تَهافت “التَّفْسير الزَمَني” للقرآن الكريم.
السؤال
ما تعليقكم على هذا المَقْطع؟
الجواب
الحمد لله
هذا الذي في المقطع هو عَيْن العَبَث بكتاب الله، وهو نوع من “الكهانة الرقْمية” التي تلبس لبوس التفسير، وتنتشر للأسف عند بعض الحركيين ومَن تأثر بمدرسة “بسام جرار” في الإعجاز العَدَدي الموهوم.
وإليك أبرز ما فيه مِن جنايات على الشرع المطهَّر:
١. الجِناية على “أسباب النزول” والسياق القرآني:
فقد قام صاحب المقطع بإنزال آيات نزلت قطعا في “غزوة الأحزاب” و “بني قريظة” في السنة الخامسة للهجرة على سنوات ميلادية معاصرة (٢٠٢٣-٢٠٢٧) بلا أي رابط شرعي أو لغوي.
وهذا مسلك “الباطنية” الذين يُعطلون المعاني الظاهرة للنص التي تتحدث عن وقائع تاريخية مُحددة وأحكام عامة، ويستبدلونها بمرادات مِن عند أنفسهم.
فالآيات تتحدث عن:
{وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ} والمقصود قريش وغطفان، فَجَعَلها هو تتحدث عن عام ٢٠٢٥! هذا تحريف للكلم عن مواضعه.
٢. جناية “التوقيت” والرجم بالغيب:
وفي المَقْطع تحديد سنوات بعينها للنصر أو الهزيمة (٢٠٢٥ بداية النصر، ٢٠٢٧ زوال دولة يهود) بناءً على أرقام الآيات أو ترتيبها.
وهذا ضلال مبين فالغيب لا يعلمه إلا الله، ورَبْط الآيات بتواريخ مستقبلية هو تقوُّل على الله بغير علم.
وقد سبق هؤلاء “بسام جرار” و “أحمد نوفل” وغيرهما بتوقيت زوال إسرائيل عام ٢٠٢٢م بناءً على حساب الجُمَل والمعادلات الرقمية، ومر العام ولمْ يحدث شيء، بل احتل ٨٠٪ مِن غزة مِن قِبَل اليهود، وقَتْل وجرح ربع مليون غزي، فكان فتنة للمساكين الذين علَّقوا إيمانهم بالأرقام لا برب الأرقام.
٣. جناية اتخاذ القرآن “عِضين” و”أحاجي وألغاز”:
وقد تم بالمقطع تحويل القرآن مِن “كِتاب هداية وتشريع” إلى “روزنامة سياسية” أو “كتاب تنبؤات وكهانات” .
والله عز وجل أنزل القرآن ليُتدبر ويُعمل به، لا ليكون مادة للحسابات الفلكية والتكهنات، وهذا الصنيع يُفرِّغ القرآن مِن هيبته، ويجعل العوام ينتظرون “السَّنَة” فإذا انقضت ولمْ يَحْدث الموعود، شكُّوا في صِدْق القرآن نفسه! بينما الخلل في فَهْم هؤلاء وتخرُّصهم لا في القرآن.
٤. جناية مخالفة منهج السلف في التفسير:
ويدخل فِعْلهم في “التفسير بالرأي المذموم” وهذا النوع مِن التفسير لا يستند إلى قرآن، ولا سُنَّة، ولا قول صحابي، ولا لغة عربية، بل هو مُجرَّد “خرص” وتخمين.
فهل قال أحد مِن المفسرين عَبْر ١٤٠٠ سنة إنَّ ترتيب آيات الأحزاب يشير لسنوات ميلادية -وهو تقويم شَمْسي نصراني أصلا لم يكن العرب يؤرخون به-؟!
ومن أين جاء برقم (٢٠٠٠) ليضيفه على الآيات (٢٣-٢٧) مِن سورة الأحزاب؟ هل نزل به وحي؟ أم هو حديث نبوي؟ بل هو مُجرَّد إقحام رقم مِن كِيسه ليوافق النتيجة التي في رأسه، وهو نوع مِن “التحكم” المرفوض عِلْميا وشرعيا.
وإذا فُتح هذا الباب، سيأتي شخص آخر ويضيف رقم (١٩) أو (٢٠٢٤) أو أي رقم ليخرج بنتيجة توافق هواه، وهذا يحيل القرآن مِن كتاب هداية إلى أُحْجية رياضية خاضعة للأهواء، وهو جوهر “الكهانة الرقمية” .
إنَّ آيات سورة الأحزاب تتحدث عن المؤمنين، الصادقين، الشهداء، فإقحام حِسابات “الجُمَل” والأرقام المخترَعة عليها هو صرف للآيات عنْ مراد الله وعنْ تدبرها الواجب.
٥. جناية العبث النفسي، والأماني الكاذبة:
فهذا الخِطاب يَخدع الأمة بـ “مخدرات رقْمية” بدلا مِن حث الناس على الإعداد الإيماني والمادي الذي هو شرط النصر {وَأَعِدُّوا لَهُم ما اسْتَطَعتُم مِنْ قُوّة} يتم تعليقهم بتواريخ حتمية (٢٠٢٦ و ٢٠٢٧)، ممَّا يورث التواكل، ثم الإحباط عند تخلف الميعاد.
٦. وأخيرًا:
الواجب شرعا صيانة جناب القرآن عنْ أن يُجعل “ألعوبة” بيد المتحمسين الذين يريدون استنطاق النص بما لا يُحتمل لتسويغ مواقف سياسية أو رفع معنويات بأساليب وهمية، والنصر آتٍ بوعد الله الشرعي والكوني، لا بـ “كهانة” الحسابات والتواريخ الميلادية.
والله الهادي.
✍️ كتبه:
أبو طارق إحسان العتيبي
٢١ رجب ١٤٤٧ هـ، ١٠/ ١/ ٢٠٢٦ م


