وشهد شاهد من أهلها (٤ ): خالد مشعل يوقع على محضر “الكارثة”

خالد مشعل يوقع على محضر “الكارثة”
الحمد لله
تنبيهات:
١. هذه هي الحلقة الرابعة من سلسلة “#وشهد_شاهد_من_أهلها“، وهي مخصصة لعقد مقارنة بين ما كتبتُه وحذرت منه في مقالات #كارثة_الطوفان (قبل عامين)، وبين ما أقر به واعترف به “خالد مشعل” (رئيس الحركة في الخارج) في لقائه الأخير على قناة الجزيرة بتاريخ ١٠/ ١٢/ ٢٠٢٥م.
٢. لقد جاء هذا اللقاء بمثابة “التتويج” لكل ما ذكرناه سابقا، حيث اضطر مشعل -تحت وطأة الواقع المرير- أن ينطق بما كنا نقوله، وأن يقر بالنتائج التي حذرنا منها، ولكن بلغة دبلوماسية “تلطيفية” تحاول مداراة الفشل الاستراتيجي الهائل.
٣. ولإتمام الفائدة، فقد استعنت في هذه الحلقة بقراءة تحليلية دقيقة للأستاذ “عبد الله الجديع” (نشرها تعقيباً على اللقاء)، حيث وضع يده على التناقضات بين “القديم” (زمن المكابرة) و “الجديد” (زمن الإقرار بالواقع)، لتكتمل الصورة أمام القارئ الكريم.
وإليكم تفاصيل الشهادة:
أولا:
الاعتراف بحجم “الكارثة” والثمن الباهظ
– في مقالاتي:
قلت مراراً إن الوصف الحقيقي للحدث هو “كارثة” بل هو “جحيم”، وانتقدت من يسمي الدمار نصرًا، وذكرت في الحلقة (٣):
“وإلا فقل لي ماذا تسمي هذه الكوارث من أعداد القتلى والجرحى وتدمير البيوت والبنى التحتية؟ هل هي انتصار؟”.
– خالد مشعل (في اللقاء الجديد):
يضطر مشعل للاعتراف بوضوح أن الثمن لم يكن عاديّا، بل كان قاسيًا جدّا، ويقر بحجم الدمار الهائل الذي حل بغزة، قائلاً:
[08:27] “ثمنه كان قاسيًا علينا لا شك… عشرات الآلاف من الضحايا… ٦٨ مليون طن من الركام … فيه معاناة إنسانية ضخمة، فهناك ثمن باهظ دفعته غزة بالذات”.
ولا ننسى أنه قد ذكر سيطرة اليهود على ٦٠ % من قطاع غزة!
ثانيًا:
الواقع المأساوي للحاضنة الشعبية (من أحلام التحرير إلى البحث عن خيمة)
-في مقالاتي:
كتبت في الحلقة (٣):
“وقد كتب (الأستاذ أحمد يوسف صالح) المستشار السياسي السابق لـ(هنية) [أضاعونا وصار الحُلم هو الخيمة] معترفا بالواقع المر، وكتبت أنا “أضاعونا وصار الحلم هو الخبزة”.
وذكرت في الحلقة (٤) معاناة الناس من البرد والجوع وصرخات الحرائر، مما استهان به كثيرون ولم يرفعوا به رأسا ولم يساهموا في إيقافه في فرص كثيرة ضيعوها.
– خالد مشعل (في اللقاء الجديد):
يقر مشعل بأن الناس عادوا لنقطة الصفر، يبحثون عن مأوى ولا يجدونه، وأن الوضع الإنساني كارثي، قائلاً:
[15:56] “المعاناة الفلسطينية … الناس اليوم في منخفض جوي جديد في غزة، كان الله في عون أهل غزة … الخيم أصبحت مهترئة لا يجدون خيمًا جديدة ولا كرفانات”.
فها هو يعترف بأن طموح الناس بات مجرد “خيمة” تقيهم البرد، بدلاً من وعود التحرير والصلاة في الأقصى التي أطلقوها في بداية الطوفان.
