ملحد يقول بوجود اختلاف في المصاحف!
السؤال
ما تعليقكم على ما يقوله هذا الملحد في المقطع ؟ وقد انتشر في وسائل التواصل.

الجواب
الحمد لله
هذا الشخص يخلط بين “تنوع القراءات” الذي هو وحي ومنحة إلهية، وبين “تحريف النصوص” الموجود في كتب اليهود والنصارى.
القرآن واحد، محفوظ في الصدور والسطور، واختلاف القراءات هو وجه من وجوه إعجازه وسعته التشريعية واللغوية، وليس ثغرة كما يتوهم الجاهلون.
والرد عليه من وجوه:
أولاً:
الرد على شبهة “اختلاف المصاحف” وأن القرآن ليس واحداً
١. القراءات القرآنية وحي وليست اجتهادًا بشريّا:
الاختلاف هو “قراءات” وحي، وليس “تحريفًا” بشريّا، ما يسميه المشكك “اختلافاً في المصاحف” هو في الحقيقة “قراءات قرآنية” ثابتة ومتواترة عن النبي ﷺ.
فالقرآن نزل بوجه واحد، ثم رخص الله لنبيه أن يقرأه بأوجه متعددة (قراءات) تيسيرًا على الأمة وإثراءً للمعنى، وكل هذه الأوجه وحي من الله، وليست اجتهاداً من النساخ أو خطأً منهم.
– والقراءة لا تكون قرآنًا يُتلى إلا باجتماع ثلاثة أركان:
١. صحة السند: (التواتر أو الشهرة والاستفاضة).
٢. موافقة اللغة العربية: (ولو بوجه من الوجوه).
٣. موافقة الرسم العثماني ولو في أحد المصاحف: (ولو احتمالا).
٢. المصحف الإمام واحد:
عندما جمع عثمان بن عفان رضي الله عنه القرآن في المصحف الإمام، كتبه برسم يحتمل القراءات المتواترة (دون نقط أو تشكيل في البداية).
فكلمة مثل (مالك) و(ملك) تُكتب برسم واحد يحتمل القراءتين، وهذا من عظيم فقه من كتب بالرسم العثماني.
فادعاء أن هناك “مصاحف مختلفة” هو تدليس؛ فالمصحف واحد، والرسم واحد، والاختلاف هو في طريقة الأداء والنطق وبعض الحروف التي لا تخرج عن الرسم العثماني والتي نزل بها الوحي.
ثانياً:
الرد على الأمثلة التي أوردها
١. شبهة البسملة (آية أم لا؟):
الافتراء:
يزعم أن اختلاف القراء في عدّ البسملة آية من الفاتحة يعني تحريفًا أو اختلافًا في القرآن.
الرد:
هذا اختلاف في العدّ والترقيم وليس في الثبوت.
البسملة ثابتة ومكتوبة في جميع المصاحف في بداية السور (عدا التوبة).
الخلاف بين الفقهاء والقراء هو: هل هي آية مستقلة من الفاتحة (كما عند الشافعية وقراءة عاصم) أم هي جزء من آية أو آية للفصل بين السور (كما عند المالكية وقراءة ورش)؟
النتيجة:
النص القرآني موجود ومثبت في الحالتين، والاختلاف هو في تصنيفها (آية رقم 1 أم لا)، وهذا لا يغير من كونها قرآناً يُتلى.
٢. شبهة (مسكين / مساكين) و (يطهرن / يتطهرن):
الافتراء:
يقول: إن هذا الاختلاف يغير الحكم الشرعي (حلال وحرام) ويجعل الدين “شخصيا”.
الرد:
هذا من أعظم وجوه الإعجاز في القراءات، حيث تأتي قراءة لتكمل معنى الأخرى أو تضيف حكمًا جديدًا يندرج تحت النص، مما يغني النص التشريعي دون الحاجة لتعدد الآيات.
أ. مثال (يطهرن / يتطهرن):
قراءة التخفيف (يَطْهُرْنَ): تعني انقطاع الدم.
