استفسار عن نظام المرابحة في شركة الكهرباء
السؤال
– بارك الله في جهودكم ونفع بكم الإسلام والمسلمين
في الشركة السعودية للكهرباء يوجد صندوق ادخار واستثمار ، ومن خدمات هذا الصندوق : ” المرابحة ” ، ولقد أرسلت لكم نسخة من العقد وطريقته باختصار :
- يذهب المشتري ويحدِّد السلعة ومواصفاتها .
- يخبر الصندوق بالسلعة ومكانها ومواصفاتها .
- يذهب مندوب الصندوق لشراء السلعة ويسلم النقود للتاجر .
- الصندوق يكتب توكيل للمشتري باستلام السلعة من التاجر .
ملاحظة : لا يلزم المشتري بالشراء بعد تملك الصندوق للسلعة ولكن يغرم مقدار الخسارة التي تسبب فيها على الصندوق حيث يقوم الصندوق ببيع السلعة على مشترٍ آخر ، وإذا كان هناك خسارة يتحملها المشترى الذي لم يفِ بالوعد .
أرجو إفادتنا بحكم التعامل مع هذا الصندوق ، وهل هذا العقد يعتبر مرابحة إسلامية أم يشوبه نوع من الربا ؟ . وجزاكم الله خير الجزاء .
الجواب
الحمد لله
البنوك الإسلامية [ – وتبعتها الصناديق الاستثمارية للموظفين في المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة ، والمحلات التجارية ، بل وتبعها أشخاص عاديون – ] لا تشتري السلع باعتبارهم تجاراً بل هم ممولون للسلع التجارية وهم يحتالون على الشرع ، فبدلاً من إقراض الناس بفائدة ربوية نجدهم يحققون المقصد نفسه بإعطاء المبلغ للتاجر صاحب السلعة ، ويدفع المشتري الأقساط بزيادة على ما دفعه البنك للتاجر .
وعند التأمل لا تجد فرقاً بين المعاملة الربوية الصرفة وبين ما تسميه البنوك والجمعيات ” مرابحة ” .
سئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – :
رجل بجواره مزرعة أراد أن يشتريها ، فذهب إلى أحد المصارف وطلب منهم أن يشروها له ، قالوا له : نرسل معك مندوباً يقدرها ثم نبيعها عليك ، كيف يكون هذا ؟
فأجاب :
هذا عمل محرَّم يعني كون الإنسان يعيِّن السلعة ثم يذهب إلى التاجر ويقول : اشترها لي فيشتريها التاجر ثم يبيعها عليه بثمن مؤجل – أي : مقسَّط – أكثر من ثمنها الحاضر ، هذا ربا ولكنه ربا فيه خداع لله عز وجل ومكر بآيات الله لأنه بدل أن يقول : خذ قيمتها الآن مائة ألف وأعطني بعد سنة مائة وعشرين ألفاً ، فهو ذهب يشتريها شراءً غير مراد ، هذا التاجر ما أرادها إطلاقاً ، ما اشتراها إلا من أجل أن يربح عليه ، فهو لم يشترها إحساناً إليه ، ولم يشترها إلا من أجل هذه الزيادة التي أخذها عليه ، فهي ربا خداع ، وربا الخداع لا يزداد إلا قبحاً وإثماً ، الربا الخداع أشد من الربا الصريح ؛ لأنه تضمن مفسدتين :
المفسدة الأولى : مفسدة الربا ، وهي الزيادة .
المفسدة الثانية : فيه مخادعة ، مخادعة لمن ؟ لله رب العالمين الذي يعلم ما في القلوب ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن الحقَّ قال ” إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ” ، لو كان التاجر يريد الإحسان إليك لقال : خذ هذه الدراهم قرضاً عليك بدون زيادة ، نعم ، إذا كانت السلعة عند التاجر من الأصل وجئتَ أنتَ إليه واشتريت ما يساوي ألفاً بألفٍ ومئتين : هذا لا بأس به ، أما هذه الصورة التي ذكرها السائل : إنها والله حرام ولا تحلّ ، وأنا أسألكم الآن : هل هذه الحيلة أقرب إلى الحرام أو حيلة اليهود الذين قيل لهم لا تصيدوا السمك في يوم السبت ثم ابتلاهم الله فصار السمك يأتي يوم السبت ، ويغيب غير يوم السبت ، فطال عليهم الأمد فقالوا : دبِّروا لنا حيلة فاحتالوا وصاروا يضعون شبَكاً يوم الجمعة ويأتي السمك يوم السبت ويقع في هذا الشبَك ، فإذا كان يوم الأحد أخذوا السمك ، وقالوا : نحن ما صدنا يوم السبت ، فبماذا عاقبهم الله ؟ قال { كونوا قردة خاسئين } [ الأعراف / 166 ] ، فأصبحوا قردة يتعاوون – والعياذ بالله – ، هذه واحدة .
ثانياً : حرَّم الله عليهم الشُّحوم ، قالوا : ما نأكلها فأذابوها وجعلوها ودكاً ثم باعوها وأكلوا ثمنها ، قال النبي صلى الله عليهم : ” قاتل الله اليهود لمّا حرَّم الله عليهم شحوم الميتة أذابوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه ” .
لو قِسْتَ هذه الحيلة اليهودية بهذه الحيلة التي ذكرها السائل لوجدتَ أن الحيلة التي ذكرها السائل أقرب إلى الحرام من حيلة اليهود ، ولكن صدق الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ” لتركبن سنن من كان قبلكم ” ، وليس من اللازم من ركوب السنن أن نكفر كما كفروا ، إذا أخذنا من أخلاقهم شيئاً فقد ارتكبنا طريقهم في الشيء .
– الحسد – مثلاً – من أخلاق اليهود ، فالحاسد عنده شبَهٌ [ بـ ] اليهود في الحسد .
– كتمان الحق من أخلاق اليهود هم الذين يكتمون ما أنزل الله .
تحريف الكلام عن مواضعه أي : تفسير القرآن بغير ما أراد الله أو السنَّة بغير ما أراد الرسول صلى الله عليهم وسلم .
هذه من أخلاق اليهود ، فقوله : ” لتركبن سنن من كان قبلكم ” ليس المراد أننا نكفر كما كفروا ، وإنما نأخذ من كل شيء من أخلاقهم بنصيب ، فوُجد في هذه الأمة الحسد ، وُجد فيها الحيَل ، وُجد فيها الغش ، وُجد فيها تحريف الكلِم عن مواضعه ، وُجد فيها كتمان الحق فعليك يا أخي أن تُنقذ نفسك من أخلاق اليهود والنصارى ، وغيرهم من الكفار ، حتى تسلَم وتكون مسلماً لله حقّاً .
المهم أن هذه المعاملة حرام على المُعطي ، وعلى الآخذ ؛ لأن الربا يستوي فيه الآكل والمُوكل ، قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : ” لعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم آكِلَ الربا وموكِلَه وكاتبه وشاهدَه ، وقال : هم سواء ” .
” لقاءات الباب المفتوح ” ( السؤال رقم 501 ) .
والله أعلم.


