح العطار:
‏لم أجد له ترجمة.
‏* أبو بكر القاسم بن إبراهيم الصفار القنطري:
‏قال الذهبي: يُكثر من رواية المَناكير، وقال ابن حجر: شيخ مجهول.
‏* سلامة بن جعفر الرملي:
‏لم أجد له ترجمة.
‏* العباس بن موسى بن مشكويه:
‏لم أجد له ترجمة.

‏والنتيجة:
‏الإسناد مُشتمِل على تتابع رواة مَجاهيل، مع راوٍ منكر الرواية أو مجهول، وهو ما يَجعل السند ساقطًا جدًّا، غير صالح للاحتجاج، لا في باب الاعتقاد، ولا في باب التاريخ.
5️⃣ والواقع المتني والتاريخي للقصة لا يقل اضطرابًا عن واقعها الإسنادي؛ فالثابت في كُتب التاريخ أنَّ الخليفة الواثق كان مِن أشد خلفاء مِحْنة خَلْق القرآن، ولم يُعرف عنه تراجع أو انكسار في هذه القضية، بل قُتل في عهده أحمد بن نصر الخزاعي، بينما تُصوِّر القصة الواثق بصورة مغايِرة تمامًا، وهو ما يُورث نكارة تاريخية ظاهرة.
‏6️⃣ ويُلاحظ أن ما سُمِّي بـ”عقيدة العباس بن مشكويه” -كما ورد في هذه القصة المُنْكرة- قد اشتمل على مسائل فقهية اجتهادية خلافية أُدرجت ضمن “عقيدة أهل السنة” مثل:
‏* إيقاع الطلاق بكلمة واحدة.
‏* تحديد مسافة القَصر بالفراسخ.
‏* إخفاء البسملة.
‏وهذه مَسائل يَسوغ فيها الخلاف بين أهل السنة أنفسهم، فكيف تُجعل فارقًا عقديًا في مقام محنة وسيف؟!
‏وهو ما يَدل على أن النص مركَّب أو مُتأخِّر الوضع لتعزيز توجّه فقهي بعينه.
7️⃣ ومما في متن القصة من نكارة: تصوير أسلوب التعذيب بقلع الأضراس، وهو غير مشهور في وقائع محنة خلق القرآن، إذ المعروف فيها: الضرب، والحبس، والقتل بالسيف، كما وقع لأحمد بن نصر الخزاعي.
8️⃣ ومما يُنكر أيضًا: نِسبة عبارة الإمام أحمد: “ينبغي أن تُكتب على أبواب المساجد” إلى هذا السياق، والإمام أحمد أجلُّ وأورع من أن يقول ذلك في عقيدة مركَّبة كهذه، ولم يثبت هذا اللفظ عنه بإسناد صحيح مستقل.
9️⃣ ونَكارة هذه الرواية لا يقدح في الإمام ابن بطة، فقد اتفق نُقاد الحديث مِن أهل السنة على إمامة ابن بطة في الاعتقاد، مع التنبيه على قلة إتقانه في الرواية ووجود أوهام له فيها، وأنَّ ما يُؤخذ عليه إنما هو في باب الإسناد، لا في باب الاعتقاد.
‏ قال الذهبي -رحمه الله-:
‏لابن بطة مع فضله أوهام وغلط.
‏وقال:
‏ومع قلة إتقان ابن بطة في الرواية، فكان إماما في السنّة، إماما في الفقه، صاحب أحوال، وإجابة دعوة، رضي الله عنه.
‏وقال:
‏صدوق في نفسه، تكلموا في إتقانه.
‏وقال:
‏يهم ويغلط.
‏وقال:
‏إمام، لكنه ذو أوهام.
‏وقال:
‏وابْن بطَّة ضعيفٌ مِن قِبَل حِفظه.
‏ومعتقد ابن بطة ثابت بغير هذه القصة، في الصفات، والإيمان، والرد على الجهمية، بالكتاب والسنة، وإجماع السلف، وكتُب أئمة السنة قبله وبعده.
‏🔟 ومِن العَجَب أنْ تُذكر هذه المناظرة أنها في مجلس خليفة، ويُروى فيها وجود الإمام أحمد، وثناؤه على موقف العباس، وعلى اعتقاده، وأَمْر ابنه بكتابتها، ومع ذلك لا يوجد شاهد واحد يشهد لحصولها ولا يكون لصاحبها ذِكر في أصحاب أحمد ولا كُتُب التراجم الحنابلة!

‏وأخيرا:
‏ولسنا بحاجة أصلًا إلى هذه القصة؛ فبطلان القول بخَلْق القرآن ثابت:
‏* بنصوص الوحيين.
‏* وبإجماع السلف.
‏* وبمواقف صحيحة الإسناد لأئمة كبار.
‏ فلا حاجة علميًّا ولا منهجيًّا إلى قصة واهية الإسناد لتقرير أصل متين.

‏والله أعلم.

‏✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي.

