وقفة شرعية وتفنيد علمي لمقطع “فلسفة النار”

السؤال

انتشر مؤخرًا مقطع لشاب يتناول قوله تعالى ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ في إطار ما سماه «فلسفة النار»، فهل يمكن معرفة وجوه الخلل في كلامه؟

الجواب

استمعت للمقطع وقد رأيت أنه قد تضمّن أخطاء عقدية وتفسيرية ومنهجية، يحسن التنبيه عليها صيانةً لجناب الوحي، وتصحيحًا للمفاهيم.
أولًا:
خطأ توصيف الله تعالى بـ«عين الأبوة»
زعم المتحدث أن الله ينظر إلى الكافرين “بعين الأبوة”، وهذا خطأ عقدي جسيم، إذ ينقل العلاقة بين الخالق والمخلوق من مقام العبودية إلى مقام المشاعر البشرية.
والله سبحانه هو الرب والإله والخالق، لا يوصف بالأبوة لا حقيقة ولا مجازًا، قال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾.
والقرآن إنما نزل أصلًا لنقض تصورات البنوة والأبوة التي علقت بالألوهية، ولا يجوز استيراد مصطلحات لاهوتية نصرانية أو إنسانية وإسقاطها على الله تعالى تحت غطاء الوعظ العاطفي.
رحمة الله ثابتة، لكنه في الوقت نفسه شديد العقاب، ولا يُوصف إلا بما وصف به نفسه.
ثانيًا:
شبهة {أُعِدَّتْ} والخلط بين وجود النار ووقودها
بنى المتحدث تصوره على إشكال مفاده: كيف تكون النار {أُعِدَّتْ} مع أن الناس لم يدخلوا فيها بعد؟ وانتهى من ذلك إلى نفي وجودها الحسي الآن.
وهذا خطأ من جهتين:
الأولى: أن الإعداد في لغة العرب هو التهيئة والتجهيز لما سيقع مستقبلًا، ولا يلزم منه الاستعمال الفوري، كما يُعد السجن قبل دخول المساجين.
الثانية: أنه خلط بين وجود النار وامتلائها بكل وقودها، فوجود النار لا يستلزم أن يكون كل ما سيُلقى فيها قد أُلقي بالفعل.
وعقيدة أهل السنة والجماعة قاطعة بأن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وقد دل على ذلك نصوص صحيحة، منها رؤية النبي صلى الله عليه وسلم للنار في صلاة الكسوف، وفي المعراج.
ثالثًا:
التلبيس في تقديم {النَّاسُ} على {الْحِجَارَةُ}
زعم أن تقديم الناس على الحجارة يدل على أنهم “سبب اشتعال النار” بأفعالهم، وهذا استدلال فاسد من جهة اللغة.
فالتقديم في العربية لا يدل بالضرورة على السببية، بل يأتي لأغراض بلاغية متعددة، منها الاهتمام، والتشنيع، ومراعاة حال المخاطب.
والناس هم المخاطبون بالوعيد، فناسب تقديمهم في الذكر للزجر والردع، مع قرنهم بالحجارة تبكيتًا وإهانة، ليكون العابد والمعبود وقودًا للنار.
ولا علاقة لهذا التقديم بفكرة “الاختراع المعنوي للنار” التي توهّمها.
رابعًا:
قلب حقيقة النار بجعل الأصل معنويّا
لم ينف المتحدث العذاب الجسدي صراحة، لكنه جعل الأصل في الوقود معنويّا نفسيّا، والأجساد تابعة لاحقًا، وهذا قلب لترتيب النصوص.
والقرآن والسنة دلا دلالة صريحة على أن نار جهنم نار حقيقية حسية، تحرق الجلود واللحم والعظم، قال تعالى:
﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾.
وأما اطلاعها على الأفئدة فزيادة في العذاب، ليجتمع الألم الظاهر مع العذاب الباطن، لا نفيًا للحس ولا تحويلًا للنار إلى مجرد حالة نفسية.
خامسًا:
العبث بمنهج التفسير وردّ أقوال السلف
تجاوز المتحدث أقوال الصحابة والتابعين والمفسرين، وتعامل مع الآية باعتبارها لغزًا وجدانيّا يُنتج شعورًا جديدًا، لا خبرًا إلهيّا يُبيّن حقيقة من حقائق الغيب.
وهذا مسلك خطير، إذ التفسير مبناه النقل والعلم واللسان العربي، لا الخواطر والانفعالات ولا التأثر بجدليات إلحادية ثم محاولة إعادة تدويرها بثوب وعظي.
والخلاصة:
الخلل الجوهري في هذا الطرح أنه حوّل التفسير من بيان مراد الله إلى تجربة شعورية ذاتية، وجعل الإحساس معيار الفهم، والنص تابعًا له.
والقرآن لم ينزل ليُشعر الإنسان بشيء جديد، بل ليخبره بحقائق الغيب كما هي.
ومن جعل شعوره حاكمًا على النص، فقد جعل نفسه ميزانًا للوحي، ولو أحسن النية.
والواجب ردّ هذه المسالك، والرجوع إلى فهم السلف الراسخين، حفظًا للعقيدة، وصيانةً لمعاني كتاب الله.
والله أعلم
✍️ كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي
١٤ رجب ١٤٤٧ هـ، ٣/ ١/ ٢٠٢٦

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة