“بين لطائف الموافقات وأوهام الإعجاز العددي: وقفات علمية مع مقطع د. خالد الحربي”

السؤال

انتشر مقطع ونسب للدكتور خالد الحربي، يتكلم فيه عن أوجه الإعجاز العدد في القرآن الكريم، وذكر أمثلة لذلك، فهل من تعقيب على المقطع؟

الجواب

الحمد لله
إن القرآن الكريم كتاب هداية وإعجاز بياني وتشريعي، ولم ينزل ليكون كتاب ألغاز حسابية.
ما يذكره الدكتور الفاضل -وهو متخصص في القراءات- يعتمد في غالبه على “العد الكوفي” للآيات (وهو الترقيم الموجود في مصاحفنا اليوم برواية حفص)، ويتجاهل حقيقة علمية ثابتة وهي “اختلاف العَدّ” بين علماء الأمصار (المدني، البصري، الشامي، المكي)، فلو تغير رقم الآية في عدّ آخر (وهو قرآن متواتر أيضاً) لسقطت هذه “المعجزة” المزعومة، مما يدل على أنها مجرد موافقات لطيفة (إن صحت أصلا) وليست إعجازًا مقصودًا للتحدي.
تفنيد الأمثلة الواردة في المقطع نقطة بنقطة:
١. سورة الأنفال (آية الأسرى ورقم ٧٠):
الزعم:
الآية {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَىٰ} رقمها ٧٠، وعدد أسرى بدر ٧٠.
الرد:
عدد أسرى “بدر” مختلف فيه تاريخيّا:
فعددهم عند “موسى بن عقبة” : ٣٩ أسيرًا.
وعددهم عند “ابن إسحاق” : نحو ٤٤ أسيرًا.
وقيل: ٧٠، وقيل ٦٨، وقيل غير ذلك.
فهذا الخلاف في عدد أسرى “بدر” يقضي على الفكرة من أصلها.
والأهم من ذلك: هل هذه قاعدة مطَّردة؟ هل كلما ذكر القرآن رقمًا وافق رقم الآية؟!.
ففي سورة الأنفال، الآية رقم (٦٦) ذكرت الأعداد ١٠٠ و ٢٠٠ و ١٠٠٠ و ٢٠٠٠!
قال تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
وذكر العدد ١٠٠ في الآية رقم (٢٥٩) في سورة البقرة، قال تعالى: {قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِا۠ئَةَ عَامٍ}.
وعدم الاطراد يدل على أن توافق رقم ٧٠ هنا هو لا علاقة له بعدد أسرى “بدر”، ولو صح ووافقت العد في جميع المصاحف فتكون لطيفة ولا يقاس عليها، فليست إعجازا.
٢. سورة المائدة (النقباء ورقم ١٢):
الزعم:
ذكر “اثني عشر نقيبًا” في الآية رقم ١٢.
الرد:
هذه قد تكون الموافقات اللطيفة، ولكنها ليست إعجازًا، ولا هي قاعدة مطردة، ففي سورة يوسف ذكر العدد ١١ في قوله تعالى {أحد عشر كوكبًا} في الآية رقم (٤)، وليس في الآية ١١، وفي سورة التوبة ذكر العدد ١٢ في قوله تعالى {اثنا عشر شهرًا} في الآية رقم (٣٦)، وليس رقم ١٢.
فالانتقائية في اختيار الآية التي توافق الرقم وترك الآيات التي تخالفه هو تلاعب بالبيانات، وليس بحثًا علميّا.
٣. سورة طه (سنوات موسى ورقم ٤٠):
الزعم:
الآية {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} رقمها ٤٠، وموسى لبث فيها ١٠ سنين وعمره كان ٣٠ فالمجموع ٤٠.
الرد:
أ. الآية ذكرت “سنين” (نكرة) ولم تحدد العدد بـ ١٠ في الآية نفسها، فالرقم ٤٠ استنبطه المتحدث من جمع عمره المفترض مع مدة لبثه.
ب. رقم الآية (٤٠) صحيح في “العدد الكوفي” وغيره، ولكن لو فتحنا مصاحف القراءات الأخرى المتواترة لوجدنا تباينًا عجيبًا:
ففي العدد البصري (رواية الدوري عن أبي عمرو، والرويس وروح عن يعقوب): رقم الآية هو (٣٨)!.
وفي العدد الشامي (رواية هشام وابن ذكوان عن ابن عامر): رقم الآية هو (٤٢).
والسؤال الذي ينسف الإعجاز المزعوم: هل كان عمر موسى عليه السلام ٤٠ سنة عند أهل الكوفة، و٣٨ سنة عند أهل البصرة، و٤٢ سنة عند أهل الشام؟! هذا الاختلاف يثبت -قطعًا- أن أرقام الآيات “اصطلاحية اجتهادية” تختلف بين الأمصار، ولا علاقة لها بأعمار الأنبياء أو الحقائق الكونية.
ج. والذي دعا المتحدث الفاضل لهذا هو اعتقاده أن عمر موسى عليه السلام عند البعثة كان ٤٠ عاما، ولعله يعتقد أنها قاعدة عامة في عمر الأنبياء والمرسلين -أو في المرسلين وحدهم-، وهذا غلط شائع حتى عند كثير من الخاصة.