قراءة التشديد (يَتَطَهَّرْنَ): تعني الاغتسال بالماء.
الجمع بينهما:
الفقهاء جمعوا بين القراءتين لاستنباط الحكم الكامل: لا يحل الجماع بمجرد انقطاع الدم (القراءة الأولى) بل لا بد من الاغتسال (القراءة الثانية).
فالقراءتان تكملان بعضهما لبناء الحكم الفقهي المتكامل، وليس بينهما تناقض.
ب. مثال (مسكين / مساكين):
الاختلاف هنا بين قراءة الإفراد (مِسْكِينٍ) وقراءة الجمع (مَسَاكِينَ) هو اختلاف “تنوع وتكامل لغوي” يصب في معنى تشريعي واحد، وليس تضادا يغير الحكم، وبيان ذلك:
– قراءة الجمع {طَعَامُ مَسَاكِينَ}: (مراعاة المطابقة)
فقد جاءت هذه القراءة لمناسبة لفظ الجمع في الفاعل في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}.
المعنى:
بما أن المكلفين جماعة (الذين)، فإن الفدية المترتبة عليهم ستكون طعام جماعة من (المساكين)، فهي مقابلة الجمع بالجمع (كل واحد منهم يطعم مسكيناً، فالمجموع مساكين).
– قراءة الإفراد {طَعَامُ مِسْكِينٍ}: (بيان الجنس ومقدار الأصل)
(مسكين) هنا اسم جنس يُراد به بيان “نوع” المستحق للفدية، أو يُراد به بيان “أصل الحكم” لليوم الواحد.
والمعنى: الفدية الواجبة عن اليوم الواحد هي طعام (فرد من جنس المساكين).
– الرد على شبهة “تغير الحكم” و”الدين الشخصي”:
ادعاء الملحد أن هذا يغير الحلال والحرام أو يجعل الدين شخصيا هو جهل مطبق بلغة العرب وأصول الفقه؛ لأن المآل التطبيقي للقراءتين واحد بإجماع الفقهاء، وهو:
إذا أفطر المكلف يوما واحدا: فعليه إطعام مسكين واحد (عمل بقراءة الإفراد التي حددت المعيار، أو بقراءة الجمع باعتبار أن الواحد جزء من الجمع).
إذا أفطر شهراً: فعليه إطعام ثلاثين مسكيناً (فتصدق قراءة الجمع).
فالقراءتان بمنزلة جملتين توضيحيتين للحكم نفسه:
الأولى تقول: “على كل واحد منكم إطعام مسكين”.
الثانية تقول: “عليكم يا معشر المفطرين إطعام المساكين”.
فأين التناقض أو الدين الشخصي في هذا؟!
ثالثا:
الرد على شبهة “ألف طريق”:
الافتراء:
يزعم الملحد أن وجود طرق وروايات كثيرة يعني الضياع وعدم الثبوت.
الرد:
كثرة الطرق (الأسانيد) هي دليل قوة وليس دليل ضعف، فالقرآن نُقل إلينا عبر آلاف السلاسل الذهبية المتصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكل حرف يُنطق به اليوم له سند متصل.
والعلماء ضبطوا هذه الطرق في كتب دقيقة (مثل “النشر” لابن الجزري) وميزوا المتواتر عن الشاذ.
فكثرة الطرق تعني أن القرآن محفوظ ومحمي من التحريف، لأن آلاف الرواة في مختلف الأمصار اتفقوا على نقله.
رابعا:
أرشح للقراء الكرام هذه المقاطع في المسألة:
١.
٢.
٣.
والله أعلم
كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
٢٢ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ، ١٣/ ١٢/ ٢٠٢٥
تنبيه:
(( اشتكى الملحدون من ردي على المقطع فطالبوا بحذفه، فقدمت اعتراضا، وقد يرفض، فإن حذفوه فللجزمة، يكفي ردي عليه))


