التأصيل الدقيق لحال أبي طالب وعدم صحة وَصْفه بالنفاق.

السؤال

تعجبت من وصف الشيخ عبد الكريم الخضير حفظه الله من وصف أبي طالب بالنفاق، وننتظر تعليقا علميا على هذا المقطع.

الجواب

الحمد لله

أولًا:

التعريف الشرعي والاصطلاحي للنفاق هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر، وحال أبي طالب هو العكس تمامًا؛ فقد كان يوقن بصدق دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في باطنه، ولكنه أظهر الكفر والشرك وأبى النطق بالشهادتين حميّةً لملة آبائه.

وهذا الحال في الميزان الشرعي لا يسمى نفاقًا بحال من الأحوال، بل يسمى “كفر جحود وعناد واستكبار”، وهو يشبه حال أهل الكتاب الذين يعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم رسولُ الله، وأن ما جاء به حق وصدق، وتيقنوا ذلك كما تيقنوا أبناءهم بحيث لا يشتبهون بغيرهم، كما قال تعالى ٱلَّذِینَ ءَاتَیۡنَـٰهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ یَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا یَعۡرِفُونَ أَبۡنَاۤءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِیقࣰا مِّنۡهُمۡ لَیَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ یَعۡلَمُونَ} البقرة/ ١٤٦، وكحال فرعون وقومه الذين قال الله فيهم: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} النمل/ ١٤.

ثانيًا:

ويضاف إلى ذلك نقطة تاريخية وتأصيلية هامة: أن النفاق لم يظهر في مكة أصلًا، بل كان الناس إما على الكفر والشرك وإما على الإسلام، وإنما ظهر النفاق في المدينة المنورة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقوة شوكة المسلمين. وأبو طالب توفي في مكة قبل الهجرة، فبيئته وزمانه لم يعرفا النفاق الشرعي.

وبناء على هذا التأصيل، فإن إطلاق وصف النفاق على أبي طالب من قبل الشيخ عبد الكريم الخضير حفظه الله هو إطلاق غير دقيق علميًّا ومصطلحيًّا، وهو في الغالب سبق لسان في غمرة الدرس الارتجالي؛ حيث أراد الشيخ التعبير عن التناقض بين يقين القلب المستقر وقول اللسان المعاند، فاستخدم لفظ النفاق في غير محله.

فأبو طالب كافر معاند، وليس منافقًا لا عقديًّا ولا عمليًّا؛ لأن النفاق العملي هو إظهار خصال الخير مع إبطان خلافها كالكذب وخيانة الأمانة، وهذا لا ينطبق على موقفه الكفري الصريح.

ثالثا:

وأضيف فائدة مهمة:

وهي أن الدرك الأسفل من النار ليس محصورا في المنافقين فحسب، بل يشاركهم فيه أئمة الكفر وأشد الناس عذابا، كآل فرعون، ومن كفر من أصحاب المائدة، كما نقل ذلك المفسرون عن عبد الله بن عمرو بن العاص والضحاك.

والله أعلم

✍️كتبه: أبو طارق إحسان العتيبي

٢٦ صفر ١٤٤٨ هـ – ٧ سبتمبر ٢٠٢٦ م

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة