هل تختصّ صفة نزول الله تعالى للسماء الدنيا في ثلث الليل الآخر بلاد بعينها؟

السؤال

ينزل الله سبحانه وتعالى إلى أدنى سماء خلال الثلث الأخير من الليل، فهل هذا الوقت يخص أية بلاد بعينها، أم أن ذلك الوقت ليس له دخل بوقتنا العادي (المكون من 24 ساعة)، أرجو أن توضح هذه المسألة مع الأمثلة.

الجواب

الحمد لله

يجب على المسلم الإيمان بما جاء به الشرع من صفات الله تعالى من غير تمثيل ولا تعطيل ولا تحريف ، ولو فعل ذلك ما استشكل الصفات التي جاءت في القرآن والسنَّة .

وإن الذي حرَّف صفات الله تعالى ومثله الذي عطَّلها – ويلحق بهم من يسأل مثل هذا السؤال مستبعداً مستنكراً – كل أولئك مصابون بمرض التشبيه ، فإنهم لما شبهوا ربَّهم تعالى بخلقه راحوا يعطلون صفاته ويحرفونها ظانين أن في إثباتها إثباتاً لمشابهة الله بخلقه .

ولو أن نفوسهم خلت من مرض التشبيه ما وقعوا فيما وقعوا فيه .

وهذا السؤال إنما يرد – ابتداءً – من مريد لتعطيل هذه الصفة وهذا الفعل لله تعالى ، وعندما يسأل الواحد من هؤلاء مثل هذا السؤال يخطر في قلبه نزول مَلِك أو حاكم على أهل بلده في وقت معين ، فإنه – عندهم – لا يكون في الوقت نفسه في كل قرية وفي كل مدينة ، بل يكون في وقت في بلد وبعدها في البلد الآخر ، وهذا الذي يرونه من أفعال البشر والخلق طبقوه على ربهم تعالى ، فعندما علموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن ربه عز وجل أنه ينزل لخلقه في الثلث الأخير من كل ليلة استشكلوا ذلك بناءً على ما علموه ورأوه من فعل وصفات البشر .

* ولذلك تنوعت عبارات السلف في رد هذه الشبهة الضالة على أصحابها بأجوبة محكمة سديدة، منها :

أ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية :

وكذلك إذا قال : كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟

قيل له : كيف هو ؟

فإذا قال : لا أعلم كيفيته .

قيل له : ونحن لا نعلم كيفية نزوله ، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف وهو فرع له وتابع له فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه واستوائه ونزوله وأنت لا تعلم كيفية ذاته .

وإذا كنت تقر بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء : فسمعه وبصره وكلامه ونزوله واستواؤه ثابت في نفس الأمر ، وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم وكلامهم ونزولهم واستواؤهم .

وهذا الكلام لازم لهم في العقليات ، وفى تأويل السمعيات . ” مجموع الفتاوى ” ( 3 / 25 ، 26 ).

ب. وروى البيهقي عن الحاكم عن محمد بن صالح بن هانئ سمع أحمد بن سلمة : سمعت إسحاق بن راهويه يقول : جمعني وهذا المبتدع – يعني : إبراهيم بن أبي صالح – مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ، فسألني الأمير عن أخبار النزول ، فسردتها ، فقال ابن أبي صالح : كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء ؟ فقلت : آمنتُ بربٍّ يفعل ما يشاء .

ج . وقال إسحق رحمه الله تعالى : دخلتُ على ابن طاهر ، فقال : ما هذه الأحاديث يروون أن الله  ينزل   إلى السماء الدنيا ؟

قلت : نعم ، رواها الثقات الذين يروون الأحكام .

فقال : ينزل ويدع عرشه ؟

فقلت : يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش ؟

قال : نعم .

فقلت : لم تتكلم في هذا ؟

د. وقال أحمد بن سعيد الرباطي: حضرت مجلس ابن طاهر ، وحضر إسحق ، فسئل عن حديث النزول أصحيح هو ؟

قال : نعم .

فقال له بعض القواد : كيف ينزل ؟

فقال : أَثْبته فوق حتى أصف لك النزول .

فقال الرجل : أُثبته فوق .

