جَمْع أَسْماء السُّوَر في قِصَّة خُرافيَّة لتسهيل حِفْظها!
السؤال
ما حُكْم ما فَعَله صاحب المَقْطع مِنْ ذِكْر قصة خرافية لتسهيل حِفْظ أسماء سور القرآن الكريم؟
الجواب
الحمد لله.
هذا العمل الذي في المقطع بِدْعة مُنْكرة، وفيه سُوء أدب ظاهر مع كلام الله، ولا ينبغي نَشْره ولا استحسانه، وذلك لأسباب شرعية وعقَدية واضحة:
١. العبَث والامتهان بأسماء السور، فأسماء سور القرآن ما بين توقيفية عن الشرع، ومُتلقَّاة عن الصحابة اجتهادا، وهي “عناوين” لكلام رب العالمين، ولها حُرْمة وقُدْسية.
وتحويل هذه الأسماء الشريفة إلى مُجرَّد “مفردات” لنَسْج قصة خَيَالية ركيكة، عن رَجُل ومائدة وتضحية، هو نوع من “الابتذال” و “الامتهان” لكتاب الله، والله تعالى يقول:
{ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}
وليس من التعظيم استخدام أسماء السور كـ “أحاجي” أو “سجع” لقصص مخترعة.
٢ . الكَذِب على الأنبياء الكرام، وهذه طامَّة وسَقْطة، كما نُلاحظ في المقطع، فَلِكَيْ يَرْكب السجع اضطر للكذب واختلاق قَصص عن الأنبياء لَمْ تَرد في كتاب ولا سُنَّة!
مثاله: قال: “وأَمَر ابنه طه وابنته مريم أنْ يَقُوما عليها (خلية النحل)”!! مِن أين جاء بأنَّ “طه” -وهو اسم للنبي ﷺ عند بعض العلماء -ولا يصح- أو حروف مقطعة- هو ابن لهذا الرجل المزعوم؟ أو أنَّ مريم -عليها السلام- كانت ترعى نحلًا؟!
هذا تَلاعب بقصص الأنبياء وتوظيف لأسمائهم في سياق لَعِب ولهو لغَرَض الحِفْظ المزعوم.
٣. مُخالَفة هدي السلف في التعليم، فلم يُنقل عن أحد مِن السلف ولا أئمة القراءات أنهم حَفِظوا ترتيب السور بهذه الطُّرُق المسرحية، فالقرآن يُحفظ بالتلاوة، وبالتلقي، وبكثرة النظر في المصحف، لا بتحويله إلى “قصص مسلية”.
٤. القول في كتاب الله بغير علم، فهذا الأسلوب يُفرِّغ أسماء السور مِن دلالاتها العظيمة.
فسورة “الأنعام” سُمِّيت لبيان نِعم الله في المخلوقات، وهو جَعَلها في القصة “ضحّى ببعض الأنعام”!
وسورة “المائدة” سميت باسم مائدة عيسى عليه السلام وهي آية عظيمة، وهو جعلها “مائدة طعام للرجل”! وهذا تسطيح وتفريغ للمصطلحات القرآنية مِن محتواها الشرعي.
٥. وأي حاجة توجد -أصلا لحِفظ ترتيب السور؟ ومن يحفظ كتاب الله تعالى لا تُعجزه حفظ سُوَره مرتبة.
٦. وهذا الفعل ذَكَّرني بما فَعَله بعضهم مِن نَحْت أسماء أمهات المؤمنين بعبارة “خس مع جزر صحه”!
وهذا المثال هو الشقيق التوأم للمقطع السابق في “سوء الأدب” والركاكة، وإن كان الغرض منهما تسهيل الحفظ، إلا أنَّ الغاية لا تبرر الوسيلة خاصة إذا كانت مُبتذَلة.
ووجه القُبح في هذه العِبارة ظاهر جدّا:
١. فقد رَبَط الجناب الرفيع لأمهات المؤمنين بالخضراوات! فكيف تطيب نفس مؤمن أن يرمز للسيدة خديجة وسودة بكلمة (خس)؟! أو يرمز لـ جويرية وزينب ورملة بـ (جزر)؟! هذا نزول بمقام أمهات المؤمنين إلى مستوى “سَلَطة الخُضار” وحاشاهن رضي الله عنهن.
٢. وفيه استبدال “المُتُون” بـالطرائف والقصص الخرافية، والعلماء نَظَموا أسماء أمهات المؤمنين في أبيات شِعرية راقية تحفظ الأدب والترتيب، كقول الناظم:
توُفّى رسول الله عنْ تسع نسوة ** إليهنَّ تعزى المكرمات وتنسبُ
فعائشة ميمونة وصفية ** وحفصة تتلوهنَّ هند وزينب
جويريَّة مع رملة ثم سودة ** ثلاث وست نظمهنَّ مهذَّبُ.
أو كقول الحافظ العراقي -رحمه الله-:
زوجاته اللاتي بهن قد دخل ** ثنتا أو إحدى عشرة خُلف نُقل
خديجة الأولى تليها سودة ** ثم تلي عائشة الصدّيقة.
أو كقول الشاعر الموريتاني غالي بن المختار:
أولهن حُبيت تزويجهْ ** خير النساء أمُّنا خديجة
فسودة عائشة فحفصة ** فزينب فهند ثم برّة
أي زينب فأمنا جويرِيَة ** فرمْلة صفيةُ النُّضِيريَة
فأمنا أخت بني هلال ** ميمونة صاحبة الكمال.
زينب الاولى: بنت خزيمة، و”برّة أي زينب” فهذه زينب الثانية وهي وبنت جحش، رضي الله عنهن جميعا.
فالعُدول عن الشعر الرصين إلى “خس وجزر” هو علَامة على فساد الذوق العِلْمي.
وأيّ صعوبة في حفظ تسعة أسماء بِجُملة من ثلاث كلمات ؟!.
وللعلم فلا يوجد اسم لأم المؤمنين يبدأ بتاء الموجودة في كلمة “صحة” ومراده “هند بنت أبي أمية” أم سلمة، فأبدل الهاء بتاء لتركب معه الجُمْلة!
ثم مَن قال مِن أهل الطب إنَّ الجزر مع الخس صحة؟!
والله أعلم.
✍🏻 كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
١١ رجب ١٤٤٧ هـ، ٣١/ ١٢/ ٢٠٢٥ م
•┈••✦🔹✦••┈•