فلا يوجد أصل شرعي صحيح يقول إن جميع الأنبياء والرسل بُعثوا في سن الأربعين، الموجود شرعًا هو أن نبينا محمدًا ﷺ خُصَّ بأن نزل عليه الوحي وهو ابن أربعين سنة، كما في الصحيح عن أنس رضي الله عنه: “أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ، فَلَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، وَبِالمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ…”
فهذا أصلٌ ثابت في حقِّه ﷺ، لا في حقِّ جميع الأنبياء.
والحديث المشهور على ألسنة الناس بلفظ “ما بعث الله نبيًّا إلا على رأس الأربعين” أو نحوه: لا أصل له في كتب السنة المعتمدة.
قال ابن الجوزي: “موضوع؛ لأن عيسى عليه السلام نبئ ورفع إلى السماء وهو ابن ثلاثة وثلاثين سنة، فاشتراط الأربعين في حق الأنبياء ليس بشيء” انتهى
والنصوص نفسها تدل على أن بعض الأنبياء لم يُبعثوا في الأربعين، بل قبلها بكثير أو بعدها بكثير، ومن ذلك:
= يحيى عليه السلام:
قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم/ ١٢).
وكثير من أهل التفسير قالوا: الحكم هو النبوة، أي: أُوتي النبوة وهو صبي.
= عيسى عليه السلام:
المعروف من آثار أهل الكتاب وبعض نقولات أهل السير أنه رُفع إلى السماء وله نحو ثلاث وثلاثين سنة.
وقد أورد الشيخ الألباني حديثا في “السلسلة الصحيحة” (رقم ٢٥١٢) بلفظ: “يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم ستين ذراعا بذراع الملك، على حُسن يوسف، وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين سنة، وعلى لسان محمد جرد مرد مكحلون”، وحكم عليه بأنه حسن.
وقد ثبت بالقرآن أنه خاطب قومه، وجاء بالآيات والمعجزات قبل رفعه، فهذا يعني أن نبوّته قبل الأربعين قطعًا.
= نوح عليه السلام:
الأقوال عن السلف في عمر نوح عليه السلام حين أرسل لقومه كثيرة جدا، فقيل: ٤٠ ، وقيل: ٣٠٠ ،وقيل: ٣٥٠،وقيل: ٤٨٠ سنة، وكلها لا دليل عليها يثبت صحة شيء منها.
فهذه الأمثلة وحدها تكفي لنفي القول بأن البعثة لا تكون إلا في الأربعين.
٤. سورة المدثر (الوليد بن المغيرة ورقم ١٣):
الزعم:
الآية {وَبَنِينَ شُهُودًا} رقمها (١٣)، وعدد أبناء الوليد ١٣.
الرد:
هذا خوض في الغيب التاريخي بلا دليل قطعي، والروايات التاريخية في عدد أبناء الوليد بن المغيرة متضاربة جداً (قيل ١٠، وقيل ٧، وقيل ١٣، وقيل غير ذلك)، وتثبيت رقم تاريخي ظني ليتوافق مع رقم آية هو تكلف واضح.
٥. سورة البقرة (الوسطية ورقم ١٤٣):
الزعم:
عدد آيات البقرة ٢٨٦، ونصفها ١٤٣، والآية (١٤٣) هي {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}.
الرد:
أ. عدد آيات سورة البقرة ليس متفقا عليه أنها ٢٨٦ آية.
قال العيني -رحمه الله- عن عدد آياتها-:
ومائتان وست وثمانون آية في العدد الكوفي، وهو عدد عليّ رضي الله عنه ، وفي عدد أهل البصرة: مائتان وثمانون وسبع آيات، وفي عدد أهل الشّام: مائتان وثمانون وأربع آيات، وفي عدد أهل مكّة: مائتان وثمانون وخمس آيات.
“عمدة القاري”.
وعليه: فلا يكون رقم الآية وسطا في السورة في كل أحوالها.
ب. معنى {وسطا} في الآية ليس الوجود في وسط المسافة بين شيئين، بل معناها الخيار والعدل، وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه بذلك، فلا مزيد على بيانه.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه (كتاب تفسير القرآن) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: “عَدْلاً”، وفي رواية أخرى بالإسناد نفسه عند البخاري أيضا: “وَالوَسَطُ: العَدْلُ” .
وقد نبه الحافظ ابن حجر العسقلاني في “فتح الباري” على أن هذا التفسير للكلمة منه صلى الله عليه وسلم لا مدرجة من كلام غيره؛ لدفع أي توهم في ذلك، فقال:
“قوله: (والوسط العدل) هو مرفوع من نفس الخبر، وليس بمُدْرَج من قول بعض الرواة كما وَهِمَ فيه بعضهم”.
انتهى
فينبغي عدم العدول عنه إلى غيره من التفسيرات اللغوية المحتملة التي قد تخالفه.
