“السيئة في الأشهر الحرم” تعليق علمي على كلام الشيخ عبد السلام الشويعر.
السؤال
ما التعليق العِلْمي على كلام الشيخ عبد السلام الشويعر حفظه الله في المَقْطع؟
الجواب
١. الكلام عنْ تغليظ الذنب في الأشهر الحُرُم صحيح، فإنَّ النصوص وكلام السلف دلَّت على أنَّ المعصية فيها أعظم إثمًا وأشد قُبْحًا؛ لانتهاك حرمة الزمان، كما قال تعالى:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ التوبة/ ٣٦.
قال ابن كثير -رحمه الله- :
{فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} أي: في هذه الأشهر المحرمة، لأنها آكد، وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أنَّ المعاصي في البلد الحرام تُضاعف، لقوله تعالى:
{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}
الحج/ ٢٥.
٢. لكنْ لا يصح إطلاق القول بأنَّ السيئة في الشَّهْر الحرام تلتحق بالكبائر اصطلاحًا، ولا أنَّ المكفرات الشرعية لا تَقْوى على مَحْوِها؛ إذْ لَمْ يَثْبُت هذا عنْ أحد مِن أئمة السلف، فيما وقفتُ عليه مِنْ كلام أهل العلم.
والمقرر عند أهل العلم أنَّ السيئات تتفاوت وتُغلَّظ باعتبار الزمان والمكان، وقد تَلْحق الصغيرة بالكبيرة مِن حيث الوعيد والتغليظ بِفِعْلها في زمان أو مكان مُعظميْن شرعًا، لا مِن حيث الاسم والأحكام.
٣. وعليه: فلا يترتب على فِعل السيئة في الأشهر الحرم إسقاط أَثَر الحسنات المكفرة، ولا اشتراط توبة مخصوصة خارجة عن التوبة المشروعة في سائر الذنوب، فالذنب الواقع في الأشهر الحرم يوجب مزيد عناية بالتوبة والاستغفار، لا تغيير أحكامهما.
٤. ولمزيد بيان في مسألة الذنوب وتكفيرها، فهذه نبذة نافعة فيها تحقيق مفيد:
أ. الذنوب إما صغائر أو كبائر، فالصغائر تُكفِّرها الطاعات واجتناب الكبائر، قال الله تعالى:
{إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلًا كريمًا} النساء/ ٣١.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال:
“الصلوات الخَمْس والجُمُعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر” .
رواه مسلم.
ب. والكبائر تكفرها الحدود، والتوبة الصادقة، والحج، والهجرة، والشهادة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
”بايِعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمَن وفَّى منكم فأجره على الله، ومَن أصاب مِن ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا: فهو كفارةٌ له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك” .
رواه البخاري ومسلم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص:
“يا عمرو أمَا علمتَ أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الحج يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها”.
رواه مسلم.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
” من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه”
رواه البخاري ومسلم.
ويكفي في ذلك قول الله تعالى:
{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} هود/ ١١٤
وحَصْر ذلك بالصغائر تَحكُّم بلا دليل، فيقال:
هي تكفر الصغائر على اليقين، وقد تكفر الكبائر.
كما يقال: إنَّ التوبة تكفر الكبائر على اليقين وإنَّ الأعمال الصالحة ولا سيما الشرائع الكبرى -كالصلاة والزكاة والصوم- قد تكفر ما هو مِن الكبائر، وهذا بحسب تحقيقها وبحسب حال صاحب الكبيرة، بخلاف ما جاءت به النصوص مِن التنصيص على تكفير الذنوب الكبيرة كالحدود والتوبة، وما هو ظاهر النصوص ممَّا يلحق بهما كالحج والهجرة.
ج. قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الذنوب هي المعاصي وهي إمَّا كبائر وإما دون ذلك، وهي الصغائر، وكلها تحتاج إلى مغفرة، والصغائر إما أنْ تُكفَّر بالحسنات أو بالتوبة، فإذا كفرت بالحسنات فإنها تمحى فقط، ولا تبدل بحسنات، وإذا كفرت بتوبة أُبدلت بحسنات. كما قال تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات} وقال: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما} .
“تفسير سورة آل عمران”.
والله أعلم.
كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي.
١ رجب ١٤٤٧ هـ
٢١/ ١٢/ ٢٠٢٥
•┈••✦🔹✦••┈•


