هل يجوز له التنازل عن وظيفته لآخر مقابل مبلغ مالي؟
السؤال
شيخنا الفاضل:
مجموعة من الأشخاص اقترعوا على منصب عمل ، ومن خصائص هذه القرعة : أن يكون هناك شخص يفوز بالمنصب ، وشخص ثانٍ احتياطي له ، أي : يحل محله إذا توقف الفائز عن العمل .
السؤال :
هل يجوز للشخص الفائز بالقرعة أن يتنازل عن منصبه للشخص الاحتياطي مقابل مبلغ من المال ، حيث إن الشخص الأول طَلب من الثاني تسديد الأجر الشهري الذي سيتقاضاه خلال شهرين ؛ لأنه بحاجة لهذا المال – بحاجة لأجرة شهرين فقط – مقابل التنازل عن المنصب ، وإلا فإنه سيعمل شهرين ، ثم يستقيل ، وفي هذه الحالة الشخص الثاني لا يمكنه الاستفادة من المنصب . وفقكم الله.
الجواب
الحمد لله
التنازل عن منصب معين مقابل مبلغ من المال تسمَّى عند الفقهاء بمسألة ” الفراغ ” .
ففي ” الموسوعة الفقهية ” ( 32 / 82 ) :
وفي الاصطلاح الفقهيّ عرّفه الحنفيّة بأنّه : النّزول عن حقّ مجرّد كالوظيفة ، بعوَض ، أو بدونه . انتهى .
ومن حيث الحكم الشرعي : فقد ذهب الحنفية ، والشافعية إلى المنع من الفراغ ، وعدم ترتب آثاره عليه ؛ لأن حق الموظف في وظيفته لا يُتملك حتى يستطيع بيعه ، وخاصة إن كانت الوظيفة حكومية ، ومن أجاز التنازل في بعض الوظائف – كالوظائف الوقفية – : فإنه اشترط موافقة ناظر الوقف ، ولم يجعل الحق للمنزول له ، مع عدم تجويز أخذ عوَض مقابل تنازله .
وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 32 / 82 ، 83 ) :
اختلف الفقهاء في صحة الفراغ – وهو أن يتنازل صاحب وظيفة عن وظيفته لغيره بعوَض ، أو بدونه – فذهب الحنفية ، والشافعية ، إلى عدم صحة الفراغ ، وأنه لا تترتب عليه آثار شرعية ، وعليه : إذا عَزل صاحبُ الوظيفة نفسَه ، وفرغ لغيره عن وظيفة ، أو غيرها : فإن كان المنزول له غير أهل : فلا يجوز للقاضي تقريره فيها ، وإن كان أهلاً : لا يجب عليه تقريره ، وله تقرير غيره فيها ؛ لأن مجرد الفراغ سبب ضعيف ، فلا يُثبت للمفروغ له حقّاً ، إلا إذا انضم إليه تقرير ناظر الوقف ، أو القاضي ، جاء في ” تحفة المحتاج ” : ولو مات ذو وظيفة ، فقرر الناظر آخر ، فبان أنه نزل عنها لآخر : لم يقدح ذلك في التقرير ؛ لأن مجرد النزول سبب ضعيف ، إذ لا بد من انضمام تقرير الناظر إليه ، ولم يوجد فقُدِّمَ المقرَّر ، وجاء في ” حاشية ابن عابدين ” : وقد جرى العرف في مصر بالفراغ عن الوظيفة بالدراهم ، ولا يخفى ما فيه ، وينبغي الإبراء العام بعده ، وفيه إشارة إلى عدم جواز ذلك ، ونقل ابن نجيم عن الخير الرملي أنه قال لتعليل عدم الجواز : إنه حق مجرد ، لا يجوز الاعتياض عنه ، فلا طريق لجوازه .
ولأن الحقوق المجردة لا تحتمل التمليك ، ولا يجوز الصلح عنها ، وإتلافها لا يوجب الضمان ، وعلى هذا : لا يجوز الاعتياض عن الوظائف العامة من إمامة ، وخطابة ، وأذان ، وفراشة وبوابة ، وعلى وجه البيع ؛ لأن بيع الحق المجرد لا يجوز ، وسئل صاحب ” الفتاوى الخيرية ” عما إذا قرر السلطان رجلاً في وظيفة كانت لرجل فَرَغَ لغيره عنها بمال : أجاب : بأنها لمن قرره السلطان ، لا للمفروغ له ، إذ الفراغ لا يمنع التقرير ، سواء قلنا بصحة المتنازع فيها ، أو بعدمها الموافق للقواعد الفقهية ، كما حرره العلامة المقدسي ، وأفتى في ” الخيرية ” أيضا : أنه لو فَرَغَ عن الوظيفة بمال : فللمفروغ له الرجوع بالمال ؛ لأنه اعتياض عن حق مجرد ، وهو لا يجوز ، وقال : صرحوا به قاطبة ، ومن أفتى على خلافه : فقد أفتى بخلاف المذهب ، لبنائه على اعتبار العرف الخاص ، وهو خلاف المذهب .