ج. ولو كان ورود لفظ (وسط) يستلزم وقوعه في (وسط السورة) حسابيّا، لانطبق ذلك على قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ في سورة المائدة، لكن الآية جاءت برقم (٨٩) وسورة المائدة (١٢٠) آية، فجاءت بعيدة تماما عن المنتصف، مما يدل على أن (الوسطية) في القرآن وصف معنوي (للعدل والاعتدال) وليست إحداثية رقمية.
فكلمة (وسطاً) في لغة العرب وفي التفسير المأثور لا تعني بالضرورة “المنتصف الهندسي” بين طرفين متساويين في العدد أو المسافة، بل تعني “الخيار والعدول”.
د. والأمة الإسلامية هي “آخر الأمم” زمانا، وليست الأمة الوسطى (بمعنى الترتيب الزمني) بين أمم سابقة ولاحقة، فنحن الآخرون السابقون يوم القيامة، وحصر البشرية في (يهود – مسلمين – نصارى) لتكون أمتنا في الوسط هو تحكم لا دليل عليه.
٦. سورة النور (القواعد من النساء ورقم ٦٠):
الزعم:
سن اليأس (القعود) هو ٦٠، ورقم الآية ٦٠.
الرد:
تحديد سن اليأس بـ ٦٠ هو تحديد “نظامي وظيفي حديث” (سن التقاعد)، أما بيولوجيّا وفقهيّا فهو يختلف من امرأة لأخرى (قد يكون ٥٠ أو ٥٥ أو أكثر). وربط القرآن بنظام التقاعد الوظيفي الحديث هو تسطيح لمعنى الآية.
٧. سورة النجم (الشعرى ورقم ٤٩):
الزعم:
نجم الشعرى يدور دورة كل ٤٩ سنة، والآية رقم ٤٩.
الرد:
الدورة الفلكية لنجم الشعرى اليمانية هي تقريباً ٥٠،١ سنة وليست ٤٩ بالضبط. فمحاولة “قصقصة” الحقائق العلمية لتوافق رقم الآية هو جناية على العلم وعلى القرآن.
٨. سورة هود (عشر سور):
الزعم:
تحدى بـ “عشر سور” في سورة هود، وترتيب سورة هود هو ١١.
الرد:
ترتيب سورة هود في المصحف هو (١١)، ولكي نجعلها (١٠) يجب أن نحذف الفاتحة من العد! وهذا تحكم عجييب.
والثابت أن الترتيب ١١ والآية تذكر الرقم ١٠، فلا توافق، فلا السورة رقمها ١٠ ، ولا الآية رقمها ١٠.
٩. سورة الكهف (عدد الكلمات ٣٠٩):
الزعم:
عدد الكلمات من بداية القصة إلى قوله {تِسْعًا} هو ٣٠٩ كلمة، يوافق عدد السنين.
الرد:
هذه الدعوى –أن عدد كلمات قصة أصحاب الكهف حتى كلمة ﴿تِسْعًا﴾ يساوي ٣٠٩– مبنية على طريقة خاصّة في عدّ الكلمات لا دليل عليها من الشرع؛ فإنّ
عدّ الكلمات في المصحف اجتهادي، وتختلف حسابات العد، فهل تُحسب البسملة؟ وهل تُحسب حروف العطف المتّصلة كلماتٍ مستقلة؟ وهل العدّ مبني على الرسم العثماني أو الإملاء الحديث؟.
والقراءات المتواترة والمصاحف المبنية على أعداد مختلفة (كوفي، بصري، شامي) قد تؤدّي إلى اختلاف في عدد الكلمات، فلو كان هذا المعنى مقصودًا لذاته للزم أن يكون ثابتًا في جميعها.
ولا يوجد عن السلف من الصحابة والتابعين وأئمة القراءات والتفسير أيّ إشارة إلى هذا العدد، مع عنايتهم البالغة بالسورة وقصتها، مما يدلّ على أن ربط العدد (٣٠٩) بعدد الكلمات أمر حادث لا يُبنى عليه اعتقاد.
لذلك: لا يصحّ جعل هذا الرقم “إعجازًا عدديًّا” أو دليلاً على شيء زائد عن المعنى البيّن في الآية: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾.
وإن أحبّ أحدٌ أن يعدّ الكلمات للتأمّل الشخصي فلا بأس، لكن لا تُنسب هذه النتائج إلى الإعجاز الشرعي، ولا تُقدّم للناس على أنها من حقائق الوحي.
الخلاصة:
نقدر للدكتور تخصصه في القراءات، لكن هذا الطرح يسمى في علوم القرآن “مُلَح التفسير” أو “اللطائف”، وهي استنتاجات بشرية ظنية قد تصيب وتخطئ، ولا يجوز تسميتها “إعجازاً”؛ لأن الإعجاز صفة ذاتية في القرآن ملزمة للخلق ولا تتغير بتغير الاصطلاحات (كأرقام الآيات وفواصلها التي هي اجتهادية توقيفية تختلف بين القراء).
والله أعلم
كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
٢٣ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ، ١٤/ ١٢/ ٢٠٢٥

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة