هل يجوز العمل عند أصحاب الأموال المحرَّمة؟
السؤال
أعمل عند رجل ، وأعلم علم اليقين أنه أكل ميراث إخوته ، ولا أستطيع أن أتكلم لأن في حالة كلامي فسيتم فصلي من العمل ، وفرص العمل في بلدي محدودة للغاية ، خصوصاً في مجالي ، فهل يعتبر راتبي حلالاً أم حراماً ؟ .
الجواب
الحمد لله
المال الحرام إنما أن يكون محرَّماً لذاته وعينه كما لو كان مغصوباً ، وإما أن يكون محرَّماً لكسبه ، كمن يعمل في البنوك أو يتاجر بالمحرمات .
وفي حال كون المال محرَّماً لذاته : فإنه لا يحل لآخر يعلم به أن يعامله به كمن يبيعه أو يقبل هديته ، ويختلف هذا الحكم عما لو كان محرما لكسبه .
وعليه : فإذا كانت الشركة قد أسِّست من مال ميراث الإخوة المغصوب وليس للغاصب فيها مال خاصٌّ به : فالظاهر عدم جواز العمل عنده ؛ لأن المال المدفوع له ليس مال صاحب العمل .
وإن كان المال مخلوطاً من مال الورثة المغصوب ومن مال صاحب العمل : فلا بأس بالعمل عنده وأخذ راتب منه مقابل العمل بشرط أن يكون العمل ذاته مباحاً .
واليهود – كما هو معلوم – يأكلون أموال الناس بالباطل ويأخذون الربا والسحت ، ولهم مالهم المباح ، ومع هذا فقد أكل النبي صلى الله عليه وسلم عندهم ، واشترى منهم ، بل مات ودرعه مرهونة عند يهودي اشترى منه طعاماً لأهله .
عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما , ورهنه درعا من حديد . رواه البخاري ( 1962 ) ومسلم ( 1603 ) .
قال ابن دقيق العيد :
والحديث دليل على جواز الرهن, مع ما نطق به الكتاب العزيز ودليل على جواز معاملة الكفار, وعدم اعتبار الفساد في معاملاتهم. ” إحكام الأحكام ” ( 2 / 146 ).
قال ابن تيمية :
من غلب على ماله الحلال : جازت معاملته ، كما ذكره أصحاب الشافعي وأحمد ، وإن غلب الحرام : فهل معاملته محرمة أو مكروهة ؟ .
على و جهين …
فإذا كان المستحق لذلك جماعة من المسلمين أو معيَّن منهم : فهو نفسه قد ظلم أولئك جميعهم بما أخذه منهم بغير حق ، وأما المشترى منه الذي أعطاه العوض وزيادة : فلم يظلم أحداً ، وهذا بيِّن إذا كان ماله مختلطا بعضه ببعض لا يتميز منه ما أخذه حراما ؛ فإن حق المظلومين ثبت في ذمته ، وهذه الأعيان التي في يده لا يستحقها بعينها المظلومون ، فمعاوضته عليها جائزة ، وعليه أن يعطي المظلوم ما أخذه بغير حق ، وبهذا أفتى في مثل هذا من شاء الله من العلماء ، وهذا كسائر من عليه دين للناس وهو ظالم بمطله للغرماء ، فإن النبي صلي الله عليه وسلم قال : ” مطل الغنى ظلم ” ، ثم مع هذا إذا عاوض على ما في يده بمعاوضة المثل وزيادة : جاز باتفاق العلماء ، ولم يكره الشراء منه . ” مجموع الفتاوى ” ( 29 / 241 ) .
فإذا كان أكثر ماله حراماً ، وكان الحلال فيه قليلاً : لم يجز العمل عنده ، وإذا كان الحلال هو الأكثر : جازت معاملته والعمل عنده ، وبينهما مرتبة الكراهة وهي تشتد بكثرة الحرام وتخف بقلته .
قال العز بن عبد السلام :
فإن قيل : ما تقولون في معاملة من اعترف بأن أكثر ماله حرام , هل تجوز أم لا ؟ قلنا : إن غلب الحرام عليه بحيث يندر الخلاص منه لم تجز معاملته , مثل أن يقر إنسان أن في يده ألف دينار كلها حرام إلا دينارا واحدا , فهذا لا تجوز معاملته , لندرة الوقوع في الحلال , … , وإن غلب الحلال بأن اختلط درهم حرام بألف درهم حلال جازت المعاملة ، … , وبين هاتين الرتبتين من قلة الحرام وكثرته مراتب محرمة , ومكروهة , ومباحة , وضابطها : أن الكراهة تشتد بكثرة الحرام وتخف بكثرة الحلال , فاشتباه أحد الدينارين بآخر سبب تحريم بين , واشتباه دينار حلال بألف دينار حرام سبب تحريم بين , وبينهما أمور مشتبهات مبنية على قلة الحرام وكثرته بالنسبة إلى الحلال فكلما كثر الحرام تأكدت الشبهة , وكلما قل خفت الشبهة إلى أن يساوي الحلال الحرام فتستوي الشبهات , وسنذكر هذا في موضعه مستقصى إن شاء الله تعالى .
” قواعد الأحكام في معاملة الأنام ” ( 1 / 85 ، 86 ) .
ومع القول بالجواز إلا أننا نرى التنزه عن العمل عند صاحب العمل هذا ، إنكاراً لفعله ، وخشية من تعجيل الله له بالعقوبة ، وقد تضيع عليك حقوقاً وأموالاً ، ومن اغتصب حق إخوته فليس ببعيد عليه أن يأكل أموال غيرهم ظلماً وزوراً .
والله أعلم.