ولكن أفتى كثير من العلماء باعتباره ، وعليه : فيفتى بجواز النزول عن الوظائف بمال .
وقال العلامة العيني في ” فتاويه ” : ليس للنزول شيء يعتمد عليه ، ولكن العلماء ، والحكام مشوا على ذلك للضرورة ، واشترطوا إمضاء الناظر لئلا يقع فيه نزاع . انتهى.
سئل الشيخ عبد الله بن جبرين – حفظه الله – :
شخص يعمل في … ، ويتقاضى راتباً شهريّاً قدره 1500 ريال ، عرض عليه أحد الأشخاص مبلغ 60 ألف ريال ليتنازل له عن هذه الوظيفة ، فما حكم التنازل عن هذه الوظيفة ، علماً بأن المتنازل سيحال إلى التقاعد قريباً ؟ .
فأجاب :
نرى أنه لا يجوز بيع هذه الوظيفة ؛ وذلك لأنها ملك للدولة ، ولكن له أن يتنازل عنها لأحد أقاربه ، أو أحد أولاده ، فإن أهداه ذلك الشخص شيئاً من المال : أخذه ، كهدية لا على أنه ثمن لتلك الوظيفة . ” فتاوى الشيخ ابن جبرين ” رقم ( 4730 ).
والحنابلة مع الحنفية ، والشافعية ، في عدم تملك الموظف لوظيفته ، وأنه لا يجوز له أخذ عوَض مالي مقابل تنازله عن وظيفته .
قال المرداوي الحنبلي – رحمه الله – :
وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله – أي : ابن تيمية – فيمن نُزل له عن وظيفة الإمامة : لا يتعين المنزول له ، ويُولِّي مَن إليه الولاية : مَن يستحق التولية شرعاً .
وقال ابن أبي المجد : لا يصح تولية غير المنزول له ، فإن لم يقرره الحاكم ، وإلا فالوظيفة باقية للنازل . انتهى . ” الإنصاف ” ( 6 / 273 ) .
– لكنَّ بعض الحنابلة أجاز ذلك في الوظائف الوقفية ، دون غيرها .
ففي ” المبدع شرح المقنع ” ( 5 / 254 ) :
وقد يستدل بجواز أخذ العوَض في ذلك كله : بالخلع ؛ فإنه يجوز أخذ العوض مع أن الزوج لم يملك البضع ، وإنما ملك الاستمتاع به ، فأشبه المتحجر . انتهى.
وفي ” الإقناع ” ( 2 / 94 ) :
وقد استنبط السبكي من هذه المسألة ، ومن خلع الأجنبي : جواز النزول عن الوظائف ، والذي استقر عليه رأيه أن أخذ العوض فيه جائز ، وأخذه حلال لإسقاط الحق ، لا لتعلق حق المنزول له ، بل يبقى الأمر في ذلك إلى ناظر الوظيفة ، يفعل ما فيه المصلحة شرعاً ، وبسط ذلك . انتهى .
والخلاصة :
أن الأصل في الموظف أنه لا يملك وظيفته ، بل ملكها للدولة إن كانت الوظيفة حكومية ، وملك لأصحاب الشركة ، أو المصنع ، إن كانت وظيفة تجارية ، وعليه : فلا يجوز له بيعها ، ويجوز له التنازل عنها لمن يراه أهلاً لها ، لا لقرابة ، ولا لمحبة شخصية ؛ لأنها أمانة ، إذا وافق أصحاب القرار ، ولا يجوز لأصحاب الوظائف إقرار أحد على تنازلهم عن وظائفهم إلا أن يرونه أهلاً لها .
ولا نرى ما قاله بعض الحنابلة من جواز أخذ العوض على التنازل عن وظيفة وقفية ، ولو كان ذلك بإذن ناظر الوقف ، أو القاضي ؛ لما سبق بيانه من كون حقه في الوظيفة غير قابل للملكية ، ولما في تجويز ذلك من فتح باب من الشر له آثاره السيئة الكثيرة .
والله أعلم.


