شبهة: هل الله “قادر” على الكذب؟ وفرية نسبتها لأهل السنة
السؤال
يثير بعض أهل الأهواء شبهة عقلية (على زعمه) للتشغيب على العقيدة، فيقولون: “إن قلتم إن الله على كل شيء قدير، لزمكم أن تقولوا إنه قادر على الكذب، وإلا صار الإنسان أقدر من الله؛ لأن الإنسان يقدر على الكذب!”. وينسبون هذا القول -إمكان الكذب- إلى “الوهابية”! ، فما هو الرد العلمي؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
هذه شبهة تهافتت عليها بعض الفرق الكلامية، والجواب عليها قاطع من وجوه عقلية ونقلية، مع براءة منهج السلف منها:
أولًا:
الكذب نقص محض، والله له الكمال المطلق، والكذب صفة ذم وعيب، وهو قبيح باتفاق العقلاء، والله سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو منزه عن كل نقص وعيب، فاستحالة الكذب في حقه تعالى هي “كمال” وليست عجزًا؛ لأنها تعني كمال صدقه وكمال تنزهه عن النقائص، قال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}، وقال: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا}.
ثانيًا:
عند أهل الضلال مغالطة مفهوم “القدرة”، فقدرة الله تعالى تتعلق بـ “الممكنات”، ولا تتعلق بـ “المستحيلات” ولا بـ “النقائص” التي تنافي ألوهيته.
ولتقريب الفهم للعقل نقول: هل الله قادر على أن ينام؟ أو يجهل؟ أو يظلم؟ أو يموت؟ الجواب: سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، فالنوم والجهل والموت صفات نقص، وانتفاؤها عنه هو عين الكمال، فهل يقول عاقل: “إن الإنسان ينام ويموت ويجهل، إذًا هو أقدر من الله”؟! حاشا وكلا، فعدم اتصافه بالنقص -ومن ذلك الكذب- هو كمال قدرة وكمال غنى وكمال علم، وليس عجزًا.
ثالثًا:
القدرة على القبيح “سفاهة” لا “قوة”، فقدرة المخلوق على الكذب ليست ميزة يتباهى بها، بل هي دليل على أحد أمور ثلاثة:
١. الضعف والخوف، فيكذب لينجو.
٢. الاحتياج والطمع، فيكذب ليحصل على منفعة.
٣. السفه ونقص الحكمة.
والله سبحانه وتعالى غني عن العالمين، عزيز لا يخاف، حكيم لا يعبث، فلا يوجد ما يدعوه للكذب أصلًا، فتنزهه عنه واجب لذاته المقدسة.
رابعًا:
فرية نسبة هذا القول لـ “الوهابية” من كيد الخصوم، فإنهم ينسبون القول بـ “إمكان الكذب” إلى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو السلفية عموما، وهذا بهتان عظيم وكذب صراح؛ فأهل السنة والجماعة -أهل الحديث- يعتقدون جازمين أن الله منزه عن الكذب، وأن خبره صدق وعدل، لا يتبدل ولا يتغير.
خامسًا:
وحقيقة الأمر أن هذه المسألة -“إمكان الكذب”- هي معركة كلامية قديمة جرت بين طوائف من “الماتردية” في شبه القارة الهندية، بين الديوبندية والبريلوية، حيث زلّت أقدام بعض المتكلمين منهم في خوضهم في “القدرة والإمكان الذاتي”، فألزموا أنفسهم لوازم باطلة، فجاء خصومهم ورموا هذا القول الباطل على “الوهابية” تشويهًا وتنفيرًا، والسلفية منهم براء براءة الذئب من دم يوسف.
والله أعلم
✍️ كتبه: إحسان العتيبي أبو طارق
١٢ رجب ١٤٤٧ هـ، ١/ ١/ ٢٠٢٦