ثالثا:
خذلان “محور المقاومة” والاعتماد على الذات
– في مقالاتي #كارثة_الطوفان:
أكدت في الحلقة (٨) والحلقة (٩) على خيانة المحور الإيراني (وحدة الساحات) وأنهم ورطوا “حماس” وتركوا “غزة” تواجه مصيرها، ووصفت العلاقة بأنها تبعية لا ندية.
ومما قلته:
“وكل الشكر لإيران وأذنابها وكل الطعن في العرب … مع أن الأصل أن يتوجه اللوم والشتم للخونة من الروافض ممن وعدكم بالدخول في المعركة ثم تخلوا عنكم جهارا نهارا”.
– خالد مشعل (في اللقاء الجديد):
يحاول مشعل تبرير الموقف لكنه يعترف ضمنًا بأنهم تُركوا وحدهم، وأن الاعتماد كان على الذات لا على الحلفاء الذين “أوصدوا الأبواب”، قائلاً:
[45:06] “قد تكون الصورة شوية اختلت … لأن هناك أطرافا عربية وإسلامية أوصدت أبوابها دوننا… حماس في مسيرتها تعتمد بعد الله تعالى على ذاتها”.
ويضيف -محاولاً الترقيع-:
[45:24] “نحن جزء من هذه الأمة ولا نتخلى عن حلفائنا”.
ثم حاول التملص من المحور بقوله: “الناس تحسبنا على المحور”.
فهذا اعتراف مبطن بأن “وحدة الساحات” كانت وهمًا، وأن الحركة وجدت نفسها وحيدة تعتمد “على ذاتها” في الميدان، تماماً كما توقعتُ.
وقد علق الأستاذ عبد الله الجديع قائلا:
“ومثله مشعل الذي قال (الناس تحسبنا على المحور) و (حماس لم تكن يومًا تتموضع في محور بعينه) في تجاهل لموقف السنوار الذي جعل نفسه جزءًا من المحور، وأنَّ صالح العاروري كان جزءًا مما سمي (وحدة الساحات)، لذلك جاء حديث مشعل في هذا السياق انسحابًا من المحور، بحجة أنَّ الناس صنفت الحركة هكذا! لا أنها كانت جزءًا منه بحق.”
رابعا:
نهاية الطموح السياسي: من “حكم غزة” إلى “لجنة تكنوقراط”
– في مقالاتي:
سخرتُ من مؤتمر “وعد الآخرة” وخططهم لإدارة الدولة (الوهمية)، وبينت أن النتيجة ستكون خسارة ما كان بيدهم أصلاً.
– خالد مشعل (في اللقاء الجديد):
يعلن مشعل بوضوح قبولهم بتسليم إدارة غزة (التي كانوا يحكمونها منفردين) إلى لجنة تكنوقراط، مما يعني سياسيّا العودة خطوات هائلة للوراء، قائلاً:
[29:43] “توافقنا على أن تسلم إدارة غزة لحكومة تكنوقراط من داخل غزه… وقُدم (٤٠) اسمًا تقريبا استُخلص منهم حوالي ثمانية … وهم الذين يديرون غزه”.
وهذا إقرار بفشل مشروع “التمكين” الذي كانوا يتغنون به، والقبول بـ “إدارة تكنوقراط” مجردة من السلطة السياسية الحقيقية كحل للنجاة مما صنعوه.
خامسا:
الاعتراف باستمرار الحرب كـ “حرب إبادة” وليست مغامرة مدروسة!
– في مقالاتي #كارثة_الطوفان:
انتقدت من صوّر الأمر أنها مغامرة مدروسة (وهي كلمة خالد مشعل نفسه!) ، وأكدت أنها “حرب إبادة” وقد جرت الويلات.
– خالد مشعل (في اللقاء الجديد):
يستخدم مصطلح “الإبادة” ويقر بأنها استمرت عامين كاملين، وليست أيامًا كما كانوا يتوهمون:
[12:27] “الحرب بصورتها اللي تمثل حرب إبادة شاملة اللي رأيناها عبر عامين كاملين لا شك أنها انتهت ونرجو ألا تعود”.
سادسا:
من “عشاق الموت” و “أصحاب الأخدود” إلى “حب الحياة”
– في مقالاتي السابقة (#كارثة_الطوفان) الحلقة (٩):
انتقدت -بشدة- العبث بمفهوم الجهاد وتحويله لمشروع موت، وسخرت من التصريحات التي تقول إن شعب غزة خلق ليموت، وقلت: “زاد على ذلك ما حصل من قادة وعلماء ودعاة من تحريفات لشرع الله … وأصلوا لمن دخل معركة أن لا يوقفها … ويرد على الكذبتين: سحب خالد بن الوليد للمسلمين من معركة مؤتة حفاظا على حياتهم”.
– موقف خالد مشعل الجديد:
ينقلب مشعل على خطاب “الموت” السابق، ليتبنى خطاب “الحياة” والتعافي: [15:56] “المعاناة الفلسطينية… الناس اليوم في منخفض جوي جديد في غزة… الخيم أصبحت مهترئة…”
[08:27]” نحن بشر نصيب ونخطئ”.
وأكد على ضرورة “إغاثة الناس” و “التعافي”.
– تعليق (الأستاذ عبدالله الجديع):
“لقد كان السنوار يتحدث عن أهل غزة بأنهم أصحاب الأخدود، مستعدون لأن يحرقوا حتى آخر طفل، كذلك كان متحدثو حماس عمومًا، بل كان “سعيد زياد” في قناة الجزيرة يقول: سيقاتل الغزي بلحم الأطفال!.
لكن التحديث الجديد الذي يحاول تمريره مشعل يظهر أي خسارة لحماس في الحاضنة الشعبية وفق خطابها السابق.
فيؤكد على أنَّ (أهل غزة يحبون الحياة!) وفي الوقت الذي كان أي حديث عن وقف الحرب أو العمليات ضد إسرائيل يقارب بالخيانة.”
وقال الجديع -أيضا-:
“فصرنا نسمع لغة إننا بشر نصيب ونخطئ، بدل حديثه السابق عن خسائر غزة التكتيكية! وموالين لإسرائيل عند كل تخطئة للقرار! ففي حديثه تلميح قوي إلى الخطأ الكارثي في إطلاق ٧ أكتوبر، بما جره ذلك من تدمير للحركة وغزة عمومًا، كأساس جديد لسياسته في حماس.”
سابعا:
التناقض في المواقف .. “الخيانة” بالأمس هي “الضمانات” اليوم
– في مقالاتي السابقة (#كارثة_الطوفان) الحلقة (١٣):
ذكرت كيف كانت حماس تمنع الفصائل الأخرى من إطلاق الصواريخ سابقا بدعوى “عدم استدراج العدو”، وتساءلت عن ازدواجية المعايير.
– موقف خالد مشعل الجديد:
يعلن مشعل القبول بتسليم إدارة غزة لحكومة “تكنوقراط”، بل ويقدم تعهدات أمنية ضمنية بعدم شن هجمات:
أ. تجميد السلاح ومنع الاستعراض به:
[22:17] يقول مشعل:
“كيف هذا السلاح يُخبأ ويُحفظ ولا يُستعمل ولا يُستعرض به في ذات الوقت لا يسلم”.
ب. ضمان عدم وجود أي تصعيد ضد إسرائيل:
[22:50] يقول عن دور الضامنين (الوسطاء):
“يستطيعون أن يضمنوا غزة وأن يضمنوا حماس وقوى المقاومة، بحيث إنه لا يأتي من داخل غزة أي تصعيد عسكري ضد إسرائيل”.
ج. عرض هدنة طويلة الأمد:
[22:28] يقول:
“عرضنا فكرة الهدنة سبع سنوات، ١٠ سنين، هدنة طويلة المدى بحيث هذه تشكل ضمانة حقيقية”.
– تعليق (الأستاذ عبدالله الجديع):
” وفي الوقت الذي كان أي حديث عن وقف الحرب أو العمليات ضد إسرائيل يقارب بالخيان، يقدم مشعل استعداده لصورة معينة من تجميد السلاح ومنع ظهوره حتى في الاستعراضات وتقديم ضمانات ألا يخرج أي هجوم من غزة على إسرائيل! وهو ما كان التيار المحسوب على إيران -وأحيانًا يداهنهم مشعل- يصفه كـ(دفاع عن إسرائيل!)”.