‏٥ رجب ١٤٤٧هـ
‏٢٥ / ١٢ / ٢٠٢٥

تتمة (١):

الحمد لله، وبعد:
فَبَعْد نَشْر التحقيق في مناظرة وعقيدة “العباس بن موسى بن مشكويه” أرسل لي أحد المتابعين الأفاضل تَعقُّبيْن، ظنًّا منه أنَّ الرجل معروف وموثوق، وأنه قد نقَل عن الإمام أحمد شيئا رآه بعينه، وهو ما ينفي جَهالة العين التي ذكرتُها في تحقيقي.

وإليكم ما تعقّب به، وجوابي عليه:
١. التَعقُّب الأول: قال: إن أبا يعلى نَقَل المناظرة والعقيدة في كتابه “الطبقات”!
والجواب عليه:
إنَّ أبا يعلى ليس له إسناد مستقل في المناظرة والعقيدة، بل هو مجرد “ناقل” من كتاب ابن بطة، ونص كلامه:
“ذَكَرَ أبو عبد الله بن بطة، قال: حدثنا أبو عمر..” ثم ساق الإسناد المُظْلم نفسه الذي ناقشناه سابقا.
فيتبين أنَّ إسناد أبي يعلى هو عينُ إسناد ابن بطة، وعليه: فَعِلَّة إسناد ابن بطة -صاحب المجاهيل والمناكير- هي نَفْسها علة نقل أبي يعلى، ولا جديد يضيفه أبو يعلى هنا سوى النقل.

٢. التعقب الثاني:
بَعث لي نقلا عن “طبقات الحنابلة” لأبي الحسين ابن أبي يعلى -تحقيق الدكتور عبد الرحمن العثيمين- (٢/ ٦٤) وفيه رواية تضمنت خرقًا للعادة، نصها: (عَبّاسُ بن مَشْكُوْيَه الهَمَذَانِيُّ، نَقَلَ عن إِمَامِنَا أَشْيَاء؛ مِنْهَا: مَا أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ، حدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حدَّثَنَا أَبي، حدَّثَنَا أبُو مَسْعُوْدٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ اللهِ الرَّازِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ جَهْضَمٍ الهَمَذَانِيُّ -بمكَّةَ- حدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ سُلَيْمَان بنِ الحَسَنِ النَّجَّادُ – ببغداد- قَالَ: قُرِئَ عَلَى ابنِ أَبِي العَوَّام الرِّيَاحِيِّ-وأَنَا أَسْمَعُ- قَالَ: سَمِعْتُ عَبَّاسَ بنَ مَشْكُويَهْ الهَمَذَانِيُّ، قَالَ: كُنْتُ يومَ الدَّارِ، يومَ ضُرِبَ أَحْمَدُ، فلَمَّا ضُربَ السَّوْطَ الثَّامِنَ اضطَرَبَ المِئْزَرُ في وَسَطِهِ، فَرَأَيْتُهُ وقد رَفَعَ رَأَسَهُ إلى السَّمَاءِ وحرَّك شَفَتَيْهِ، فَمَا استَتَمَّ الدُّعَاءَ حَتَّى رَأَيْتَ كَفًا من ذَهَبٍ قد خَرَجَ من تَحْتِ مِئْزَرِهِ، فردَّ المِئزَرَ إلى مَوْضِعِهِ بقُدْرَةِ اللهِ، فضَجَّتِ العَامَّةُ، وهَمُّوا بالهُجُومِ على دَارِ السُّلْطَانِ، فأَمَرَ بِحَلِّهِ، فَدَخَلُتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، أيَّ شَيْءٍ كان تَحريْكُ شَفَتَيْكَ عندَ اضْطِرَابِ المئزَرِ؟ فَقَالَ: رَفَعْتُ رَأْسِي إلى السَّمَاءِ، ونَادَيْتُ: يَا غِيَاثَ المُستَغِيْثِيْنَ، يا إِلهَ العَالِمِيْنَ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قائمُ لَكَ بحَقٍّ فَلَا تَهْتِكْ لِيَ عَوْرَةً، فاستَجَابَ اللهُ دُعَائِيِ عِنْدَ اضْطَرَابِ المِئْزَرِ ).

والجواب عليه:
إنَّ هذا السند تالف، والمتن ركيك منكر مكذوب، وبيان ذلك:
أولاً: من حيث السند:
أ. وضع المحقق في الهامش عند ذكر “العباس بن مشكويه” علامتي الاستفهام (؟ – ؟) أمام تاريخَي الولادة والوفاة؛ وهو اصطلاح تحقيقي معروف يعني “لا يُعرف له تاريخ” وهذا يعزز الحكم بجهالته، إذ كيف يكون “بطلا” لمناظرة تاريخية مع خليفة، وينقل مَشهد تعذيب الإمام أحمد ويشهد كرامة كهذه، ولا يُعرف متى وُلد ولا متى مات ولا روى عنه إلا المجاهيل؟!

ب. وفي الإسناد:
(أَبُوالحَسَنِ عَلِيُّ بنُ عَبدِ اللهِ بنِ جَهْضَمٍ الهَمَذَانِيُّ) وهذا الراوي كذاب:
قال الحافظ الذهبي -رحمه الله- : “ابن جهضم شيخ الصوفية، ليس بثقة بل متهم يأتي بمصائب.
قال ابن خيرون: قيل: إنه يكذب”.
وقال: “لا يُعرف (أي: حديث الرغائب) إلا من رواية ابن جهضم، وقد اتهموه بوضعه، ولقد أتى بمصائب يشهد القلب ببُطلانها”.
وقال: “لقد أتى بمصائب في كتاب “بهجة الأسرار” ما يشهد القلب ببطلانها، وروى عن أبي النجاد عن ابن أبي العوام عن أبي بكر المروزي في محنة أحمد فأتى فيها بعجائب وقصص لا يشك من له أدنى ممارسة ببطلانها”.

وقال ابن الجوزي -رحمه الله- : “هو موضوع، وقد اتهموا به ابن جهضم ونسبوه إلى الكذب” .

ج. أما قول ابن أبي يعلى “نقل عن إمامنا أشياء”: فهذه العبارة ليست توثيقًا ولا تعديلا للرجل، وإنما هي توصيف لسبب إيراده في الكتاب؛ فكُتُب الطبقات تذكر كل من رُوي عنه أنه لقي الإمام أو نقل عنه، سواء كان ثقة أو ضعيفا أو مجهولا.

فمعنى العبارة: “هذا الرجل مذكور هنا لأن له قصة يدَّعي فيها النقل عن أحمد” وليست تزكية له.

ثانياً: من حيث نكارة المتن وركاكته:
أ. قال الذهبي -رحمه الله- في “تاريخ الإسلام” (١٨/ ٨٠) معلقا على هذه القصة: “ثُمَّ رَوى بعدها حكاية في المحنة عن ابن جَهْضَم -وهو كَذُوب- عن النّجّاد، عن ابن أبي العوّام الرّياحيّ، فيها من الرَّكاكة والخَرْط ما لا يروج إلا على الْجُهّال! وفيها أنّ مئزره اضطّرب… حتى رأيت كفًّا من ذهب قد خرج من تحت مئزره بقدرة الله!”.

ب. وحتى المحقق “الدكتور عبد الرحمن العثيمين” يقول بالنص -معلقا على قصة الكف الذهبية في الصفحة نفسها-: “تَقدَّم مثل هذا الخبر وليس فيه كفًّا من ذهب، ولا هذا الدعاء؟!” فالمحقق نفسه يستنكر هذه الزيادة الغريبة (كف من ذهب) ويشير بعلامات التعجب والمقارنة بالروايات الأصح.

والخُلاصة:
إن العباس بن موسى بن مشكويه مجهول الرواية، لا يثبت له توثيق ولا ضبط، وأنَّ مناظرته مع الواثق لا تصح سندًا ولا متنًا، وأنَّ ما نُسب إليه مِن ” عقيدة” إنما هو مروي بالإسناد التالف نفسه، وقد اشتملت على إدخال مسائل فقهية اجتهادية في مقام اعتقادي، كما لا تصح دعوى تزكية الإمام أحمد لها، ولا تصح شهادته على وقائع المحنة، فضلًا عن خرافة “الكف الذهبية” التي أجمع المحققون على إنكارها.

تتمة (٢):

عقيدة السلف الصالح حُفظت في مصنَّفات مبكرة متقدمة، بأسانيد معروفة، وتلقّتها الأمة بالقبول، ومن أقدمها وأوثقها زمنًا:

“اعتقاد الرازييْن” لأبي زرعة الرازي (ت ٢٦٤هـ) وأبي حاتم الرازي (ت ٢٧٧هـ).

“عقيدة حرب الكرماني” لحرب بن إسماعيل الكرماني (ت ٢٨٠هـ).

“السُّنَّة” لعثمان بن سعيد الدارمي (ت ٢٨٠هـ).

“السُّنَّة” لأبي بكر ابن أبي عاصم (ت ٢٨٧هـ).

“السُّنَّة” لعبد الله بن أحمد بن حنبل (ت ٢٩٠هـ).

“السُّنَّة” لأبي بكر الخلال (ت ٣١١هـ).

“الشريعة” لأبي بكر الآجري (ت ٣٦٠هـ).

“شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة” لهبة الله اللالكائي (ت ٤١٨هـ).

فهذه المصنفات المتقدمة بأسانيدها وآثارها، كافية في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة، وتُغني غِنىً تامًّا عن التعلّق بعقيدةٍ منكرة الإسناد، مضطربة المتن، غير محتاجٍ إليها أصلًا.

والله أعلم.

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي

٧ رجب ١٤٤٧ هـ
٢٧ / ١٢ / ٢٠٢٥

 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة