إيهام الأجور في خطاب مشاهير وسائل التواصل
السؤال
ينتشر في وسائل التواصل قول بعض المشاهير: “من شاهد هذا المقطع أو نشره فهو شريك معنا في كفالة هذا اليتيم” أو “له أجر بناء هذا المسجد”، فهل هذا صحيح شرعًا؟.
الجواب
شهد الخطاب الدعوي في الفضاء الرقمي توسعًا ملحوظًا في تقرير الأجور، حتى نُسبت أجور عبادات عظيمة –ككفالة اليتيم وبناء المساجد– إلى مجرد المشاهدة أو إعادة النشر، واستُدل لذلك بأحاديث، من أشهرها حديث النبي ﷺ في الأضحية:”اللهم هذا عن محمد، وعن آل محمد، وعن من لم يضح من أمتي”.
ويهدف هذا البحث إلى تحرير محل النزاع، وبيان الضوابط الأصولية في باب الأجور، وتقويم الاستدلال بهذا الحديث، وبيان وجه الخطأ المنهجي في القياس عليه.
أولا: صور تحصيل الثواب:
تحصيل الأجر لا يخرج عن ثلاث صور:
الصورة الأولى: المباشرة
وهي الأصل، ويترتب عليها الأجر الكامل باتفاق، سواء كان وحده أو مجموعة.
الصورة الثانية: الدلالة أو الإعانة المؤثرة.
لقوله ﷺ “من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله” رواه مسلم.
والمعنى: استويا في أصل الأجر، ولا يلزم من استوائهما فيه من هذه الجهة استواؤهما في كيفيته وتفاصيله.
قال المناوي -رحمه الله- في شرح حديث مسلم “من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه”-:
فاستويا في أصل الأجر، ولا يلزم من استوائهما فيه من هذه الجهة استواؤهما في كيفيته وتفاصيله؛ إذ الأجر على العمل ونيته يزيد على مجرد النية… ولا ريب أن الحاصل للمقتول من ثواب الشهادة تزيد كيفيته وصفاته على الحاصل للناوي الميت على فراشه، وإن بلغ منزلة الشهيد، فهما وإن استويا في الأجر، لكن الأعمال التي قام بها العامل تقتضي أثرًا زائدًا، وقربًا خاصّا، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء”.
“فيض القدير”.
الصورة الثالثة:
هبة ثواب العمل المقبول من غيره.
أجمع أهل العلم على أن أربعة أنواع من العبادات تصل إلى الميت، وهي: الدعاء، والواجب الذي مات ولم يؤده مما تجوز فيه النيابة (كالحج، والصوم ما كان واجبًا بأصل الشرع بدون سبب كرمضان، وما كان واجبًا بأصل الشرع بسبب كالكفارة، وماكان واجبًا بالنذر كالذي ينذر أن يصوم يومين أو ثلاثا نفلًا)، والصدقة، والعتق، وما عدا ذلك فإنه موضع خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من يقول إن الميت لا ينتفع بثواب الأعمال الصالحة إذا أهدي له في غير هذه الأمور الأربعة، وهو قول مالك -في المشهور عنه- والشافعي، وقد ذهب أحمد وأبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي إلى أن الميت ينتفع بذلك.
= وأما ما يسوق له مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي من إضافة صورة جديدة وهي: المشاهدة أو الانتساب المجرد (كونه متابعا أو مسجلا في حلقة تعليم أو في مجموعة تطوعية): فهذه ليست عملًا ولا سببًا مؤثرًا بذاتها، فلا يثبت بها أجر عبادة مخصوصة، فضلًا عن أجرٍ كامل.
ثانيا: تحرير معنى حديث الأضحية:
عن عائشة أن النبي -ﷺ- أُتي بالأضحية وقال: “يا عائشة هلمي المدية ثم قال: اشحذيها، ثم قال: بسم الله اللهم تقبل عن محمد وآل محمد ومن أمة محمد، ثم ضحى” رواه مسلم.
وعن جابر رضي الله عنه قال: صليتُ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عيد الأضحى، فلما انصرف أُتي بكبش فذبحه، فقال: “بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي” رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
وهما حديثان ثابتان، ودلالتهما منضبطة، وغايتهما:
١. إجزاء الأضحية عن أهل البيت مهما كان عددهم، وليست هذه الصورة من باب إشراك أهل البيت في الأجر؛ فثمة فرق بين الإجزاء والتشريك.
فمن ذبح عن أهل بيته فأضحية واحدة تجزئ عنهم جميعا ،والأجر لصاحب الذبيحة الذي بذل ثمنها وقام بالفعل، ومن أراد تشريك أسرته أو حتى من هم خارجها في أجر هذه الأضحية ففعله صحيح عند الجمهور -كما سبق ويدخل فعله في باب “إهداء القُرَب”.
٢. إجزاء ذبح النبي صلى الله عليه وسلم عمن لم يضح من أمته صلى الله عليه وسلم، فهي ليست هبة عمل، ولا تشريك في أجر، فمن الخطأ حمل فعله صلى الله عليه وسلم على أحد الأمرين، فضلا عن الإيهام بأن معنى فعله هو أن كل واحد من أولئك له أجر ذبح أضحية!
ولم يقل أحد من أهل العلم إن كل واحد من أهل البيت يكون بمنزلة من ضحّى مستقلًا، إذ لو كان كذلك لما أجزأت الشاة الواحدة عن جماعة، ولوجب لكل واحد أضحية، وهو من أقوى ما يرد به على فعل المشاهير من إيهام الناس أنهم يتصدقون بريال أو ١٠٠ ريال في مسجد ويوهمون المتابعين أن لكل واحد منهم أجر الريال أو أجر ال ١٠٠ ريال! (بل تحمس بعضهم بجهل بالغ ومبالغة جاهلة بأن جعل أجر فعله لكل المسلمين! إلى يوم القيامة! وبعضهم قال: الأجر لكل مؤمن من لدن آدم إلى قيام الساعة! وكأن مفتاح الأجور بيده يوزعها كيف يشاء!) وهذا لا يمكن ألبتة، فليس لكل أفراد الأسرة أجر أضحية كما هي لذابحها.
٣. ومع ذلك فهذا الفعل -تحديدا- (وهو التضحية منه صلى الله عليه وسلم عمن لم يضح من أمته)- هو من خصوصياته، كما سيأتي بعده.
والأقرب في معناه: أن النبي صلى الله عليه ولي المؤمنين، وأبوهم، وهو ما لا يمكن لأحد أن يشاركه فيه، ففي الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}.
وقال الشنقيطي -رحمه الله-:
ويُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾، الأحزاب/ ٦، أنَّهُ هو ﷺ أبٌ لَهم، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُما قَرَآ: (وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم)، وهَذِهِ الأُبُوَّةُ أُبُوَّةٌ دِينِيَّةٌ، وهو ﷺ أرْأفُ بِأُمَّتِهِ مِنَ الوالِدِ الشَّفِيقِ بِأوْلادِهِ، وقَدْ قالَ جَلَّ وعَلا في رَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ بِهِمْ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ التوبة/ ١٢٨، ولَيْسَتِ الأُبُوَّةُ أُبُوَّةَ نَسَبٍ؛ كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أبِي داوُدَ والنِّسائِيِّ وابْنِ ماجَهْ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: “إنَّما أنا لَكم بِمَنزِلَةِ الوالِدِ أُعَلِّمُكم”. ” أضواء البيان”.
وقال السعدي – رحمه الله-:
وهو ﷺ، أب للمؤمنين، كما في قراءة بعض الصحابة، يربيهم كما يربي الوالد أولاده.
“تفسير السعدي”.
ولتعلق ذلك الأضحية عن أمته قال الشيخ العثيمين -رحمه الله-:
لكن لقائل أن يقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أبٌ للمؤمنين فهو كالرجل يضحي عن أهل بيته.
“تفسير سورة النور”.
ثالثا: الخصوصية النبوية في هذا الفعل:
رجّح الحافظ ابن حجر العسقلاني -وغيره- أن هذا الفعل من خصائص النبي ﷺ.
قال الحافظ ابن حجر –رحمه الله– :
ويحتمل أن يقال: شراء … كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم كما قالوا في تضحيته عمن لم يضح من أمَّته .
انتهى
وقال الشوكاني –رحمه الله–:
ولا (يصح) القول بصرف أحاديث الأوامر عن معانيها الحقيقية أنه ضحى عن أمته، وفي حديث آخر ضحى عن محمد وآل محمد؛ لأن تضحيته صلى الله عليه وآله وسلم قد قامت مقام التضحية منهم، وذلك مزية خصه الله سبحانه بها .
انتهى
وقال الألباني –رحمه الله–:
أما ذاك الذي جاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام : فهو أمر خاص يوم أن ضحى فقال: “هذا عني وعمّن لم يضح من أمتي”.
انتهى
ويُبنى هذا الترجيح على أصل أصولي معتبر، وهو: ترك السلف للفعل مع قيام المقتضي وانتفاء المانع، لم يُنقل هذا الفعل عن الخلفاء الراشدين، ولا عن غيرهم الصحابة، ولا عن الأئمة، ولا عن العلماء، ولا عن الأغنياء الموسرين من سلفنا الصالح أن أحدًا منهم ضحّى عن “من لم يضح من الأمة”، مع شدة حرصهم على الخير والاقتداء، وهذا إجماع عملي سكوتي معتبر.
رابعا: ضابط مهم في فهم معنى التشريك بالأجر وهبة الأعمال:
يخلط كثيرون في هذا الأمر، ونحن نبينه بنقطتين مختصرتبن واضحتين:
١. من أدخل غيره في عمل صالح قام به فهو “التشريك”، فيكونون جميعا شركاء -إذا قبل الله تعالى العمل- في أصل الأجر، لا في تفاصيله ومنازله، فمن تبرع بكفالة يتيم -مثلا- ولنفرض أن ثواب ذلك ألف حسنة: فيشترك هو والذين أدخلهم معه بالألف حسنة، لا أن كل واحد منهم له ألف حسنة، وهذا ما يخلط به المشاهير ويخدعون به الناس، فيتبرع بريال واحد ويشرك معه في أجره ملايين يوهمهم أن كل واحد منهم له أجر التبرع بريال!
٢. من وهب أجر عمله الصالح لغيره من أب أو أم أو قرابة أو متابعين، فهو “هبة العمل وإهداؤه”: فليس له أجر ذلك العمل، وهم جميعا شركاء في أجر ذلك العمل، لا أن كل واحد منهم له أجر ذلك العمل كاملا -كما سبق في النقطة السابقة-، وهو له أجر الإحسان إليهم.
قال الشيخ العثيمين -رحمه الله-:
ونحن إذا أهدينا أعمالنا إلى الأموات: فليس لنا فيها أجر، يعني: ليس لنا فيها أجر العمل؛ لأن أجر العمل تخلّينا عنه إلى المُهدَى له، إنما فيها أجر الإحسان إلى هذا الرجل الذي أهدينا له العمل.
“نور على الدرب”.
خامسا: تحذير للمشاهير وتنبيه للمتابعين:
الأصل المقرر شرعًا: أن اعتبار الأعمال إنما يكون بمقاصدها ونيّاتها، لا بمجرد صورها وأشكالها الظاهرة، لقوله ﷺ: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”.
وعليه: فإذا كان المشهور يتعمد إظهار أفعاله ومحتواه في صورةٍ توحي بالخير أو الدعوة أو نفع الناس، بينما القصد الغالب أو المحرّك الحقيقي لذلك هو تكثير المتابعين وتعظيم العوائد المالية الناتجة عن الإعلانات أو الترويج التجاري، فإن هذا القصد يُؤثّر تأثيرًا مباشرًا في الأجر الشرعي.
فالعمل حينئذٍ، وإن كان في ظاهره مباحًا أو مشروعًا، إلا أنه يُجرّد من وصف القربة إذا خلا من قصد التعبد، أو غلب عليه قصد الدنيا، لأن الشريعة لم ترتّب الثواب على مجرد الصورة، بل على ما قام في القلب من ابتغاء وجه الله، وقد قرر أهل العلم أن من قصد بعمل الآخرة الدنيا، لم يكن له من عمله إلا ما نواه، ولا يُكتب له أجر القربة، بل قد يكون فعله من جنس المباحات التي لا ثواب فيها، أو من الأعمال التي يُخشى على صاحبها الإثم إن اقترن بها رياء أو تلبيس.
وللأسف أن أشبه ما يكون صورة وحكم فعلهم هو استئجار قارئ للقرآن ليقرأ في محفل بمال، فهي بيع عبادة، وكذلك يفعل المشهور حين يكفل يتيما ثم يبيع هذا الفعل بكثرة متابعين وكثرة مشاهدات، ولا يجوز لأحد أن يستجيب له بمشاهدة أو نشر أو متابعة.
قال الشيخ العثيمين -رحمه الله-:
استئجار القارئ ليقرأ القرأن محرّم ولا يجوز وذلك لأن قراءة القرآن من العبادات التي يتقرّب بها الإنسان إلى ربه، وما كان من باب القربات فإنه لا يجوز أخذ العِوض الدنيوي عليه ولا يجوز لأحد أن يُعطي القارئ أجرا فيعينه على إثمه… إن قراءة هذا القارئ ليس فيها أجر؛ لأنه ما أريد بها وجه الله، والشيء الذي لا يُراد به وجه الله ليس فيه أجر، وحينئذ لا يكون فيها إلا العناء وبذل المال في غير فائدة، فالواجب على المسلم الحذر من هذا الشيء وعدم القيام به، فالقارئ آثم، والذي يُعطيه الأجرة على قراءته آثم أيضا؛ لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان.
“نور على الدرب”.
وعليه: فإن إظهار العمل بمظهر الصلاح أو الدعوة مع كون المقصد الحقيقي دنيويّا، يُعدّ صرفًا للعمل عن غايته الشرعية، ويُفضي إلى سقوط الأجر أو نقصه بقدر ما غلب من القصد الدنيوي، لأن الأجر تابع للنية، والنية روح العمل، فإذا فسدت أو انصرفت عن مقصدها، بطل أثر العمل في ميزان الثواب.
والله أعلم
١٦ رجب ١٤٤٧ هـ، ٥/ ١/ ٢٠٢٦