ثامنا:
الهدنة (الهدوء الطويل): من “الخيانة” و”التثبيط” إلى طوق النجاة الوحيد
– في مقالاتي #كارثة_الطوفان (الحلقة ١٠ و ١١):
أصلتُ شرعًا لمشروعية “الهدنة” و “الصلح” و “وقف القتال” (ولو لعشر سنين أو أكثر) حقناً للدماء وحفاظاً على بيضة الإسلام، مستدلاً بفعل النبي ﷺ في الحديبية وبأقوال ابن تيمية والقرضاوي.
وانتقدتُ -بشدة- من يعدّ المطالبة بوقف الحرب “تثبيطًا” بينما العدو يبيد الناس، وذكرت أن إيران هي التي كانت تنصح بعدم قبول الهدنة -(حلقة ٨)- لاستنزاف المنطقة.
وبعد عامين من رفض الوساطات وإطالة أمد الحرب، يأتي مشعل ليعرض هو بنفسه هدنة طويلة الأمد كحل وحيد:
قال في [الدقيقة 22:28] :
“عرضنا فكرة الهدنة سبع سنوات، ١٠ سنين، هدنة طويلة المدى بحيث هذه تشكل ضمانة حقيقية”.
فاليوم يتبنى مشعل “الهدنة الطويلة” (التي دعا إليها العقلاء والعلماء سابقًا وحذرت أنا من تركها) كخيار استراتيجي للنجاة، ولكن بعد خراب غزة! فقد كان بالإمكان عقد هذه الهدنة قبل الـ ٧٠ ألف قتيل، وحينها كانت ستكون هدنة “أنداد”، أما اليوم فهي هدنة “اضطرار” وطلب للنجاة.
قال الأستاذ عبد الله الجديع:
“بعد تدمير غزة حيث لا يمكن أن تعفى حماس من مسؤوليتها البتة حتى مع وجود تيارات داخلها، وهي اليوم تحاول أن تطمئن الغزيين والمجتمع الدولي أنهم لن يعودوا بهم إلى حرب أخرى”.
= الخاتمة، والسؤال الذي يفرض نفسه:
لقد انتهى “الطوفان” باعتراف قائده السياسي بسيطرة العدو على ٦٠٪ من غزة، ودمار شامل، وخسائر بشرية هائلة، وعودة للمطالبة بـ “خيمة” و “حكومة تكنوقراط”.
وهنا نختم بالسؤال الذي طرحه “الجديع” ويوافق ما طرحته أنا في أول مقال:
“هل كان الأمر يحتاج إلى كل تلك السنوات من المواجهات وتسليم الرهائن وتحويل حياة السكان إلى جحيم حتى يقول مشعل لا تطالب غزة بواجب المقاومة بل بالتعافي؟ فعلامَ لم تتجنبوا الكارثة ابتداءً؟.”
= ورسالة إلى من سحرهم إعلام الجزيرة وغرتهم أسماء علماء الطوفان وبحثوا عن الشهرة في كثرة المشجعين والمادحين لهم، وخافوا من خسارة” اللايكات”، وأكل قلبهم الحسد:
ها هو الشنقيطي، والهامي، وأيمن وادي، وخالد مشعل، وكلهم أبناء الحركة والجماعة، بل من قادتها سياسيا وعلميا، فماذا تريدون بعدُ لتسيقظوا من غفلتكم وتتوبوا لربكم وتعتذروا لأهل غزة ولأتباعكم؟
أعلم أنه قد رجع كل واحد منكم لحاله قبل الطوفان، فهذا ينشر خرافات الطاقة، وذاك يؤسس لانتشار سوق عمله، وآخر يكتب في مواضيع تافهة، ورابع وخامس وسادس، فهل تظنون أن الأمر قد انتهى إلى هاهنا؟ وهل تظنون الأمر بهذه السهولة ليرجع كل واحد منكم لعمله بعد ما أصّلتم ونظّرتم لهذه الكارثة وتركتم أهل غزة بعذاباتهم المستمرة؟.
فالله الموعد، وهو نعم المولى ونعم النصير.
مقابلة خالد مشعل:
كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
٢١ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ، ١٢/ ١٢/ ٢٠٢٥

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

ابقَ على إتصال

2,282المشجعينمثل
28,156أتباعتابع
12,600المشتركينالاشتراك

مقالات ذات صلة