فقال إسحاق : قال الله تعالى : { وجاء ربك والملك صفّاً صفّاً } [ الفجر / 22 ] .

فقال ابن طاهر : هذا يا أبا يعقوب يوم القيامة .

فقال : ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم ؟ .

هـ . وسأل رجل إسحاق بن راهويه عن نزول الله تعالى ، فقال له الإمام : قل لي كيف هو أقل لك كيف ينزل .

فانقطع الرجل .

قال حافظ حكمي بعد نقل ما سبق عن الإمام إسحاق بن راهويه :

وهذا الذي قاله إسحاق رحمه الله تعالى هو الذي عليه عامة أهل السنة والجماعة كما قدمنا عنهم في جميع نصوص الصفات ، وأن مذهبهم إمرارها كما جاءت والإيمان بها بلا كيف ..

وكان قال قبلها :

ونحن نشهد شهادة مقر بلسانه مصدق بقلبه مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب جل وعلا من غير أن نصف الكيفية ؛ لأن نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يصف كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، وأعلمنا أنه ينزل ، والله جل وعلا لم يترك – ولا نبيه صلى الله عليه وسلم – بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة من أمر دينهم ، فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول كما يشاء ربنا ، وعلى ما يليق بجلاله وعظمته عز وجل غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية ، إذ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصف لنا كيفية النزول ، فنسير بسير النصوص حيث سارت ، ونقف معها حيث وقفت ، لا نعدوها إن شاء الله تعالى ولا نقصر عنها .

وقد تكلفت جماعة من مثبتي المتكلمين فخاضوا في معنى ذلك وفي ذلك الانتقال وعدمه ، وفي خلو العرش منه وعدمه نفيا وإثباتا ، وذلك تكلف منهم ، ودخول فيما لا يعنيهم ، وهو ضرب من التكييف لم يأت في لفظ النصوص ، ولم يسأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء من ذلك حين حدثهم بالنزول ، فنحن نؤمن بذلك ونصدق به كما آمنوا وصدقوا .

فإن قال لنا متعنت أو متنطع : يلزم من إثبات كذا كيت وكيت في أي شيء من صفات الله .

قلنا له : أنت لا تلزمنا نحن فيما تدعيه ، وإنما تلزم قائل ذلك وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن كان ذلك لازماً لما قاله حقيقة : وجب الإيمان به ، إذ لازم الحق حق .

وإن لم يك ذلك لازما له : فأنت معترض على النبي صلى الله عليه وسلم كاذب عليه متقدم بين يديه . ” معارج القبول ” ( 1  / 301 ، 302 ، 303 ) .

و. والعجيب أن هؤلاء الذين ينكرون أفعال الرب تعالى هذه وصفاته يؤمنون بما  هو أعظم من هذا الفعل وهذه الصفة ، ومع ذلك لا يستشكلون ولا ينكرون ، ومنه :

  • إيمانهم بأن الله تعالى يسمع جميع خلقه على تعدد لغاتهم في لحظة واحدة دون أن تختلط عليه اللغات، وهذا الأمر لو جعلوه في البشر لكان مستحيلاً ، فكيف آمنوا به ؟ إن الجواب في قوله تعالى{ ليس كمثله شيء } ، ألا فليكن هذا جوابهم عن شبهتهم تلك .
  • إيمانهم بأن الله تعالى يقول عند قوله عبيده { الحمد لله رب العالمين } : حمدني عبدي ، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم ، فلو قال لهم قائل : إنه في كل لحظة أو أقل منها يقول جمع كبير من الناس في آنٍ واحد : { الحمد لله رب العالمين } فكيف يقول الله تعالى لهم كلهم : حمدني عبدي ؟ إن الجواب هو في قولهم { ليس كمثله شيء } ، ونقول : وهو جوابنا عن شبهتكم تلك .

ز. وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله سؤالاً قريباً من هذا وأجاب بإجابة متينة مطوَّلة فليرجع إليها من شاء الاستزادة ، وهي في ” مجموع الفتاوى ” ( 5 / 321 – 582 ) .

 

والله أعلم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

spot_img

أكثر الفتاوى شهرة